الأربعاء 19 سبتمبر 2018 3:58 م القاهرة القاهرة 36.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

نقاش مفتوح مع «الميدان»

نشر فى : الأربعاء 12 فبراير 2014 - 5:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 12 فبراير 2014 - 11:34 ص

تفيق القاهرة على ضجيج المناقشات التى تكاد تطغى على صخب شوارعها المزدحمة بالناس والسيارات والمركبات على أنواعها، وتنام على احتدام المحاورات إلى حد الاختلاف وتباين الآراء فكريا وسياسيا.

يحس المصريون أنهم يواجهون أنفسهم مباشرة، وأنهم لمرة أصحاب القرار بشأن حاضرهم ومستقبلهم، وأنهم قد بلغوا سن الرشد بعد السنوات الثلاث التى أمضوها فى «الميدان» ذاهبين إليه لتأكيد إرادتهم أو عائدين منه بوجع الغياب المفجع للقيادة الموحدة بالبرنامج المحدد للتغيير المنشود.

لم ينتهِ الماضى تماما. لم تتكامل صورة المستقبل واضحة بعد، والحاضر غائم، بعضه ملتهب حماسة، وبعضه الآخر يسوده الغموض ولادة الخوف.

المشير عبدالفتاح السيسى رئيسا.. لم يعد الأمر موضع نقاش، وإن بقى موضع خلاف. البعض «يخاف من هذا الرئيس الجديد الآتى، مرة أخرى من المؤسسة العسكرية، كالثلاثة من سابقيه، على اختلاف ظروف ترئيسه عنهم.. والبعض يخاف على هذا الرئيس الذى يكتسى ملامح المنقذ من الخطر الداهم الذى شكله اجتياح الإخوان لقمة السلطة، بل للسلطة بمختلف مواقعها، والذى كان مقدرا له أن يأخذ مصر بعيدا عن ذاتها، بتاريخها المثقل بالخيبات والانتصارات.. أما البعض الثالث فخائف على مصر المفقرة إلى حد الإفلاس، مضيعة المكانة والدور والتى يتقدم الآن لإنقاذها من بين الأنظمة العربية من حاربوا قوتها طويلا وإن ظلت حامية استقرار ملكهم.. ولو بدماء أبنائها، كما حدث أكثر من مرة فى الماضى القريب.

عند لحظة القرار تفرقت الصفوف. لم يعد الجمع واحدا. سقط الإجماع الآلى. هذه واحدة من مزايا الثورة. لكن اللحظة لا تسمح بالترف الديمقراطى كما نرى صوره فى الخارج البعيد. ثم، من قال إن ذلك الترف لا يخفى صراعات جدية بين المصالح والمطامح والأغراض؟

لم يعد ينفع أن تناقش بصيغة الماضى، وأن تسأل: من الذى جعل المستحيل ممكنا؟! من أسقط حكم الطغيان باسم الدين وفتح الباب أمام الشعب، مرة أخرى، ليقرر بإرادته الحرة؟ وهل تقدم الجيش لإنقاذ مصر أم لاستعادة الرئاسة والحكم كله؟ ولو لم تنزل تلك الملايين هادرة برفض حكم الإخوان هل كانت حركة الجيش قد نجحت؟

•••

يتوغل البعض أعمق فأعمق فيتساءل: أليس فى هذه البلاد ذات التسعين مليونا من يملك الكفاءات للحكم واستنقاذ مصر من المهانة وافتقاد الدور والمكانة إلا الجيش؟ أليس بين التسعين مليونا من «المدنيين» من يملك كفاءات أعلى وخبرات أعظم واستعدادا للتضحية تماثل إن لم تكن أعلى من التى يتحلى بها الضباط؟! هل قدر مصر، بكل تاريخها، أن يتناوب على حكمها ملك فاسد أو عسكرى قد يكون عظيم الكفاءة وصادق الإيمان بقدراتها وقد يكون معدوم الكفاءة أو مغامرا بل مقامرا بمكانتها ودورها القيادى فى أمتها؟!

يتساءل بعض شباب الميدان بمرارة واضحة: وأين نحن؟ أين جيلنا؟ هل نحن مجرد جمهور تستدعيه وطنيته فينزل إلى الميدان ويواجه الطغيان ويقدم الشهداء ويتحمل التخريب المتعمد للمنشآت والإدارات والمؤسسات، وهو من سيتحمل تكاليف إعادة بنائها.. حتى إذا ما احتاج إلى نجدة الجيش لحسم الموقف وإنقاذ البلاد من الخراب طالبه الجيش بمكافأة تعيد الصراع إلى المربع الأول: السلطة لعسكرى جديد، قد يكون مثالا فى الوطنية، وقد يكون صادقا فى انحيازه إلى الشعب، ولكنه ليس الشعب، وليس بالضرورة المؤهل لأن يجسد إرادة الشعب.. ثم ألا يحق للشعب الذى خاض غمار الثورة على امتداد سنوات ثلاث طويلة ومنهكة وتحمل الخسائر الفادحة فى العمران ومصادر الإنتاج وكذلك فى الزمن إذ ارتد إلى الخلف ــ اقتصاديا واجتماعيا ــ أن يقرر نظامه، وأن يختار قياداته وبرنامج النهوض ديمقراطيا؟! إذا كان الشعب قادرا على مواجهة الطغيان الفردى ثم الحزبى المحصن بالشعار الإسلامى، فلماذا يُحرم من أن يختار نظامه الجديد ويستولد من داخله وبحسب الأصول الديمقراطية رئيسه الجديد؟!

