الخميس 20 سبتمبر 2018 7:33 م القاهرة القاهرة 29.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الشاعر والمتمرد

نشر فى : السبت 12 أبريل 2014 - 9:00 ص | آخر تحديث : السبت 12 أبريل 2014 - 9:00 ص

بثلاث كلمات لمس الشاعر الكبير «عبدالرحمن الأبنودى» الجرح النازف مع الأجيال الجديدة: «خرجوا أحمد دومة».

بدا وهو يطل على القاهرة ومثقفيها وسياسييها لأول مرة منذ سبع سنوات متوحدا مع شاب صغير ربما لم يره فى حياته مرة واحدة.

غالب مرضه الذى دعاه للابتعاد عن العاصمة وتلوثها لحضور حفل توقيع ديوانه الجديد «المربعات» لكنه أنشد قصيدة «صائد النجوم» التى تنتمى لصباه الباكر أهداها إليه.

فى مربعاته كتب قبل ثورة يونيو: «وإن جيتو للجد قدم الثورة مشلولة.. الثورة لازمها ثورة أقوى من الأولى». صدق التاريخ ودروسه و«دومة» وجيله والمربعات نفسها حرضت الغاضبين الجدد على أن يفعلوها مرة أخرى: «احنا ماطردناش مبارك ولا حطيناه فى سجن.. بص فى الجورنال مبارك نفسه بس طلع له دقن».

تابعه عن بعد وهو يتصدر التظاهرات والاحتجاجات التى تصدت لجماعة الإخوان المسلمين فى عز سلطتها ممتلكا شجاعة المواجهة فى أصعب اللحظات ودفع الثمن سجنا بتهمة إهانة الرئيس السابق.

رأى أن المسئولية الأخلاقية تدعوه أن يرتفع صوته بطلب العفو الرئاسى داعيا بعض مستشارى الرئيس الذين رأهم أمامه أن يبلغوه «لازم يفرج عن دومة.. لو سمحتم بلغوا الراجل». ربما استعادت ذاكرته وهو ابن الستينيات ونزيل سجونها وأبرز الأصوات الشعرية التى خلدت ملحمتى السد والحرب صدى صوت «جمال عبدالناصر»: «إذا تصادمت الثورة مع شبابها فإنه تكون قد أخطأت».

هو شاعر يتبع إحساسه، يصيب ويخطئ لكنه يصحح مساره، وضميره لم يتقبل تأييد حبس «دومة» استئنافيا ثلاث سنوات بتهمة خرق قانون التظاهر. نداء «الأبنودى» واكب نداءات مماثلة لأعداد متزايدة من المثقفين والسياسيين والشخصيات العامة تدعو الرئاسة لمثل هذا العفو.

قضية الأجيال الجديدة أكبر وأخطر من أن تلخص فى عنوان واحد لكن الإفراج عنه يساعد على ترميم الفجوات التى تتسع معها. فى السياسة كما فى الفن والثقافة والحياة فإن أبسط الاقترابات قد يكون أعمقها وأكثرها نفاذا وتأثيرا. هكذا دخل «الأبنودى» إلى الملف الصعب والمعقد ببساطة متناهية.

هناك إدراك فى السلطة الانتقالية لضرورة سد الفجوات مع الأجيال الجديدة وفتح قنوات الحوار وتخفيض مستويات التوتر العام، فالبلد فى حرب مع الإرهاب وتكاليفها باهظة ويعانى أزمات مسلحة على حدوده وأزمات أخرى متفاقمة فى قضيتى المياه والغذاء وبالكاد تستعيد الدولة عافيتها ولا يحتمل معارك مجانية أو صداما مع شبابه.

جرت حوارات ضمت شبانا من اتجاهات مختلفة ومسئولين فى مواقع السلطة لم تسفر عن شىء كأنها دوران فى الفراغ.

الرئاسة سعت للتواصل مع جماعات الشباب المسيس والحكومة انتهجت السياسة ذاتها بلا أثر يذكر فى الموضوع وعقدته.

قرب نهايات حكومة الدكتور «حازم الببلاوى» تشكلت دون إعلان رسمى لجنة وزارية للحوار مع جماعات الشباب بلا استثناء واحد على ما قال لى وقتها نائب رئيس الوزراء الدكتور «حسام عيسى».

بدأت اللجنة أعمالها دون أن تتوصل إلى نتائج بعينها. التوجه ذاته تبنته حكومة «إبراهيم محلب»، وقد شارك بنفسه فى جلسات حوار مع مجموعات من الشباب دون أن تتبدى أية احتمالات لحلحة العقدة أو الدخول إلى الموضوع. فى كل جلسة حوار تخيم الأسئلة الملغمة على قاعاتها: من حضر ومن غاب؟.. وبأية معيار جرى الاختيار؟

المعضلة أن ممثلى الشباب لا يمتلكون حق التحدث باسم من لم يحضر ولا مسئولى الدولة لديهم ما يقولونه سوى طمأنة الغاضبين أنه لا عودة للوراء مطلقا. دعوات الحوار وجلساته باتت أقرب إلى الدوران فى الفراغ، الكلام نفسه ولا شىء بعده غير الحديث عن الأزمة وضرورة تجاوزها.

ما لم تكسر الحلقة المفرغة بإجراءات لها قوة الإقناع والتأثير مثل الإفراج عن «دومة» وأى «دومة آخر» فى السجون المصرية فإن الإخفاق هو مصير أية حوارات مقبلة.

«دومة» يرمز إلى مأساة الصدام بين الدولة وشبابها لكنه ليس وحده ضحيتها. هناك آخرون يستحقون الحرية لم يستخدموا عنفا وصدرت بحقهم أحكاما قضائية فى قضايا أخرى وفق عقوبات قانون التظاهر المغلظة. التمرد من طبيعة حركات الشباب وفى الشطط احتمالات انزلاق إلى أخطاء بعضها مكلف وفادح فى تقدير طبيعة الحرب مع الإرهاب وأولويات مجتمع يريد أن يرى الدولة أمامه قوية وحاضرة بعد أن أنهكته الفوضى المسلحة وغياب الأمن الجنائى. ومع ذلك فإنه يحسب للأجيال الجديدة إيمانها بقضية الحرية وحق المصريين فى نظام جديد يتسق مع عصره فى الحريات العامة ويوفر لمواطنيه العدل الاجتماعى.

لا توجد سلطة عاقلة تتصادم مع المستقبل. بحسب معلومات مؤكدة فإن الرئيس «عدلى منصور» لا يمانع من حيث المبدأ فى الإفراج عن «دومة» لكن هناك فيما نقل عنه إشكاليات تعوقه يتعين البت فيها قانونيا وسياسيا. لا أحد فوق القانون لكن العفو الرئاسى له ضروراته لدرء أخطار مستقبلية محتملة وإذابة جليد تراكمت طبقاته مع الأجيال الجديدة وخفض مخاوف تصفية الحسابات مع ثورة يناير.

على أهمية أية خطوة فى هذا الاتجاه فإنها ليست صلب الموضوع وعقدته، قد توفر قدرا من الثقة فى جدية أية حوارات مستقبلية لكنها بذاتها ليست حلا.

هناك معلومات أخرى عن لقاء يجرى التحضير له الآن بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان «محمد فائق» لإعادة النظر فى «قانون التظاهر» ولا يستبعد صياغة قانون جديد وفق الوثيقة الدستورية.

هذه الخطوة المرجحة تشطب العنوان الرئيسى للأزمة وتؤكد الالتزام بالنصوص الدستورية الجديدة واحترامها وتسهل فى الوقت نفسه إغلاق ملف المحبوسين والمحتجزين بتهم خرقه. هناك تحفظات معلنة للمجلس القومى لحقوق الإنسان على نصوص فى القانون وعقوباته المغلظة لم يؤخذ بها.. وهناك تصادم ما بين القانون المثير للجدل والدستور الذى يقضى بأن «للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية، غير حاملين سلاحا من أى نوع، بإخطار على النحو الذى ينظمه القانون».. وأنه «ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة للحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها». القانون الحالى يمس أصل الحق فى التظاهر وجوهره، وهذه مسألة تتعلق بالحريات العامة والشرعية الدستورية معا.

الأكثر لفتا للانتباه أن القانون لم يحقق أيا من أغراضه المعلنة، فلم يحل من استخدموا العنف ورفعوا أعلام القاعدة إلى أية محكمة ولم يصدر بحق أى منهم حكم قضائى نهائى بينما صدرت أحكام قاسية بحق سلميين لم يستخدموا سلاحا ولا لجأوا إلى عنف.

من مصلحة المجتمع ومستقبله أن يحتوى شبابه دون أوهام التدجين، فالاحتواء يستدعى قنوات سياسية مفتوحة وفرص عمل متاحة ومجتمع يوفر لمواطنيه حقوقهم الأساسية بينما التدجين يفضى إلى قمع روح التمرد والنقد والإبداع.

الأجيال الجديدة بمعناها الاجتماعى الواسع قلقة من المسار الحالى ولديها خشيتها المعلنة من إعادة إنتاج نظام الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» بخياراته وانحيازاته لا وجوهه ورموزه.

وتكاد تكلم الأجيال الجديدة نفسها على شبكات التواصل الاجتماعى وفى المنتديات العامة بلا صدى أو جواب، وهذا وضع منذر وخطير لأى بلد فى حرب مع الإرهاب وعند نقطة تحول فاصلة أن يجد شبابه نفسه معزولا ومحبطا.

كلمات «الأبنودى» المقتضبة قد تساعد فى فك شفرة الفشل المزمن فى دعوات الحوار.