الجمعة 21 سبتمبر 2018 5:15 ص القاهرة القاهرة 24.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

من يحكم مصر الآن؟ .. لا أحد

نشر فى : الثلاثاء 12 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 12 مارس 2013 - 8:00 ص

فى حديثه مع جريدة الأهرام أمس الأول (الأحد)، صرح الدكتور أحمد فهمى رئيس مجلس الشورى بأن «حزب الحرية والعدالة ليس حزبا حاكما ولم يأخذ فرصته حتى الآن». هذا نص العنوان المنشور على الصفحة الأولى، والذى أثار استغراب كثير من القراء واستفزهم أيضا.

 

كيف يزعم الإخوان أنهم لا يحكمون بينما رئيس الجمهورية كان رئيسا لحزب الحرية والعدالة ومرشحها الرئاسى؟ ورئيس الوزراء معين منه؟ وأغلبية المجلس التشريعى الحالى (الشورى) والسابق (الشعب) من ذات الحزب؟ وأغلبية الجمعية التأسيسية كذلك؟ ومعظم الوزراء والمحافظين من قيادات الإخوان المعروفة؟ وجميع هيئات الدولة وأجهزتها الرسمية تتبع رئيس الجمهورية؟ وقيادات الإعلام الرسمى معينة من مجلس الشورى؟ وموارد الدولة وخزانتها العامة تحت تصرف رئيس الجمهورية وحكومته؟ وعملية أخونة المؤسسات جارية على قدم وساق؟ هل بعد كل هذا يكون حزب الحرية والعدالة حزبا معارضا؟ بل ويريد أن يأخذ فرصته فى الحكم؟ الحقيقة أن الكلام غير مقنع بالمرة ولا يعدو أن يكون محاولة مكشوفة للتنصل من المسئولية ولإنكار أن ما نحن فيه من أزمات يرجع إلى عدم قدرة الرئيس وحكومته على إدارة البلد.

 

ولكن من جهة أخرى فإن المرء لا يملك إلا أن يتعاطف ــ ولو قليلا ــ مع السيد رئيس مجلس الشورى ويحاول فهم الموضوع من وجهة نظره. وأتصور أننى لو كنت من قيادات الإخوان المسلمين لكان لدى شعور بالإحباط والضيق الشديدين من صعوبة إدارة البلد برغم كل الجهد الذى بذلته جماعتى فى السيطرة على مفاتيح الدولة والحكم. الشرطة لا تزال متوجسة منا ولا تدين لنا بالولاء بل ومضربة عن العمل، والقوات المسلحة ترسل كل يوم إشارة بأنها ليست طرفا فى الصراع السياسى وأنها منحازة للشعب وحده، وكبار المسئولين فى الدولة يعاملوننا بالاحترام الرسمى ولكن لا يبدو عليهم اقتناع حقيقى بما نقوله أو نفعله، والشباب فى الجامعات ما إن سنحت لهم الفرصة حتى انقلبوا علينا فى الانتخابات الأخيرة، والموظفون يتجاهلون قرارات رئيس حكومتنا وقد نجحوا فى عرقلة مشروعنا للنهضة، والناس لا يريدون أن يمنحونا الفرصة لتحقيق التنمية والاستقرار بل كل يوم مطالبة بعلاوات وزيادات ومزايا لا تنتهى ويقطعون الطرق والسكك الحديدية للضغط علينا، ورجال الأعمال الذين وعدناهم بالتصالح والتعاون يتلكئون ويترددون فى مساعدتنا، حتى أقرب الحلفاء إلينا وأكثرهم إخلاصا ــ حزب النور مثلا ــ انقلبوا علينا وباتوا ينتقدوننا كما لو كانوا أحزابا معارضة.

 

الموضوع محير بالفعل ويبدو متناقضا. فكيف يكون حزب الحرية والعدالة مسيطرا على مؤسسات وأجهزة الدولة وفى ذات الوقت غير قادر على الحكم وإدارة شئون البلد؟ ولكن فى تقديرى أنه لا يوجد تناقض على الإطلاق بل حقيقة واضحة كالشمس، وهى أن حزب الحرية والعدالة (ومعه جماعة الإخوان المسلمين) قد نجح بالفعل فى السيطرة على أدوات الحكم (الرئاسة، الحكومة، البرلمان، المحافظات، الإعلام الرسمى) ولكنه لا يحكم ولا يدير لأنه عجز عن إدراك أن الحكم يتطلب أكثر من ذلك بكثير، يتطلب توافقا ومشاركة واستعدادا حقيقيا للحوار وللتراجع عن المواقف الخاطئة وللخضوع لحكم القضاء ولإرادة الشعب. أما الإصرار على الانفراد بالقرار وعلى الفوز فى كل جولة بأى ثمن وعلى التمسك بالرأى وعلى إلقاء تبعة الفشل على المعارضة والنظام السابق والمؤامرات الخارجية وعلى تجاهل احتجاج الناس مهما علا صوته فلا يؤدى إلا إلى ضياع تدريجى لشرعية الصناديق ومعها القدرة على إدارة البلد. وفى ظنى أن انهيار محاولة التوافق على تشكيل الجمعية التأسيسية وكتابة الدستور كانت اللحظة الفارقة التى أهدر الحزب الحاكم فيها فرصته فى أن يكتسب الشرعية والقبول الواسعين اللذين يمكنانه من التصدى فيما بعد لمشكلات الاقتصاد والأمن والتموين، مسلحا ليس ببطش الشرطة ولا بقوة الجيش ولا بسطوة المليشيات، وإنما بالوسيلة الوحيدة للحكم فى العصر الحديث وهى رضاء الشعب واتحاده وراء رؤية جامعة ورئيس يمثل المجتمع كله وليس حزبا وجماعة وعشيرة فقط.

 

والنتيجة هى ما وصلنا إليه اليوم، أن لا أحد يحكم البلد بوضوح، بل تسير أمورنا وفقا لتوازن حرج وغير قابل للاستمرار بين مصالح متقاطعة ومتنافرة، للحزب الحاكم وللأجهزة الأمنية وللدولة وهيئاتها ومؤسساتها ولرجال الاعمال وللإعلام وموظفى الدولة ولكل من لديه قدرة على التأثير فى أى مجال، مصالح لا تجمعها رؤية ولا برنامج ولا آلية واضحة للتوفيق فيما بينها بل حالة من الفوضى يخطف فيها كل طرف ما يسنح له من فرصة أو ميزة بينما يدفع الملايين من الشعب ثمن هذا التخبط والضياع. مصر الآن تشبه السفينة التى لها ربان رسمى وطاقم ملاحة، ولكن لا الربان له السيطرة، ولا الطاقم يستجيب لأوامره، ولا السفينة لها اتجاه محدد، والأهم من ذلك أن لا أحد مكترث بركاب السفينة. ولكن ليعلم السيد رئيس مجلس الشورى أن كل هذا لن يعفى حزب الحرية والعدالة من مسئوليته التاريخية لأنه فى الواقع وفى نظر الناس الحزب الحاكم والمسئول مهما كانت صعوبة إدارة البلد.

 

والحل؟ الحل معروف ولكن لا أحد يود الاستماع اليه. الحل هو بداية جديدة وإطار جديد للتوافق، يأتى بحكومة يحترمها الناس ويستمعون اليها، ويعيد للقضاء والقانون احترامهما، ويستجيب لمطالب الجماهير الغاضبة، ويحقق قصاصا عادلا وليس جماهيريا ممن تسببوا فى تصاعد العنف والبطش، ويعيد مراجعة الدستور المعيب الذى ابتلينا به، ويحقق توافقا حول الإجراءات الاقتصادية العاجلة، والأهم من ذلك أنه يعيد للناس أملا فى المستقبل، ويبعد شبح الانهيار الاقتصادى واستمرار الانقسام بين أبناء الوطن الواحد. الاتفاق لا يزال ممكنا، ولكن على أسس جديدة ومختلفة جذريا عن المحاولات السابقة وبالتأكيد يتجاوز دعوات الحوار الوطنى المعتادة، فهل هناك من لديه الرغبة الجادة فى ذلك؟

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.