يندفع بعض أصحاب الرؤى المستقبلية فيقول واحدهم: لقد أكدنا وعينا فى «الميدان». رفضنا الحكم العسكرى، ورفضنا الحكم بالشعار الدينى. نزلت ملاييننا مرات ومرات إلى الميدان فلم ننقسم ولم نتعارك، رغم الاختلاف الفكرى والسياسى، بين مجموعاتنا.

أما الآن فنحن مهددون بالافتراق والتصادم. كلنا نقدر موقف جيشنا الوطنى وانحيازه إلى صفوف الجماهير. لكننا نحن، هذه الجماهير، من صنع الثورة وليس الجيش.

قاطعه واحد من المغضبين إلى حد اليأس: ليس الجيش أكثر وطنية منا. الجيش مؤسسة وطنية ونحن نحترم دورها فى حماية الأمن الوطنى. ولكننا نحن الشعب بطلائعه المستنيرة، بجماهيره الصادقة فى وطنيتها وفى حرصها على كرامة مصر.. نحن من تحرك وتحمل مواجهة الشرطة و«حياد» الجيش فى 25 يناير 2011، وتواطؤ بعض الأجهزة مع الإخوان. ثم إننا نحن من واجه الإخوان ففضح طبيعة حكمهم الدكتاتورى منذ اليوم الأول. نحن من كشف التزوير فى الاستفتاء على الدستور. نحن من عاود النزول إلى الشارع مرات ومرات ليكشف أن الإخوان لا يحظون بثقة الشعب. نحن من فضح دكتاتوريتهم. نحن من واجههم إعلاميا فكشف زيف تدينهم وفضح جهلهم. نحن من أثبت تبعيتهم للأمريكان وتخاذلهم أمام العدو الإسرائيلى. نحن من فضح «الصفقة» التى أرادوا منها رهن مصر لصندوق النقد الدولى.

•••

استدرك بعض عقلائهم الموقف فقال محاولا التخفيف من حدة الغضب:

• هذا لا يعنى أننا ننكر على الجيش دوره الوطنى، ولكننا كنا نأمل أن يكمل هذا الدور بتمكين المصريين من أن يعيدوا صياغة حياتهم السياسية بإرادتهم الحرة. نحن نعترف بالدور الإنقاذى للجيش الذى لولا حركته السريعة فى آخر شهر حزيران (يونيو) 2013 لحكمنا الإخوان دهرا فدمروا مصر وأخرجوها من دورها بل ومن طبيعتها. ولكننا لم نكن نفترض أن الجيش سيطالب بمكافأته على هذا الدور بمصادرة حركة الجماهير وخيارها. ومع تقديرنا للانجاز الباهر الذى حققه المشير السيسى باعتقال الدكتور محمد مرسى، وهو «رئيس شرعى» للدولة ودعوة الجماهير إلى النزول لإعلان رفضها حكم الإخوان، فإن من حقنا أن نؤكد أن النزول الأسطورى لعشرات الملايين من المصريات والمصريين إلى «الميدان» هو الذى حسم معركة إسقاط الإخوان. وباختصار: لقد قام كل من الطرفين بدوره فى إنهاء الكابوس الذى كان يخيم فوق مصر ويهددها بحقبة ظلامية طويلة.. من هنا كان الأمل بأن تتكامل هذه التجربة الفريدة فى بابها وبأن تفتح ــ أخيرا ــ باب الخيار الديمقراطى أمام هذا الشعب الذى كان يعانى من مصادرة حقوقه فى وطنه وشطب حقه فى اختيار نظامه السياسى وفق قواعد الديمقراطية.

•••

كان بين الحضور فى هذه المناقشات الحارة بعض العرب من خارج مصر، ولقد «استفزهم» أن يقفز الجميع من فوق الواقع العربى بانقساماته التى وصلت إلى حد الحرب الأهلية فى أكثر من بلد عربى، والتعامل مع الشأن المصرى وكأنه منفصل إلى حد القطيعة مع «الجيران» العرب، غربا وجنوبا والى شرق الشرق.. وصرخ احدهم:

• أين نحن منكم؟ لقد نظرنا إلى «الميدان» على أنه معقل الرجاء فى تغيير الواقع العربى كله! إنكم تتجاهلون مناخ الحرب الأهلية التى تحاصركم وهى تلتهب فتحرق دولا عربية عدة، بعضها إلى جواركم وبعضها الآخر لا يتكامل تاريخ مصر إلا بها.. إننا شركاء معكم، وثورتكم هى باب الأمل فى مستقبلنا جميعا، ومن المؤلم أن مناقشاتكم تقفز من فوق الواقع العربى الدامى، ولا تأخذ بحقيقة أن المستقبل واحد فى هذه المنطقة جميعا؟!

انتبه البعض إلى خطورة هذا التناسى، فحاول أن يستذكر الواقع العربى بفواجعه وتأثيراته على مصر، فى حين مضت «الأكثرية» مع منطقها الذى يبدأ بمصر وينتهى بها، مفترضين أن موضع الهوية العربية وموقع مصر فى المستقبل العربى محسوم ضمنا وإن ظل خارج النقاش.. فهو فى الضمير، لكن الهم الداخلى طاغ، لأن اللحظة هى لحظة القرار داخل مصر، مع أن بعض «العرب»، وتحديدا عرب النفط، هم داخل هذا القرار لا خارجه.

وكان لا بد من تعليق «الحوار» فى انتظار جلسات أكثر هدوءا وأقل مرارة.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات