الأحد 23 سبتمبر 2018 7:10 م القاهرة القاهرة 30.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

ترامب والآخرون

نشر فى : الجمعة 11 نوفمبر 2016 - 9:20 م | آخر تحديث : الجمعة 11 نوفمبر 2016 - 9:20 م
لم يكن «دونالد ترامب» نفسه يتوقع انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية.
هو أول مرشح رئاسى يشكك، بلا أى معطيات، فى نزاهة الانتخابات قبل إجرائها متوعدا بعواصف عنف تجتاح أمريكا.

وهو أول رئيس تخرج بمجرد انتخابه تظاهرات حاشدة فى أرجاء مدن كبرى تعلن الاستعداد لمواجهات طويلة ومكلفة: «أوقفوا ترامب» و«ليس رئيسى»، كأنها مشاهد مقتطعة من العالم الثالث.

ولأول مرة يخوض رئيس أمريكى بصورة كاملة صراعا معلنا مع أحد المتنافسين على خلافته بحسبانه خطرا على الديمقراطية ولا يصلح لمسئولية الحقيبة النووية.

وقد كانت إشارة «باراك أوباما» عن «نقل سلس للسلطة» مثيرة بذاتها، فهذه هى القواعد الأمريكية الراسخة، التى لا تحتاج تأكيدات.

فى مؤتمر صحفى جمعهما فى البيت الأبيض كان لافتا تصريح آخر للرئيس المنتهية ولايته يدعو إلى «الوحدة لمواجهة التحديات».

تلك التفاتة إلى تهديد وجودى لم يعد خافيا لوحدة الولايات الأمريكية وللتعايش بين أعراقها.

احتمالات الصدام العرقى واردة، تبدت مقدماتها بين الشرطة والأمريكيين الأفارقة أثناء حكم رجل أسود، وقد تتسع أخطارها مع صعود رجل يدعو للعنصرية والتمييز ضد النساء والتحريض على كراهية الأجانب وتشق تصريحاته وحدة بلد متنوع الأعراق.

فى أجواء الاحتجاجات ارتفعت أصوات تدعو لانفصال بعض الولايات، وهذا خطر وجودى يلوح فى الأفق الأمريكى.

بتعبير شهير للفيلسوف الفرنسى «جان بول سارتر»: «الآخرون هم الجحيم»، وقد كانت نظرته فلسفية لمعنى الوجود الإنسانى.

أما بالنسبة لرجل أعمال، ثقافته متواضعة وطموحه بلا حد، فإن الآخرين هم نصف مجتمعه، كما أغلبية دول العالم.

المعنى أن الرئيس المنتخب فى حرب مفتوحة مع القطاعات الحديثة الأكثر تعليما، المتمركزة فى المدن الكبرى لا فى الضواحى والأرياف حيث أغلب الذين انتخبوه، ومع الميديا والنخب السياسية والبحثية الأكثر تأثيرا، التى حاربت صعوده وخسرت توقعاتها، لكن معاركها مع أفكاره لن تتراجع ومرشحة للتصعيد كلما مضى فيها.

كل ذلك متوقع من الجانب المضاد لصعود رجل بمواصفات «ترامب» إلى البيت الأبيض، غير أن السؤال هنا: إلى أى حد تنضبط سلوكياته وتصريحاته بعد أن أصبح رئيسا منتخبا؟

هناك ثلاث إشارات أولية لها دلالاتها.

الأولى
ـ التصرف المنضبط على القواعد الرئاسية المعتادة فى لقائه الأول مع الرئيس «أوباما» بالبيت الأبيض، للبحث فى ترتيبات نقل السلطة.

الثانية
ـ حذف ما دعا إليه من حظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة من على موقعه الإلكترونى، وهذه رسالة طمأنة للأقلية الإسلامية وللعالم الإسلامى بصفة عامة.

والثالثة
ـ حذف ما تعهد به من إلغاء اتفاق المناخ على الموقع الإلكترونى نفسه، وهذه رسالة طمأنة أخرى للعالم المتقدم، ولباريس على وجه الخصوص.

