الخميس 15 نوفمبر 2018 4:59 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

عن سقوط السياسة عربيًا: الذهب الأسود لا يبنى الغد الأفضل

نشر فى : الثلاثاء 12 يناير 2016 - 10:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 12 يناير 2016 - 10:50 م
تعيش المنطقة التى كنا نسميها، بالأمل أو بالتمنى «الوطن العربى» حالة غير مسبوقة من التمزق وافتقاد القيادة، والتضامن، ولو بحده الأدنى، فى حين أنها تواجه مخاطر مصيرية تتهدد شعوبها وليس فقط دولها الغنية أو الفقيرة، لا فرق.

لم يسبق أن غطت دماء أهالى هذه المنطقة أرضها بمثل الغزارة التى تغطيها الآن، ومن دون أهداف جليلة تستحق مثل هذه التضحيات المجانية.. بل إن هذه الدماء توظف ضد الأهداف الوطنية (فضلا عن التطلعات القومية).. وأبسط دليل أن مجمل الدول العربية تعيش مرحلة من عدم الاستقرار والتى قد تصل، فى حالات معينة، إلى حد تهديد الكيانات القائمة: فالدول الغنية تنزف مواردها المالية، فضلا عن بعض كادراتها العسكرية، فى حين أن الدول الفقيرة تنزف استقرارها، بل ووحدتها الداخلية فى حالات معروفة ومحددة.
سقطت المؤسسات، ولو رمزية، التى كانت تجمع القيادات العربية فى قمة سنوية دورية... ووصل الخصام بين العديد من هذه القيادات إلى حد القطيعة الكاملة، بل إلى الحرب المباشرة بالطيران (كما فى حالة اليمن) والحرب بالواسطة، سلاحا وتمويلا وتجنيدا، كما هى حـالة سوريا.
حتى الدول التى لم تتورط فى حروب ضد «أشقائها» أو «جيرانها» من العرب، مثل الجزائر والمغرب، تهرب من نيران المشرق، وإن حرص المغرب على نوع من التضامن الرمزى، ولأسباب ملكية، مع السعودية وبدافع من حماية العروش أكثر مما بدافع الأخوة وحماية المصالح المشتركة.
***
يفتقد العرب دور مصر التى منعتها أثقال مشكلاتها الداخلية، الاقتصادية أساسا، ثم الأمنية التى يلعب فيها حملة الشعار الإسلامى دورا خطيرا، من تحمل «المسئولية القومية» التى طالما نهضت بها فى منتصف القرن الماضى والتى شملت معظم أقطار «الوطن العربى الكبير»، من أدناه إلى أقصاه.
...ويفتقدون العراق، دورا ودولة ذات ثقل سياسى وعسكرى واقتصادى، وقد تركته مغامرات صدام حسين العسكرية، سواء فى حربه ضد إيران، أو فى غزوة الكويت البائسة، فضلا عن سلوكه الإمبراطورى المكلف بغير مردود، أرض صراع بين «مكوناته» الطائفية والمذهبية، فضلا عن تضخم النزعة الانفصالية عند الأكراد (لا سيما البرازانيين منهم)..
أما سوريا فقد تصبح مأساة العصر، إذ تدخل الحرب فيها وعليها عامها السادس وطوفان الدم يجتاحها من أدناها إلى أقصاها، مستدعيا مختلف أصناف التنظيمات الإرهابية، وبالذات تلك التى تحمل الشعار الإسلامى. وفى إحصاء أولى يمكن احتساب خمسين تنظيما مقاتلا بأحدث أنواع السلاح وأعظمها فتكا، تأتى من مصادر عديدة، بينها بعض دول الخليج بعنوان قطر، معززة بالخصومة السعودية التى نزلت من السياسة إلى المواجهة المباشرة عبر تسليح بعض المنظمات المقاتلة على الأرض، والتى تتقاطع ــ ميدانيا ــ مع ورثة «القاعدة» ممثلين «بجبهة النصرة»، فضلا عن تنظيم «داعش» الذى تم استيلاده فى سوريا قبل أن ينطلق بجحافله منها إلى العراق.
ومن الموصل وهى ثانى أكبر مدن العراق، أطلق أبو بكر البغدادى دعوته مقدما نفــسه «خليفة» على المسلمين جميعا، وليس على العرب وحدهم، مستندا إلى دعم تركى وتسهيلات تركية شبه معلنة (تأمين الطريق لأسطول سياراته الأسيوية الحديثة، والقاعدة الخلفية لتعزيزاته العسكرية قبل أن يستولى على ثكنات الموصل والمنطقة المجاورة بكل ما فيها من السلاح الثقيل، دبابات ومدفعية ومصفحات وذخيرة.. فضلا عن مئات الملايين من الدولارات التى كانت فى خزائن البنك المركزى فيها).
وهكذا تمددت الحرب لتشمل العراق مع سوريا، مع اشتباكات وتفجيرات دورية فى بعض أنحاء لبنان، بعاصمته بيروت وضواحيها، ثم لتنتقل حاملة الموت إلى بعض أقطار المغرب (ليبيا أساسا حيث بات لداعش قواعد فيها.. وكذلك تونس..) بل إنها تخطت حدود الوطن العربى، بما فى ذلك اليمن جنوبا فضلا عن السعودية، لترمى بالنار قلب باريس وبعض أنحاء أوروبا.
***
وهكذا انشغلت تونس، التى منها انطلقت شرارة انتفاضات التغيير، بهمومها الدموية الثقيلة خصوصا وقد ضرب وحدة ميدانها التنافس بين القوى السياسية القديمة (ورثة البورقيبية) وبين الإسلام السياسى ممثلا بالإخوان المسلمين الذين حاولوا تقديم نموذج «أهدأ» و«أكثر وعيا» من «رفاقهم» فى أقطار عربية أخرى، ومصر على وجه التحديد.
كذلك فإن الإخوان المسلمين قد تحايلوا على انتفاضة الميدان فى مصر وانتهزوا غياب التنظيم عن ملايين المنتفضين المحتشدين فى الميادين بلا خطة وبلا قيادة وبلا رؤية سياسية موحدة تصلح برنامجا للتغيير السياسى.. والأهم من ذلك الفوضى... خصوصا وقد حاول الإخوان المتعجلون انتهاز الفرصة للسيطرة على الحكم بمؤسسات الدولة جميعا، مستدرجين الجيش إلى التدخل منعا لمخاطر الفوضى والتصادم، فكان أن تحرك فخلع الإخوان وتولى زمام الأمور لفترة انتقالية نشهد هذه الأيام ختامها مع الانتخابات النيابية التى غاب عنها «الناخبون» ربما بسبب اليأس... خصوصا وأن البطالة السياسية الطويلة قد استهلكت من كانوا مرشحين للعب دور حيوى، سواء من خريجى الأحزاب القديمة، تقليديين أو مجددين (ناصريين ووطنيين وماركسيين وتقدميين عموما) يفتقدون المرجعية الفكرية المؤهلة لمواجهة مشاكل العصر المختلف جذريا عما سبقه من عصور...
وقد ساهم فى التعجيل فى شطب تجربة الإخوان أنهم قد حاولوا أن يتخذوا من التجربة التركية نموذجا، بغير مراعاة لاختلاف الظروف والتباين الواضح بين «التدين المصرى» كفعل إيمان قدرى، وبين إخوان تركيا ممن لهم برنامج مجرب ولهم رعاية أمريكية بل غربية شاملة، محصنة بعلاقة مميزة مع العدو الإسرائيلى... وكل ذلك طارئ ومستجد وغير ملائم مع شعب متدين ولكن له تجربة مريرة مع استخدام الشعار الدينى فى السياسة بغير برنامج واضح معزز بالتجربة الناضجة والدعم الدولى المفتوح باعتباره «الإسلام الغربى» أو ذلك النوع من الإسلام الذى يقبله الغرب خصوصا وأنه لا يتوجه إليه «فاتحا أو هاديا» بل خاضعا وملتزما بنموذجه فى الديمقراطية كما فى اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية «الرائد» و«القائد».
وهكذا تناقلت الدائرة فى حصار إرادة التغيير العربى...
من جهة أولى: أخفقت الانتفاضات الشعبية، ولأسباب كثيرة يمكن استنتاجها بسرعة، أولها غياب القيادات المؤهلة والمجربة، وثانيها غياب البرنامج السياسى الواضح والمحدد والذى على أساسه يمكن بناء جبهة وطنية عريضة وقادرة ومؤهلة لتنفيذ برنامجها.
***
من جهة ثانية: فتح هذا الإخفاق الباب أمام «قوى الردة»، ممثلة بالنظام القديم وسائر المتضررين من التغيير، للقيام بانقلاب مضاد معزز بكل القوى «المعادية» فى الداخل أساسا ثم فى الخارج، للتقدم نحو استعادة مواقعها فى النظام الجديد، باعتبارها المؤهلة لمحاورة «العالم» وبالتحديد مؤسساته المالية، وكلها تحت الهيمنة الأمريكية (البنك الدولى وصندوق النقد الدولى..) ويمكن إضافة «الدول المانحة» بعنوان السعودية وأقطار الخليج التى لها شروطها السياسية فى تقديم القروض أو المنح أو الهبات والشرهات التى لا يمكن أن تبنى «دولا»...
من البديهى أن يشجع هذا الإخفاق القوى المحافظة، وبالمصادفة: تبين أن هذه القوى هى مالكة الثروات الخرافية والتى تقدر ــ بالتالى ــ على المنح أو المنع أى على فرض شروطها أو «تطويع» قوى التغيير، وفقا للمبدأ المعروف: «من يعطى لها حق الإمرة»... وبالتالى فقد باتت السيادة للابسى العباءات المذهبة، الذين تكشفوا عن أصحاب قدرات هائلة فى التأثير على قرار التغيير فى الدول الأخرى، لا فرق بين شقيق أو صديق.
هذا العرض لا يعنى أن صاحبه قد انضم إلى نقابة اليائسين، فالتغيير آت لا محالة، لأن ذلك هو منطق التاريخ ومنطق الضرورة.
والميدان ميدان مفتوح بعد، بالأمل وبتجربة القدرة، ولابد من العودة إليه، إن لم يكن اليوم فغدا، وذلك: حكم الضرورة.

رئــيــس تحــرير جريــدة «الســفير» اللبنانية
طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات