الإثنين 19 نوفمبر 2018 10:52 م القاهرة القاهرة 20.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

هل نحن متجهون لأزمة دستورية؟

نشر فى : الثلاثاء 13 مارس 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 13 مارس 2012 - 8:00 ص

أظن أننا مقبلون على أزمة دستورية. والذى أقصده بذلك أننا متجهون إلى وضع لا تكفى النصوص الدستورية والقانونية القائمة لمعالجته بل يصبح من الضرورى للتعامل معه أن يتحقق قدر من الوفاق السياسى بين القوى والأحزاب الرئيسية فى المجتمع. وفيما يلى ما أعتقد أنها العناصر التى تسببت فى هذا الوضع:

 

أمس الأول اتخذ مجلس الشعب قرارا (أو توصية لا يهم) بإقالة الحكومة، بينما لا يوجد نص دستورى واضح يعطى البرلمان هذا الحق، وبالتالى فنحن أمام وضع عجيب، إذ يطالب الشعب ــ من خلال ممثليه المنتخبين ــ بتغيير الحكومة ولا يملك ذلك قانونا. وبرغم أننى أكتب هذه الكلمات والوضع لا يزال غير مستقر، وقد تستقيل الحكومة بالفعل وقد تبقى، إلا أن المشكلة الدستورية سوف تستمر لأن نصوص الإعلان الدستورى جاءت معيبة من البداية ولا تعطى البرلمان أهم حق كان يجب ان يتوافر له وهو إقالة الحكومة، خاصة فى ظروف لا توجد مؤسسة أخرى فى البلد لها شرعية جماهيرية. وما قام به مجلس الشعب منذ يومين باتخاذ قرار بإقالة الحكومة كان تعبيرا عن الشعور المتزايد بأن المجلس يجب أن تكون له أدوات مؤثرة بخلاف استدعاء الوزراء والصياح فيهم دون جدوى، وأن البرلمان يجب أن ينتزع الصلاحيات التى لم تعط له فى النصوص الدستورية.

 

خلال بضعة أسابيع سوف يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ولكن هذا الرئيس سوف يبدأ عمله وفقا لصلاحيات وسلطات يحددها الإعلان الدستورى (وهى بالمناسبة قريبة جدا من صلاحيات الرئيس وفقا لدستور 1971) ثم ينتظر بضعة أشهر ريثما يتم الاستفتاء على دستور جديد قد يعطيه صلاحيات أكثر وقد ينزع عنه بعضها، وقد يغير من طبيعة عمله بالكامل فيجعله رئيسا شرفيا. فالرئيس القادم سوف يكون ذا صلاحيات مؤقتة بحكم أنه سيستلم عمله ويمارسه، منتظرا أن يتم تحديد مواصفات هذا العمل لاحقا.

 

عملية اختيار لجنة المائة التى سوف تكتب دستورا جديدا لمصر وتطرحه للاستفتاء لم يتم تحديد أية معايير مسبقة لها لا فى الاستفتاء المحدود الذى جرى فى العام الماضى ولا فى الإعلان الدستورى الذى صدر بعده، وبالتالى فيمكن أن تطول وتتحول فى حد ذاتها إلى معركة سياسية جديدة، يكون المتحكم فى نتيجتها النهائية الأغلبية البرلمانية الحالية، وهو أمر يمكن أن يلقى بظلاله على تشكيل اللجنة فتأتى معبرة عن انحيازات وصفقات حزبية لا عن أفضل الكفاءات والخبرات التى يلزم أن تشارك فى أهم عملية تشريعية ستجرى فى مصر.

 

أما البرلمان نفسه فمشكوك فى مستقبله لأن قانون الانتخابات الذى جاء به مطعون على دستوريته بسبب النظام المختلط للقوائم والفردى الذى جرت الانتخابات بموجبه، وبالتالى سيقوم أعضاء البرلمان باختيار اللجنة التأسيسية للدستور بينما هم أنفسهم لا يعلمون ما مصيرهم ومصير مجلسهم.

 

محصلة ما سبق أننا مقبلون على فترة جديدة من الريبة وعدم الوضوح، وهذا وضع مؤسف للغاية لأنه لا يعنى فقط أن تستمر الحالة السياسية المضطربة التى تميزت بها الفترة الانتقالية حتى الآن، وإنما أن يستمر الوضع المؤقت الذى يجعل الحديث عن أى إصلاح اقتصادى أو هيكلة لجهاز الشرطة أو اتخاذ لقرارات ضرورية أو حل جذرى لمشاكل السولار والبوتاجاز والأمن المفقود، حديثا غير مجد ويطيل من أمد مشاكل تحتاج لحسم ولرؤية واضحة والا زادت تفاقما وزادت معها معاناة الناس.

 

المخرج من هذه الورطة (التى تسببت فيها النصوص الدستورية والقانونية المعيبة المتلاحقة) لن يكون قانونيا، ولا بالاعتماد على النصوص وحدها، ولا على تفسير المحاكم لها، بل يجب أن يأتى فى إطار اتفاق على مسار واضح يخرجنا من هذه الورطة، وهو مسار يجب أن يكون محل اتفاق بين القوى السياسية والأحزاب الرئيسية وقوى المجتمع المدنى، وأن يكون محصورا فى ثلاثة مواضيع لا يجوز الخلاف عليها:

 

الأول: هو الاتفاق على تشكيل حكومة انقاذ وطنى حقيقية، مصدرها القوى السياسية والتيارات الفاعلة فى المجتمع، وأن يتم تحديد دورها فيما يلزم القيام به لاستكمال المرحلة الانتقالية بحيث تتخذ القرارات الضرورية فى مجال إعادة الأمن، وانقاذ الاقتصاد، واستكمال المسار السياسى، ولكن دون أن تفتح ملفات طويلة المدى وتبدأ فى إنشاء مشروعات قومية وفى اتخاذ قرارات تلزم الأجيال المقبلة.

 

الثانى: هو الاتفاق على تشكيل اللجنة التأسيسية التى سوف تقوم بكتابة الدستور، بعيدا قدر الإمكان عن الصراعات الحزبية وعن الصفقات والتنازلات، بحيث يكون الهدف الوحيد من ذلك هو اختيار أفضل مائة يمثلون المجتمع المصرى ويعبرون عن ثرائه وتنوعه ويقدمون أفضل الخبرات والكفاءات.

 

أما الموضوع الثالث فهو الاتفاق على حد أدنى من القرارات التى يلزم اتخاذها فورا فى مجال إعادة الأمن للشوارع، وفى مجال انقاذ الاقتصاد، بما يحفظ البلد من الانهيار التام، ونحن نتحدث هنا عن عدد محدود من القرارات الخاصة بالاحتياطى النقدى، وبدعم الطاقة، وبإعادة توجيه بعض بنود الانفاق العام لا عن سياسات طويلة المدى أو صعبة التطبيق.

 

الأزمة الدستورية التى نعيشها لن يكون الخروج منها الا باتفاق سريع ومعلن وحاسم بين القوى السياسية والاجتماعية الرئيسية على كيفية الخروج من هذا الوضع المتأزم. وتقديرى أن الناس بحاجة إلى أن تستعيد الثقة فى أنه بقدر ما يكون التنافس السياسى مطلوبا، بقدر ما يجب أن يكون فى هذه الظروف ما يمكن ان يكون محلا للاتفاق والتعاون بين القوى السياسية، وعلى رأس ذلك مسار واضح للخروج من مرحلة انتقالية تزداد مع الوقت ثقلا واضطرابا ويزداد ضحاياها وتكلفة الخروج منها بلا داع.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.