من غير المستبعد فى وقت لاحق تراجعا مماثلا عن بناء جدار عازل على الحدود مع المكسيك، وهذه مسألة محتمة فالتكاليف السياسية والاستراتيجية باهظة وتأثيراته فى تزكية النعرات العرقية فوق طاقة الولايات المتحدة ومصالحها فى الجوار المباشر.
الإشارات أقرب إلى محاولات «تطبيع الرئيس على حقائق الموقف»، غير أن الطبع قد يغلب التطبع.

بذات القياس فإن تصريحاته الصادمة فى الشأن الخارجى ليست القول الفصل ولا الأخير.
بتقدير أولى أوروبا نقطة البداية لأى تعديل محتمل.

لا تحتمل الولايات المتحدة خسارة أغلب حلفائها فى القارة العجوز، ولا التضحية بعلاقات طبيعية مع الاتحاد الأوروبى، أو دورها المركزى فى حلف «الناتو».
المرشح الأحمق غير الرئيس المسئول، فالأول ـ يستطيع أن يصرح بما يطرأ على باله، كأنه مشهد من تليفزيون الواقع الذى شارك بالتمثيل فى بعض حلقاته، والثانى ـ كل كلمة تصدر عنه تتابعها مراكز صناعة القرار فى العالم وتحلل أبعادها وخلفياتها وما يترتب عليها.

لم يتردد قادة أوروبيون مثل الرئيس الفرنسى «فرانسوا أولاند» والمستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» فى إبداء انزعاجهما البالغ من صعود «ترامب»، خشية ـ أولا ـ أن تزكى ظاهرته صعودا كبيرا لليمين العنصرى فى أوروبا، وفى البلدين على وجه الخصوص. وخشية ـ ثانيا ـ أن تفضى سياساته إلى تقويض الاتحاد الأوروبى وحلف «الناتو» واصطناع خصومة غير مسبوقة بين الولايات المتحدة وأوروبا فى النظر إلى القضايا والملفات الدولية.

غير أن ما أبداه «ترامب» من اتزان نسبى فى «خطاب النصر» أدى إلى وقف جزئى للتصعيد انتظارا للسياسات العملية.
كما لم تتردد دول فى الإقليم بدرجات مختلفة فى التعبير عن دواعى قلقها.

وكانت إيران الأكثر وضوحا خشية أن يلتزم القادم الجديد إلى البيت الأبيض بما تعهد به فى حملته الانتخابية من إلغاء الاتفاق النووى، غير أن مخاوفها تنازعها حسابات عكسية دعتها إلى شىء من التهدئة المبكرة.

فهناك تعهد لـ«ترامب» بفتح صفحة جديدة مع روسيا ورئيسها القوى «فلاديمير بوتين» تتمدد بالطبيعة إلى تنسيق أكبر فى الحرب على «داعش» بسوريا دون أن يكون مطروحا ـ بحسب تعهد آخر ـ إطاحة الرئيس «بشار الأسد»، وذلك يوافق الحسابات الإيرانية.
كما أن الاتفاق النووى لم تكن الولايات المتحدة الطرف الوحيد فيه، فقد شاركت أطرافا أوروبية فضلا عن روسيا فى التوقيع عليه واعتمدته الأمم المتحدة كوثيقة دولية لها حجيتها النافذة.

الملف الروسى الأكثر حساسية وأهمية فى أوروبا والإقليم وسؤاله الجوهرى: ما طبيعة أية تفاهمات مقبلة.. ومدى تقبل المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية لها؟
‫«‬بوتين» المحنك أبدى شيئا من الحذر، فهو يدرك أن التفاهمات ليست سهلة، وأن نوايا «ترامب» ليست الكلمة الأخيرة.

