الخميس 20 سبتمبر 2018 3:41 م القاهرة القاهرة 35.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

شروخ فى الشرعية

نشر فى : الإثنين 12 نوفمبر 2012 - 9:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 12 نوفمبر 2012 - 9:00 ص

شروخ الشرعية تتمدد من نهايات عصر «مبارك» إلى فترة حكم «المجلس العسكرى» إلى الأحوال الراهنة كأنها حلقات متصلة.

 

على مدى سنوات طالت لم تستقر أوضاعا دستورية تؤسس لشرعية تلقى قبولا عاما. الظروف اختلفت من مرحلة إلى أخرى، وشروخ الشرعية تباينت، ولكن الأزمة أخذت عنوانا واحدا: «الدستور». بعض شروخ الشرعية جرى توارثها من حكم إلى آخر!

 

فى سنوات «مبارك« الأخيرة بدت شروخ الشرعية منذرة بقرب نهاية النظام. التوقعات مالت إلى أحد احتمالين.. أولهما، أن يمضى «مشروع التوريث» إلى نهايته وتنتقل السلطة من الأب إلى الأبن متحولة إلى «جمهورية عائلية».. وثانيهما، أن يبرز جنرالا جديدا من بين صفوف الجيش يتولى السلطة معيدا إنتاج النظام بوجه جديد.

 

كان الرئيس السابق قلقا من عواقب مقامرة التوريث: «لن أضع ابنى فى الجحيم بيدى» على ما قال، لكن الضغوط العائلية دعته لإفساح المجال أمام هذا السيناريو وأسند إلى نجله صلاحيات غير دستورية جعلت منه رئيسا موازيا.

 

كانت الانتخابات الرئاسية فى عام (٢٠٠٥) نقطة تحول جوهرية فى معادلات السلطة.. وفى اجتماع لم يعلن عنه ضم قيادات فى «الوطنى» و«الدولة» احتفالا بنتائج الانتخابات التى أشرف عليها نجل الرئيس السابق سأل اللواء «حبيب العادلى» وزير الداخلية شخصية مقربة من «جمال مبارك»: «أنتوا ناويين تعملوا إيه فى البلد؟». كانت العبارة بنصها تعبيرا عن تحولات فى بنية السلطة، وبدأت الهرولة إلى صفوف «الرئيس الموازى». فى تلك اللحظة قرر «العادلى» أن يكون «وزير داخلية التوريث»!

 

قيادات الجيش مانعت على طريقتها فى هذا التحول معتقدة أن رئاسة الدولة من حقها بمواريث يوليو، والحملات الصحفية والسياسية تصاعدت ضد حكم العائلة وتعمقت شروخ الشرعية، وبدا أن مصير النظام مسألة وقت.

 

فى تلك الآونة لاح سيناريوهان أولهما، السيناريو الروسى أن تنتقل السلطة من الرئيس إلى رجل المخابرات القوى اللواء «عمر سليمان« على الطريقة التى جرت فى دهاليز «الكرملين» بصفقة نقلت السلطة بمقتضاها من الرئيس «بوريس يلتسين» إلى رجل مخابراته القوى «فلاديمير بوتين» مقابل الخروج الآمن للأول وضمان عدم تعرضه للملاحقة القضائية.

 

وثانيهما، السيناريو التونسى انقلاب قصر يجرى فيه احتجاز «الرئيس المريض» ونقل السلطة إلى رجل جديد، على النحو الذى جرى عند تنحية الرئيس التونسى الأسبق «الحبيب بو رقيبة» على يد رئيس حكومته اللواء «زين العابدين بن على». السيناريو الأول، خامر «مبارك».. والسيناريو الثانى، أقلقه بشده.. لكنه لم يتوقع أن تكون نهايته على الطريقة التونسية بسيناريو مختلف. فقد أعقبت الثورة فى تونس ثورة مماثلة فى مصر أطاحت بالنظام كله الذى تمددت شروخ الشرعية فيه إلى حدود الانفجار.

 

المعضلة التى استحكمت عند انتقال السلطة بعد ثورة يناير أن «المجلس العسكرى» لم يكن مقتنعا بأن هناك ثورة جرت ولدت شرعية جديدة تنتسب إليها، ولم يكن مستعدا لوضع دستور جديد يعلن القطيعة التاريخية مع النظام السابق، وهكذا تمددت شروخ الشرعية إلى ما بعد الثورة، فلا شرعية ثورية تقود ولا شرعية دستورية تحكم. ضاعت فرصة صياغة دستور جديد يضمن أن يأخذ التحول الديمقراطى مداه، وأن يتضمن أهداف يناير فى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. دخلت مصر فى متاهة دستورية نالت من شرعية «المرحلة الانتقالية» بصورة فادحة. قبل انتقال السلطة من «العسكرى» إلى «مرسى» بدت مصر أمام سيناريوهات متضاربة.

 

أولها، السيناريو الرومانى ــ أن يجرى الانقضاض على الثورة باسم الاستقرار والحفاظ على الأمن، وكان ظهور اللواء «عمر سليمان» على مسرح الأحداث مترشحا لرئاسة الجمهورية مثيرا لمخاوف أن يكون صعوده تمهيدا لـ«مشروع قمع» على النحو الذى جرى فى رومانيا مُجهزا على انتفاضتها الشعبية. وثانيها، السيناريو الباكستانى، بمعنى تقاسم السلطة بين المجلس العسكرى و«الإخوان المسلمين». كانت التفاهمات بين الجانبين جارية وحضور السفيرة الأمريكية «آن باترسون» القادمة من الخدمة فى باكستان داعيا إلى طرح مثل هذا السيناريو.

 

وثالثها، السيناريو الجزائرى ــ أن يحتذى «العسكرى» تجربة الانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية والزج بالإسلاميين فى السجون والدخول فى حمامات دم متبادلة كالتى استهلكت الجزائر وطاقاتها وسحبت من رصيد مستقبلها. ورابعها، السيناريو التركى، بمعنى احتذاء الجماعة الأكثر تنظيما التجربة التركية عند آخر حلقات تطورها مع إبعاد العسكريين عن الحكم.

 

لا السيناريو الرومانى كان واقعيا، ولم يكن المجلس العسكرى مستعدا لدعم «عمر سليمان».. ولا السيناريو الباكستانى كان مقبولا، فالجيش المصرى حقائقه تختلف.. ولا السيناريو الجزائرى كان محتملا، والنسيج المصرى يأبى تلك المواجهات الدموية الواسعة.. ولا السيناريو التركى كان ممكنا، فالإسلاميون هنا لم يتطوروا على النحو الذى جرى فى تركيا.

 

عند نهايات عصر «مبارك» اتسعت شروخ الشرعية وتفاقمت عوامل الانفجار، وكان الدستور عنوان الأزمة وليس موضوعها، فالملفات الاقتصادية والإقليمية كانت ضاغطة والمظالم الاجتماعية ألقت بظلالها الداكنة على مسألة الشرعية. وعند نهايات «حكم العسكرى» نالت شروخ الشرعية، بعضها موروث والآخر مستجد، من هيبة الجيش وسمعته ودعت فى النهاية إلى إطاحة «العسكرى». الشروخ تتجدد فى أحوال مختلفة مع حكم الرئيس «محمد مرسى». العنوان واحد فى الحالات الثلاث: أزمة الدستور.. لكن الأحوال والملابسات والقوى المتصارعة تختلف.

 

انتقلت السلطة إلى «مرسى» بلا دستور ينظم العلاقات بين مؤسسات الدولة ويدمج مبادئ يناير فيه، ووصلت أزمة الدستور وجمعيته التأسيسية إلى ذروتها.

 

فى خلفية المشهد المأزوم ثورة يعتقد صناعها من الأجيال الجديدة أنها قد سرقت وجوائزها ذهبت لغير أصحابها.

 

وفى المشهد نفسه تداخلت فى ساعات متتالية خمس صور تفاصيلها تومئ بانفجار ليس بوسع أحد أن يتوقع مداه ولا أن يعرف نتائجه.. فللحوادث إيقاعها والأسباب تقود إلى نتائجها فى النهاية.

 

الصورة الأولى، تعكس شيئا من التوافق الأولى بين القوى والتيارات المدنية، الذين يشاركون فى «التأسيسية« والذين يدعون إلى حلها، على أرضية رفض مسودة الدستور واتجاه المشاركين إلى الانسحاب منها إذا ما جرى المضى فى جدول أعمالها الجديد الذى يفضى إلى «سلق» الدستور.

