الأربعاء 26 سبتمبر 2018 12:04 ص القاهرة القاهرة 26.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

القواعد الغائبة فى بلد قلق

نشر فى : الأربعاء 12 مارس 2014 - 5:40 ص | آخر تحديث : الأربعاء 12 مارس 2014 - 5:40 ص

وهو يخلع زيه العسكرى فإن عالما جديدا ينتظره، فالعمل العسكرى بمهامه وطبيعته يختلف عن العمل السياسى بتفاعلاته وتعقيداته.

بمعنى آخر فهو ينتقل من مجتمع تحكمه قواعد وأصول استقرت فى بنيته إلى مجتمع آخر لم تستقر قواعده الدستورية ولا حقق أهدافه من ثورتيه.

ورغم طبيعة العمل العسكرى المنضبطة فإن وقتا طويلا نسبيا استغرقته ترتيبات ما بعده فى هيئة القيادة، فهناك أقدميات روعيت واعتبارات حكمت لضمان سلامة المؤسسة العسكرية وتماسكها الضرورى.

وبحسب معلومات شبه نهائية فقد استقر على إسناد منصب وزير الدفاع إلى الفريق «صدقى صبحى» وأن يخلفه فى رئاسة الأركان الفريق «عبدالمنعم التراس» قائد الدفاع الجوى.

هو الآن يوشك أن يدخل إلى مجتمع سياسى كل ما فيه قلق.

تتجلى على وجهه علامات تشى بأنه رجل مسهد تؤرقه المسئولية واحتمالات النجاح والإخفاق فيها، وهذه نقطة تحسب لصالحه ويمكن البناء عليها عند مواجهة التساؤلات الحرجة عن المستقبل وطبيعة الحكم المقبل وإنفاذ الدستور نفسه، فلا قواعد خارج الدستور وإنفاذه هو المحك الأول لشرعية أى رئيس قادم.

صورته فى التاريخ تتقرر بمدى قدرته على صياغة تفاهمات وطنية وإدارة حوار واسع حولها يطمئن أننا ماضون على طريق صحيح وأن الأزمات قابلة للحلحلة والتعثرات قابلة للإصلاح.

للشباب الغاضب مخاوف معلنة وسؤاله الأول الحرية، وللأحزاب الرئيسية تحفظات جوهرية وموضوعها الرئيسى التوازن السياسى، وللطبقة الوسطى هواجس وشكوك فى طبيعة الدولة والقوى التى قد تهيمن عليها، وللطبقات الأكثر فقرا رهانات على العدل الاجتماعى تخشى أن تخسرها.

هو رجل اكتسب شعبيته الجارفة من أدواره فى تحولات (٣٠) يونيو وإنقاذ شعبه من احتراب داخلى غير أنها بدأت تتعرض لشىء من التراجع والناس تحاسبه كما لو أنه رئيس البلاد قبل أن تبدأ إجراءات الانتخابات. هو نفسه بنصوص تصريحاته يدرك أن شعبيته قد تتراجع وأنه قد تخرج مظاهرات ضده تقول له: «مع السلامة»، وهذا احتمال يفوق قدرة البلد على تحمله فإخفاقه فى مهمته إخفاق للبلد كله يعرضه لأخطار بلا سقف وكوارث بلا حد.

اختباره الأول أن يطمئن مجتمعه على الالتزام بالقواعد الدستورية التى تضمن الحقوق والحريات العامة والفصل بين السلطات والتوازن بين الرئاسة والحكومة والبرلمان.

القضية الرئيسية فى بلد قلق على مستقبله أن تكون هناك قواعد تحترم، وأخطر ما يسىء إليه قبل أن تبدأ مهمته شبه الانتحارية لإنقاذ بلد فى حرب مع الإرهاب ويكاد يتهاوى اقتصاده أن تتعالى أصوات من الماضى تطلب فرعونا جديدا وتنهش فى معارضيه على النحو الذى سجلته الكاميرات لمجموعة من المستجلبات أمام مكتب النائب العام يشتمن بأقذع العبارات الخارجة ناشطين سياسيين على رأسهم الروائية «أهداف سويف». هو بتكوينه الأخلاقى يرفض مثل هذه التصرفات المسيئة لأية قضية وأى شخص لكنها تجرى باسمه وتشكك فى طبيعة الدولة القادمة.

مصر تحتاج إلى قواعد تصون الشرعية الأخلاقية لتحولات (٣٠) يونيو، وهذه لا تقل أهمية عن الشرعية الدستورية، فاستباحة المعارضين جريمة ضد الديمقراطية واغتيال الفكرة الحزبية على ما يشيع فى الخطاب الإعلامى اغتيال آخر للديمقراطية.

ملف الشباب المحتجز يتعين فتحه بالوسائل القانونية والانتهاكات يتوجب وقفها ومحاسبة المسئولين عنها، هذه مسألة حاسمة حتى تكون هناك دولة قانون ترعى الحريات العامة وحقوق المواطنين وينظر للإنجاز الدستورى باحترام.

القواعد الدستورية مسألة شرعية واختراقها ينذر بعواقب وخيمة فى بلد استرد بالكاد أمله فى بناء دولة حديثة.

