الإثنين 24 سبتمبر 2018 12:54 ص القاهرة القاهرة 26.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

تفكيك الحكومة

نشر فى : السبت 12 سبتمبر 2015 - 1:45 ص | آخر تحديث : السبت 12 سبتمبر 2015 - 1:45 ص

لم تكن لدى رئيس الحكومة «إبراهيم محلب» أية معلومات عن تورط وزير الزراعة فى قضية فساد تنظرها جهات التحقيق حتى صباح اليوم الذى جرت فيه إقالته.
‫هذه حقيقة أكدها بنفسه فى تصريحات منشورة.‬
ولا كانت لديه أية معلومات عن أن الوزير المتهم سوف يقبض عليه فور أن يغادر مبنى مجلس الوزراء بخمس دقائق.
وهذه حقيقة أخرى يصعب نفيها.
المعنى أن الجهات الرقابية التى تولت القضية الخطيرة قبل أن تقدمها للنيابة العامة لم تخطر رئيس الحكومة بأية معلومات ولا رئيس الدولة أشار إليه بشىء فى هذا الصدد.
بحسب أية أصول سياسية فإن رئيس الحكومة لابد أن يوضع فى الصورة لا أن يفاجأ بها شأن أى مواطن آخر.
هو يتحمل المسئولية السياسية عن اختيار الوزير وهو أول من يساءله قبل اتخاذ قرار إقالته.
لم يحدث شىء من ذلك.
اقتصر دوره على استدعاء الوزير المتهم بالفساد إلى مجلس الوزراء طالبا منه أن يستقيل بتوجيهات من الرئيس.
إبلاغ بقرار لا أكثر ولا أقل.
هذه أوضاع سكرتارية تنفيذية لا رئاسة حكومة.
ربما من أسباب إبعاد الحكومة عند دائرة المعلومات أن بعض أركانها فى دائرة الاتهامات.
بمعنى آخر تبدت خشية من تسرب شىء من أسرار القضية إلى وزراء آخرين قد يتهمون فيها.
لا يمكن استبعاد هذا الاستنتاج.
بأثر مفاجأة الموقف بدا عدد كبير من الوزراء فى حالة تخبط مزرية لا مثيل لها فى تاريخ الحكومات المصرية.
بعضهم يخشى أن تطوله الاتهامات فى قضية وزير الزراعة أو أية اتهامات مماثلة فى قضايا أخرى.
وبعضهم الآخر يتمنى أن يخرج سالما من منصبه خشية أن يتعرض اسمه لإهانات لا يستحقها.
الروح المعنوية فى التشكيل الحكومى وصلت إلى درجة متدنية كأن المنصب الوزارى اتهام.
التخبط بذاته يستدعى مغادرة الحكومة غير أن أحدا لا يبدو مستعدا لمثل هذا التغيير الشامل قبل الانتخابات النيابية مباشرة.
والتخبط بتداعياته يربك جهاز الدولة كله فى لحظة يقال فيها إن حربا على الفساد قد بدأت.
ليس مستبعدا الآن الوقوف فى منتصف المسافة دون اقتراب من شبكات الفساد الأخرى المتداخلة فى قضية وزارة الزراعة.
والسبب غياب التصورات والخطط والآليات اللازمة لحرب الفساد.
لا يكفى فى مثل هذه الحروب الإرادة السياسية وحدها.
التعميم جريمة بحق سمعة كبار المسئولين فى الدولة على المستويين السياسى والأخلاقى.
غير أنه إذا لم تأخذ التحقيقات مداها بدون حصانة لأحد فإن سمعة نزاهة الحكم سوف تتعرض لتآكل خطير.
ضبط القواعد من ضرورات الإدارة الكفؤة للحرب مع الفساد.
من الأخطاء الفادحة التى ارتكبت فى قضية وزير الزراعة طريقة القبض عليه أمام المارة فى ميدان التحرير كأنه لص ضبط فى مولد شعبى.
العن الفساد كما تشاء لكن هناك قواعد لابد أن تتبع.
ظن أن رئيس الحكومة استدعى الوزير المتهم إلى «كمين» مهين لهيبة الرئاسات.
هناك فارق بين الدول الحديثة ومذابح المماليك.
لم يكن هناك داع لاستدعاء الوزير لمقر الحكومة إذا كان القرار قد اتخذ بإقالته.
طلب الاستقالة من الوزير لا محل لها بالنظر إلى خطورة الاتهامات الموجهة إليه.
الخيار الأصوب هو الإقالة والقبض عليه فى محل إقامته أو عمله وفق قرار النيابة العامة.
لم يكن هناك ما يستدعى إهدار كرامته الإنسانية فى ميدان عام، فشأنه أمام قضاته.
كان من المحتمل للغاية أن تحدث مواجهة بالسلاح بين قوة قطعت عليه الطريق بسيارات دفع رباعى لتنفيذ أمر ضبطه وإحضاره وقوة أخرى مكلفة رسميا بحمايته لم تبلغ بقرار إقالته.
غياب التنسيق بين الجهات المختلفة ثغرة خطيرة لا يصح إنكارها.
وغياب القواعد أفضى إلى إرباك جهاز الدولة بلا مقتضى.
لا تحتمل أية دولة استدعاء المطاردات السينمائية لوزرائها المتهمين.
المتهم برىء حتى تثبت إدانته.
هذه قاعدة قانونية يتعين احترامها أيا كانت فداحة الاتهامات.
انتهاك القواعد يفضى بالضرورة إلى زعزعة أى احترام للمناصب العامة.
من حق أى وزير أو مسئول كبير أن تخامره مخاوف التعرض لمهانة مماثلة دون أن يكون ارتكب جريمة ثابتة.
تلك المخاوف قد تدفع آخرين إلى العزوف عن الوظائف العامة.
الرئيس نفسه يشتكى من مثل هذا العزوف.
الآن سوف يزداد عدد الذين يعتذرون عن أية وظيفة عامة.
غير أن ذلك كله لا يبرر للحكومة أن تقول إنها «تتعرض لحملة مغرضة».
القضية تتعلق بنزاهة الحكم قبل أى شىء آخر.
وتصرفات بعض الوزراء ليست فوق مستوى الشبهات.
ما سر العلاقات التى جمعتهم مع شخص مثل «محمد فودة» سجله فى رشاوى المسئولين الكبار بالدولة مودع فى أرشيف المحاكم؟
ما سر نفوذ «فودة» على الوزراء وفضائيات وصحف؟
من الذى يحمى هذا الرجل ومن قدمه إلى مراكز الإعلام والحكم؟
الأسئلة لا يمكن تجاوزها بكلام مرتبك عن أن فساد وزارة الزراعة لم يمس أحدا آخر من الوزراء.
التصريح الحكومى يصادر نتائج التحقيقات التى تفرض حظرا على النشر من غير جهة مختصة.
ولا بكلام آخر يقول «إن الشفافية التامة وغير المسبوقة لمجلس الوزراء والقيادة السياسية تؤكد أنه لا تستر على فساد أيا كان».
من يصدق هذا التصريح عن شفافية الحكومة التى لا تتستر على فساد؟
الذى يؤكد الشفافية لابد أن يكون فى صورة المعلومات لا متابعا عبر ما ينشر فى الصحف.
والذى لا يتستر على فساد لابد أن تكون عنده سلطة القرار.
بأى معنى سياسى أو أخلاقى لا يصح تحميل رئيس الحكومة بما لا يحتمل.
جاء لمهمة محددة أقرب إلى «عمال البناء» يحمل أثقال الدولة المنهارة من هنا إلى هناك.
بتعبير صاحب صعوده فهو «بلدوزر».
كانت تلك مهمة صعبة تحملها فى صبر يحسد عليه وبذل جهدا مضنيا لا يجوز إنكاره.
غابت الرؤية السياسية بفداحة، وهذه ليست مشكلته.
فقد اختير لهمته لا لرؤيته.
غير أن الهمة بلا رؤية تؤدى إلى ما وصلت إليه حكومته أمام حائط مسدود.
لم تكن حكومته شريكة فى قرار أو صاحبة رأى فى موقف.
تجاوز رئيسها من سمات عملها.
وفى التجاوز تعطيل للنص الدستورى عن شراكته فى صناعة السياسات العامة.
تفكيك الحكومة يبدو الآن حتميا على خلفية قضية فساد وزارة الزراعة.
غير أن أية حكومة مقبلة سوف تتعرض للتفكيك نفسه إذا افتقدت الرؤية السياسية وغابت عنها معايير اختيار وزرائها.