 

 

الانسحاب المحتمل يسحب أية شرعية عن «التأسيسية» المطعون على دستورية القانون الذى تشكلت بمقتضاه، ويسحب من الدستور بالتالى شرعيته، فالدساتير تصاغ بالتوافق لا بالغلبة، وذلك يجعل من الدستور ذاته مادة تنازع على الشرعية تؤدى إلى مواجهات تأخذ النظام كله إلى نهاياته.

 

الصورة الثانية، تجسد الأزمة على مستوى مؤسسات الدولة المتصادمة، فالجمعية العمومية لنادى القضاة، مدعومة من المجلس الاعلى للقضاء، تلوح بعدم الإشراف على استفتاء الدستور، والانتخابات النيابية التى تليه، إذا ما أُقرت المسودة الدستورية على النحو الذى هى عليه الآن، وهو تطور يأخذ من الدستور أية شرعية.

 

الصورة الثالثة، تتصادم مع توجهات يناير فى العدالة الاجتماعية، فرئيس «التأسيسية» المستشار «حسام الغريانى»، يقول من على منصتها إن ثورة يوليو «أكبر عملية نصب فى التاريخ على العمال والفلاحين» وممثل للفلاحين استمع إلى هذا الكلام الصادم فداهمته أزمة صحية. الثانى لا يكاد يصدق أن الجهل بالتاريخ الاجتماعى المصرى وصل إلى هذا الحد، بينما الأول يستخف به دون أن يدرك أن «أكبر عملية نصب سياسى جرت حقا فى التاريخ الحديث هى الجمعية التأسيسية التى يرأسها». تكاد تكون أهداف يناير فى العدالة الاجتماعية قد مزقت فى نصوص مسودتها. الأخطر أن «الغريانى» تنكر لطبيعة دوره كرئيس للتأسيسية فى إحداث التوافق الضرورى حول الدستور. القضية هنا ليست فى الإبقاء على نسبة الـ(٥٠٪) للعمال والفلاحين فى المجالس النيابية، فهى لم تكن على مدى أربعين عاما حائلا دون طرد الفلاحين من أراضيهم أو بيع شركات القطاع العام بأبخس الأسعار مع تسريح العاملين فيها. القضية تكمن فى أن الحقوق الاجتماعية خلت منها مسودة الدستور تماما، وهذا وحده انقلاب على ثورة يناير. خروج الدستور على هذا النحو يحمل معه أزمة شرعية مستحكمة تنذر بانفجارات اجتماعية.

 

مسألة العمال والفلاحين طرحت فى الوقت بدل الضائع من أعمال «التأسيسية»، كأنها غير ذات شأن أو قيمة، بينما أكدت الجمعية الإبقاء على «مجلس الشورى» بتعليمات من مقر الجماعة فى المقطم للأسباب ذاتها التى دعت «الوطنى» لإنشاء غرفة برلمانية ثانية بلا صلاحيات أو ضرورات.

 

الصورة الرابعة، مساجلات التيار الإسلامى حول النص الدستورى الخاص بالشريعة. طرح الموضوع فى جمعة «تطبيق الشريعة» فيه تراجع معلن من الجماعات التى شاركت فيها ومبطن من الجماعات التى لم تشارك عن التزامات موقعة فى وثيقة الأزهر الشريف التى أكدت الإبقاء على المادة الثانية بصياغتها التى تنص على أن «مبادئ الشريعة الإسلامية» هى المصدر الرئيسى للتشريع.

 

ما الذى جد إذن؟!

 

الصورة براياتها السوداء وأعلام السعودية ودول عربية أخرى مع حضور خافت للعلم المصرى، تلخص أزمة طبيعة الدولة ومستقبلها. العبارات المنفلتة تؤذن بمخاطر على المستقبل، فالتكفير واصل إلى حد وصف «أبوجهل» بأنه كان ليبراليا و«مرسى» بأنه «مفرط فى الدين!».

 

الصورة الخامسة، تجسدها الحوارات التى يجريها الرئيس مع ممثلى المعارضة، فهو لا يطرح تصورا أو يمض فى طريق له تضاريس وعنده أفق، بما يشكك فى طبيعة الدعوة للحوار والهدف منها، كأنه قنابل دخان تعمى العيون حتى تتمكن «التأسيسية» من «طبخ» الدستور على عجل.

 

إنها إذن شروخ فى الشرعية تنذر بسيناريوهات أفدح ما لم يجر حسم خيارات الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة على ما تعهد الرئيس «مرسى» ذات يوم.