الثلاثاء 19 يونيو 2018 2:57 ص القاهرة القاهرة 26.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الإعلان عن أسعار الكهرباء الجديدة.. كيف تراها؟

الأردن على مفترق طرق

نشر فى : الثلاثاء 12 يونيو 2018 - 1:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 12 يونيو 2018 - 1:30 م

انقسمت الآراء حول الأحداث التى شهدتها الأردن أخيرا، بين من يرى أنها نتاج مؤامرة تحركها أطراف خارجية لإجبار الأردن على قبول ما يناط به من دور فى «صفقة القرن» المنتظرة، وبين من يذهب إلى أنها نتاج حراك اجتماعى وشعبى ظل يتفاعل فى الأردن طيلة الفترة الماضية إلى أن انفجرت الأوضاع كما شاهدناها وتابعناها. ونظرا لما تحتله الأردن وشعبها من مكانة وموقع خاص فى قلبى بعد أن عملت فيها كنائب للسفير المصرى من عام ١٩٩٨ إلى عام ٢٠٠٢، فإن لى بعض الملاحظات التى قد تساهم فى فهم وإثراء النقاش الدائر حاليا حول ما يحدث فى الأردن.
الملاحظة الأولى، تتعلق بجغرافية هذه الدولة، والتى قيل وكتب الكثير حول تاريخ وظروف نشأتها وكيف تم رسم حدودها حتى تظل معتمدة على الخارج. وقد لمست ذلك بشكل واضح وملموس خلال الرحلات التى كنت أقوم بها بالسيارة من عمان إلى دمشق كلما سنحت الفرصة. وكانت المسافة بين العاصمتين لا تتعدى ٢٢٠ كيلومترا تقطعها السيارة فى نحو ساعتين مع نصف الساعة فقط على الحدود لكون السيارة تحمل أرقاما دبلوماسية. ولكن ما لفت نظرى بعد أكثر من رحلة هو كيف تتوقف الصحراء الممتدة داخل الأراضى الأردنية حتى نصل إلى الحدود وندخل الأراضى السورية، وتبدأ طبيعة الأرض فى التغير من صحراء قاحلة جدباء إلى مراعٍ ثم مزارع مزدهرة خضراء. وكأن من رسم خط الحدود الفاصل بين الدولتين تساءل أين تقف الأمطار أو المياه، ثم حدد الخط الفاصل بينهما. ومع هذا الشح فى الموارد الطبيعة وعدم وجود آبار نفط أو غاز بها كبعض الدول المجاورة لها، فإن الأردن ليس لديه بديل أو خيار سوى الاعتماد على نفسه أولا، ثم على المساعدات والدعم الخارجى ثانيا.
الملاحظة الثانية مرتبطة بالتركيبة السكانية لتلك الدولة، والتى تتكون من عنصرين اثنين، عنصر يطلق عليهم أبناء العشائر، وهو وصف لسكان الدولة من القبائل الذين يقطنون فى الضفة الشرقية من نهر الأردن، أو بمعنى أكثر دقة وتحديدا «الشرق أردنيين». العنصر الثانى من المجتمع كان مكونا من ذوى الأصول الفلسطينية الذين قدموا إلى الأردن على دفعات، فكانت الموجة الأولى بعد حرب ٤٨ والثانية بعد ٦٧ من سكان الضفة الغربية لنهر الأردن. ولذلك فإن تاريخ وتركيبة وتطور المجتمع الأردنى كان أكثر ارتباطا وعلاقة بالقضية الفلسطينية وتطورات الصراع العربى الإسرائيلى من أى دولة عربية أخرى. وكان ما لفت نظرى خلال هذه الفترة ما يتداول من شائعات تحولت إلى أحلام وتمنيات حول حجم التعويضات المتوقعة أو المطروحة للاجئين الفلسطيينين فى إطار ما كان مطروحا آنذاك من مشاريع حول التسوية النهائية للقضية الفلسطينية. ويبدو مما يتم تداوله من معلومات شحيحة حول صفقة القرن المرتقبة، فإن هذا الموضوع لا يحتل أولوية متقدمة، وأن الأولوية الآن لقضايا أخرى مثل يهودية الدولة الإسرائيلية والاعتراف بالمستوطنات، والأهم من كل ما سبق… القدس.
يقودنا ما سبق إلى الملاحظة الثالثة. فالمتابع للشأن الأردنى يعرف تماما الدور الذى تلعبه المملكة فى أى مفاوضات أو حرب مع إسرائيل وحول فلسطين، وخاصة فيما يتعلق بوضع مدينة القدس. فقد استمرت الأردن فى الإشراف على الأماكن الإسلامية المقدسة بمدينة القدس كالمسجد الأقصى وقبة الصخرة، حتى بعد استيلاء إسرائيل عليها فى يونيو ١٩٦٧. بعبارة أكثر وضوحا، فإن أحد أهم مصادر شرعية الأسرة الملكية الهاشمية هو استمرار دور الأردن فيما يتعلق بالقدس تحديدا، وهو ما يشرح موقف العاهل الأردنى مما يثار حول القدس فى «صفقة القرن» هذه، والتى بدأ أول ملامحها فى الظهور مع اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل وإتمام عملية نقل السفارة الأمريكية إليها.
الملاحظة الرابعة، تتعلق بتراكم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية ودون تحقيق نمو أو طفرات تستوعب ما شهدته الأردن خلال العقدين الماضيين فقط. فقد استضافت الأردن موجة نزوح ضخمة من الأشقاء فى العراق بعد الغزو الأمريكى لها فى عام ٢٠٠٣ تسبب فى موجة ارتفاع أسعار وتضخم غير مسبوق دفع ثمنه المواطن الأردنى بكل صبر واحتمال. ثم كانت موجة النزوح الأخرى من سوريا مع اندلاع الحرب الأهلية هناك، والتى فاقت فى حجمها كل ما سبق أن استوعبته الأردن من موجات سابقة، فلسطينية وعراقية. ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتقلص المعونات والاستثمارات الخارجية سواء نتيجة انخفاض أسعار البترول أو تباطؤ حركة الاستثمار والتجارة العالمية، فإن الأزمة تفاقمت وتعمقت. ومن الجلى أن بعض المشروعات أو برامج الإصلاح الاقتصادى والتى سبق أن رعتها الدولة لم تأتِ بثمارها المرجوة.
وفى ظل وضع كهذا، ومع تضافر واجتماع كل هذه العوامل السابق شرحها أعلاه، فإن القرارات الاقتصادية الأخيرة وتقديم الحكومة لمشروع قرار حول زيادة ضريبة الدخل كانا بمثابة عود الثقاب الذى أشعل برميل البارود الموجود. وقد كان حجم المظاهرات واتساعها كافيا لتقديم الحكومة استقالتها وقيام العاهل الأردنى بإلغاء ما تم اتخاذه من قرارات والتعهد بمراعاة ظروف المواطن والعمل على التخفيف من أعبائه المعيشية. ولكن الأهم كان إعلان الملك صراحة عن تعرض الأردن لضغوط مرتبطة بصفقة القرن، وبما يلقى تبعات ما حدث على كل من الولايات المتحدة والسعودية على حد سواء. الولايات المتحدة بمواقفها الداعمة لإسرائيل والاستهانة بمشاعر المسلمين والعرب فيما يخص القدس، والسعودية ودول الخليج الأخرى التى قلصت من حجم معوناتها نظرا لتراجع إيراداتها النفطية من ناحية، ومن ناحية أخرى للضغط على المملكة للقبول بصفقة القرن هذه.
هذا، وتشير آخر الأنباء، وحتى لحظة كتابة هذا المقال، إلى قيام خادم الحرمين الشريفين بالدعوة لعقد قمة سعودية إماراتية كويتية أردنية فى مدينة مكة المكرمة مساء يوم الأحد ١٠ يونيو لبحث سبل دعم الأردن والوقوف بجانبها. وهو الأمر الذى يعكس تخوف هذه الدول من تدهور الأوضاع فى الأردن إلى حد الخروج عن السيطرة، وبما يمثله ذلك من تهديد للنظام الملكى المماثل لأنظمة الدول الخليجية. وهو الأمر الذى يتوقع معه تقديم حزمة جديدة من المساعدات للأردن بعدة مليارات من الدولارات لتجاوز الأزمة الحالية، ولكنه لن يحل المشكلات الرئيسية التى تواجه البلاد. هذه المشكلات الناجمة عن الطبيعة الجغرافية للدولة الأردنية وتركيبتها السكانية والاجتماعية، والتى تتطلب برنامجا شاملا للإصلاح الاقتصادى والسياسى يحظى بدعم شعبى وتوافق مجتمعى حتى يخرج الأردن من سلسلة أزماته الاقتصادية المتكررة ويحصن نفسه ضد الضغوط الخارجية.

التعليقات