الأربعاء 19 سبتمبر 2018 1:57 م القاهرة القاهرة 35.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

ما لم يفعله أوباما

نشر فى : الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 9:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 9:15 م
يتردد المؤرخ فى تحليل أو تقييم عهد قائم أو مرحلة اقتربت من نهايتها خشية أن يتهم بالتسرع فى إصدار أحكام غير ناضجة. هذا التردد ليس من شيم المحللين السياسيين والمعلقين الصحفيين إلا فيما ندر أو حيث تندر بالفعل المعلومات الضرورية لوضع تقييم معقول. أعذر كل كاتب سياسى يتعجل خروج أوباما من البيت الأبيض ليصدر حكما على عهده وعليه خصوصا أنا شخصيا لم أستطع الانتظار فكتبت عن مسئولية أوباما وعهديه عن ظهور دونالد ترامب، باعتباره الظاهرة الأسوأ فى مسيرة الانحدار الأمريكى، التى يرجح المتخصصون أنها بدأت قبل عشرين عاما أو أكثر. قلت إنه ما كان لترامب أو لشخص آخر بصفاته أن يعتلى منصات الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية الأمريكية لو لم يصل رجل بصفات باراك أوباما إلى الحكم، ويقضى ثمانى سنوات فيه ولو لم يأتِ على أمريكا عهد كهذا العهد.

***

لا أنكر أن أوباما دخل حيز اهتماماتى منذ ظهر متحدثا فى حملة انتخابية لا تخصه مباشرة. لفت نظرى طلاقة لسانه واعتداده بنفسه وإجادته فنون الخطابة السياسية. لم أتصور وقتها أنه، رغم هذه الأرصدة القوية، يمكن لهذا المتحدث المفوه أن يحلم بمنصب رئيس الجمهورية، وهو الأسمر القادم من دوائر اجتماعية بعيدة كل البعد عن الطبقة السياسية الحاكمة فى الولايات المتحدة. لم أدرك وقتها أن هذه الطبقة كانت سبقتنى إلى تصورى فراحت تعده الإعداد اللازم وتوفر له شروطا ضرورية. ومع ذلك وعلى طول حملته الانتخابية بقيت مقتنعا أن الرجل وقد برز فى كل موقع، ورغم فوزه فى كل انتخابات فرعية أو تمهيدية فمصيره كرئيس هو الفشل فى حل أهم وأخطر مشكلة أمريكية، وهى العلاقات بين عنصرى الأمة الأمريكية، البيض والسود.

***

بدون تسرع فى الحكم ولكن بكثير من المعلومات والمشاهدات والمقارنات أستطيع القول إن باراك أوباما لم يحقق أمل الكثيرين من أبناء جلدته وملايين التقدميين فى خلق أجواء سياسية واقتصادية واجتماعية أفضل تقلل من فرص الصدام بين البيض والسود فى أمريكا وتزيد من فرص الاندماج الاجتماعى. أحكم بهذا استنادا إلى الكثرة المتناهية لحوادث القتل التى راح ضحيتها شبان من السود على أيدى رجال شرطة من البيض ومظاهرات الاحتجاج الواسعة، التى جاءت فى أعقابها، واستنادا أيضا إلى المفردات والإشارات العنصرية، التى حفل بها الخطاب السياسى لرجل تقدم للترشيح لمنصب الرئاسة واسمه دونالد ترامب خلفا لأول رئيس أسود للولايات المتحدة وهو باراك اوباما.

***

حصل أوباما على جائزة نوبل للسلام. لعل الجائزة وقد جاءت فى وقت مبكر كانت بهدف تشجيعه على تسوية مشكلات دولية حادة بالوسائل السلمية، أولعلها صدرت مثل مرات سابقة كمكافأة على عمل ارتأته الشخصيات النافذة وراء هذه الجائزة العتيدة حقق هدفا لها، المثال البارز لدينا من مرات أسبق هو منح الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات وقرينه الإسرائيل إيهود باراك الجائزة مكافأة على توقيعهما اتفاق أوسلو، وهو من وجهة نظرى الاتفاق الذى مهد بالوسائل السلمية لاستكمال استيطان فلسطين، وتصفية قضيتها بعد إفساد أكثر قياداتها. حصل أوباما على الجائزة فى مقتبل عهده وأنهى الولايتين، ولم يحقق سلاما فى أى مكان فى العالم يقع تحت سيطرة أمريكا.

لم يحقق سلاما فى العراق رغم اعترافه المتكرر بمسئولية أمريكا عن أزمات العراق المتعددة منذ بدأت أمريكا تقصف بالطائرات والصواريخ العراق استعدادا لغزوه وتخريبه وتفجير صراعات محلية وتغيير توازنات قوة اقليمية من حوله. سحب فعلا قوات من أفغانستان ولم يسحب كل القوات ولن يستكمل انسحابها قبل مغادرته البيت الأبيض، وهو مستمر فى إرسال قوات جديدة إلى العراق تحت مسميات مختلفة. استكمل سحب معظم القوات من أوروبا ولكنه ظهر عاجزا عن حماية جورجيا وأوكرانيا بوسائل أخرى غير القوة. بعض هذه الوسائل الأخرى كانت محل سخرية المسئولين فى القارة الأوروبية مثل تكليف الحلف الأطلسى بتوفير حفنة من الجنود لتتمركز فى دول البلطيق أو العودة إلى نشر قواعد للصواريخ على مقربة من روسيا. الخلاصة المؤسفة لثمانى سنوات هى أن أوباما لم يحقق السلام العالمى ولا السلام الإقليمى فى أى منطقة ملتهبة بصراع أو آخر.

***

لم يحقق باراك أوباما السلام. ولكنه وللحق لم يدخل حربا جديدة. يحب معلقون يساريون وقوميون فى أوروبا وخارجها التذكير بأن معظم رؤساء أمريكا شنوا حروبا وغزوات لأسباب ودوافع شتى وأن قليلين جدا هم الذين امتنعوا عن الدخول فى حروب. إلى هؤلاء القليلين سوف يضيف التاريخ اسم باراك أوباما. هذا الرئيس الذى يستعد الآن لمغادرة مكتبه البيضاوى الذى شهد ممارسات وأساليب متنوعة فى إدارة شئون الإمبراطورية الأمريكية نعترف له بأنه لم يفعل ما فعله الرئيس ترومان عندما قرر غزو شبه جزيرة كوريا، أو ما فعله الرئيس جونسون عندما قرر أن يحل محل الاستعمار الفرنسى فى الهند الصينية فبعث بخيرة قواته إلى فيتنام. ولم يفعل ما فعله الرئيس نيكسون عندما أمر قواته الجوية والبرية تدمير دولة كمبوديا وإبادة ما شاءت إبادتهم من المدنيين، تنفيذا لخطة شريرة ووحشية ابتدعها هنرى كيسنجر ونفذها ولم يندم يوما. كذلك لم يفعل أوباما ما فعله الرئيس جون كينيدى فى مرحلة مبكرة من الحرب الباردة حين أعطى الإذن لوكالة استخباراته بشن حرب ضد جزيرة كوبا بقوارب من البحر فاستحقت الوكالة الهزيمة وسجلها التاريخ تحت عنوان معركة خليج الخنازير. فعل الرئيس ريجان فعلا مماثلا فى نهاية الحرب الباردة حين شن حربا سريعة ضد جزيرة جرانادا فأسقط حاكمها وحربا سريعة أخرى ضد بنما ليعتقل حاكمها ويودعه سجنا فى ولاية أمريكية أظن أنها تكساس استعدادا لمحاكمته متهما بتشجيع تهريب المخدرات. أكرر أن أوباما لم يفعل شيئا من هذه الأفعال التى مارسها أسلافه من الذين تربعوا على عرش القوة فى واشنطن.

***

ما زلت عند اقتناعى أن التاريخ سوف يحسم المواقف من فترة رئاسة باراك أوباما بعد أن يكون المؤرخون قد توقفوا طويلا أمام واحدة من أقذر وأسوأ وأحط صراعات الدول، وهو الصراع على سوريا.
جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.