احترام القواعد يستدعى مجلسا نيابيا يعدل القوانين وفق النصوص الدستورية الجديدة، فالدستور لا ينفذ بنفسه قبل أن يستقر فى قوانين، غير أن الحملات المنظمة على الأحزاب السياسية أثارت مخاوف أن يكون ذلك استعدادا للانقضاض على أية بنية ديمقراطية، فلا ديمقراطية بلا تعددية، ولا تعددية بلا أحزاب، ولا برلمان يليق بعصره إن لم يضطلع بواجبه الدستورى فى إنشاء الحكومات ومحاسبتها.

فى غياب القواعد هناك قضية أساسية عنوانها قانون الانتخابات النيابية. الأحزاب السياسية تعتقد أن القانون ربما يصمم على استهدافها ويفتح المجال فى الوقت نفسه لتفريغ المجلس النيابى من السياسة وصداعها لصالح مستقلين يميلون للالتحاق بالسلطة، أى سلطة، على ما كان يحدث أيام الرئيس الأسبق «حسنى مبارك».

يحسب للرئيس المؤقت المستشار «عدلى منصور»، وهو قاض جليل، أنه تلقى الرسالة وأبدى استعداده للدخول فى حوار مبكر حول القانون مع الأحزاب الرئيسية. وهذا تطور إيجابى يمنع انفجارات محتملة فى بنية سياسية تتماسك بصعوبة بالغة، فمن الخطأ الفادح الاستهتار بالأحزاب المدنية أو اصطناع أحزاب «موالاة»، فجبهة الإنقاذ على كل ما تعرضت له من انتقادات وفرت العنوان الرئيسى لمعارضة جماعة الإخوان المسلمين وإطاحتها من السلطة وعودة اجتماعاتها تحت الشعور بالخطر رسالة لها معناها.

فى تقدمه للترشح الرئاسى يجد نفسه مباشرة أمام ملف «الأحزاب السياسية» وضرورات الحوار تطرح نفسها خاصة أن رئيس فريقه الانتخابى «عمرو موسى» شارك بالاجتماع الأخير لجبهة الإنقاذ.

إنه الحوار إذن. فلا تقدم لمستقبل ولا استقرار لحكم ما لم يدخل فى حوارين متوازيين مع الشباب والأحزاب.

فى الحوارين هناك ضرورات لإنفاذ الدستور وبناء قواعد لعبة سياسية تفتح مسام المجتمع وتسمح لحيويته أن تنتظم فى مسارات ديمقراطية. أن يجرى الاحتجاج بالوسائل الدستورية وفق قانون ينظمها لكنه لا يصادر المبدأ وأن يحدث التغيير عبر صناديق اقتراع شفافة ونزيهة.

قضية الديمقراطية من أولها إلى آخرها قضية توازن سياسى، بلا أحزاب قوية فلا توازن، وبلا برلمان به كتل سياسية فلا حكومة سياسية، وبلا قواعد دستورية فلا ديمقراطية ترتجى.

أولوية عودة الدولة إلى عافيتها ووظائفها تستدعى مشروعا سياسيا يسعى لإنفاذ الدستور وإعادة التلاحم داخل جبهة (٣٠) يونيو لمواجهة الإرهاب وتنظيماته ومشروعا آخر لمواجهة الفساد المستشرى والظلم الاجتماعى المتفاقم.

أية إطلالة على الخريطة الاجتماعية وتفاعلاتها تلحظ قلقا فى الطبقة الوسطى المدينية على صورة المستقبل، قد تؤيد أغلبها تقدم المشير للترشح لكنها لا تتردد فى التعبير عن قلقها من ظواهر تراها أمامها فى الإعلام والدعايات وتخشى أن تكون تلك مقدمات لإعادة إنتاج ما قبل (٢٥) يناير.. وتلحظ فى الوقت نفسه ترقبا فى القوى الاجتماعية «الأكثر عوزا» بتعبيره هو لمدى صحة رهانها عليه.

بأية حسابات انتخابية فإنها توفر له قاعدته الصلبة.

تحديه الأصعب فى مدى استعداده أن يراهن هو عليها بإنجازات وقرارات لا عبارات أسى على أحوالها. ما تطلبه أن يرفع الظلم عنها لا أن يتألم لمشاهده.

المصريون مستعدون لتقبل صدمة الحقائق الاقتصادية وربط الأحزمة من جديد فوق البطون الخاوية وأن يضحوا كما اعتادوا التضحية شرط أن تتوافر العدالة وتشمل التضحيات الجميع وألا يكلفوا دون غيرهم بدفع فواتير الإصلاح المالى والاقتصادى.

قضية العدالة الاجتماعية من أصعب الملفات التى تواجهه وربما ترسم صورته فى التاريخ، فهناك قوى مالية مؤثرة تطمح إلى مصادرته هو نفسه لصالحها وعزله عن جمهوره الطبيعى الذى رفع صوره وراهن عليه فى تحسين أحواله المعيشية.

فوزه بالرئاسة مؤكد بحسب الاستطلاعات لكن صورته فى التاريخ قضية أخرى، وهى قضية تشغله بأكثر مما يتصور أحد.

تحدياته تضغط عليه وانحيازاته فى حاجة إلى إجابات تتضمنها رؤيته.

يدرك بنصوص كلماته أن أحدا لا يستطيع تحمل المسئولية وحده، والمعنى أن البلد كله فى حاجة لقواعد تحكم حركته وتقلص معدلات قلقه وتطمئنه على مستقبله ولغة الحوار وحدها هى التى تصنع التوافقات الوطنية الواسعة فى مواجهة تركة ثقيلة تنتظره عند أبواب قصر الاتحادية.