يعرف من موقعه أن اتفاقا جرى فى جينيف بين وزير خارجيته «سيرجى لافروف» مع نظيره الأمريكى «جون كيرى» يفصل بين المعارضة المسلحة والجماعات التكفيرية فى حلب، لم ينفذ منه حرف واحد باعتراض شبه معلن من الاستخبارات المركزية والبنتاجون تحسبا لخلل فى التوازن العسكرى على الأرض يقلص النفوذ الأمريكى فى أية تسوية سياسية متوقعة.

السعودية حاولت بقدر ما تستطيع أن تضبط مخاوفها، ولا شك أن صعود «ترامب» يمثل تهديدا جديا لأمنها ومستقبلها فى ظل مناخ أمريكى معاد لخصه قانون «جاستا»! الذى صدر بما يشبه الإجماع فى الكونجرس ويسمح بمقاضاتها من أسر الضحايا الأمريكيين فى أحداث (١١) سبتمبر (٢٠٠١)، والأمر لم يكن يختلف لو أن «كلينتون» فازت.

وهذا يعنى أن السعودية فى مأزق حرج تحتاج فيه إلى مصر بأكثر مما تحتاج مصر إليها.

وقد كان تعليق شركة «أرامكو» السعودية إمداد مصر وفق عقود موقعة باحتياجاتها النفطية بتسهيلات فى الدفع خطيئة استراتيجية تصورت أن بوسعها استضعاف الدولة العربية الأكبر ودفعها تحت ضغط أزمتها الاقتصادية إلى تسريع تسليم جزيرتى «تيران» و«صنافير» المصريتين.
تحت ضغط الأزمات من غير المستبعد فى مدى منظور تصحيح العلاقات المصرية السعودية، وذلك ضرورى ومفيد للعالم العربى بأسره، لكننا نحتاج ـ هذه المرة ـ إلى مصارحات لا مقايضات وعلاقات ندية لا إملاء فيها ولا استعلاء من شقيق على شقيق.

أرجو أن نلتفت ـ فى صخب الرهانات المتضاربة على صعود «ترامب» ـ أن هناك احتمالا لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، غير أن ذلك مرهون بمدى احتجاج العالم العربى، فقد جمدت هذه الخطوة على مدى عقود رغم إعلان الالتزام بها من أغلب الرؤساء الأمريكيين، وأن نلتفت إلى أن اليمين الإسرائيلى سوف يسعى إلى اقتناص الفرصة للتوسع الاستيطانى والمضى قدما فى تهويد القدس وضم الجولان السورية.

يتبقى بعد ذلك الرهان المصرى على «ترامب».

باليقين فإن هناك شهور عسل مقبلة، قد تطول أو تقصر بحسب التحولات والمتغيرات الإقليمية والداخلية، فالدول تحكمها مصالحها على الأرض لا الأمنيات المعلقة فى الفضاء.
فى شهور العسل سوف تتراجع أية ضغوط بملفات الحريات وحقوق الإنسان، وهذه مسألة مشاحنات متوقعة بين إدارة «ترامب» والميديا فى بلاده، ومع شركائه فى الاتحاد الأوروبى.

كما سوف تتراجع أية ضغوط أخرى لإعادة دمج جماعة الإخوان فى الحياة السياسية وربما تصنف الجماعة بقانون يصدره الكونجرس كـ«تنظيم إرهابى»، وهذه مسألة ستخضع بدورها إلى مراجعات فى مراكز الأبحاث والجمعيات الحقوقية، التى اعتادت انتقاد السجل المصرى.
المعنى فى ذلك كله أن مصر تحتاج قبل أية رهانات على أية أطراف دولية أن تقف على أرض صلبة، أن تلتحق بالحقائق الجديدة لعصرها لا بمخلفات عصور سبقت فى النظر إلى الحريات وحقوق الإنسان، وأن تؤكد قوتها بتوافق وطنى على قاعدة احترام الدستور يحصنها من أية أخطار محتملة.

فى مصر، كما أمريكا الآن، القضية الأولى بالرعاية مدى سلامة الوضع الداخلى.