الأربعاء 26 سبتمبر 2018 9:59 ص القاهرة القاهرة 26°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الجنرال فى متاهة

نشر فى : الإثنين 12 ديسمبر 2011 - 9:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 12 ديسمبر 2011 - 9:45 ص

تتدافع الأحداث خارج مساراتها.. والمساجلات السياسية تبدو كتفاعلات كيميائية خارج معاملها لا أحد بوسعه أن يتكهن جازما بنتائجها.

 

المشكلة الرئيسية ونحن ندخل إلى جولة ثانية فى الانتخابات النيابية أن الديمقراطية تبدو قريبة المنال وبعيدة المنال فى اللحظة ذاتها. فالديمقراطية لا تلخصها إجراءاتها، فالإجراءات بلا قواعد تحكمها، قد تؤدى إلى إهدار الحريات العامة، والانقلاب على الدولة الحديثة، والتنكر للقوى والأجيال الجديدة التى صنعت الثورة ودفعت ضريبتها دما.

 

احتار العسكرى طويلا وكثيرا فى صلاحيات المجلس الاستشارى، وتضاربت تصريحات منسوبة لقيادات فيه بصورة تكشف عن تخبط كبير داخله، فهو يستشعر أنه فى ورطة، أو ذاهب، والبلد معه، إلى متاهة أدت إليها سياساته الفاشلة فى إدارة المرحلة الانتقالية. يفكر فى الخروج من المأزق، ولكن وسائله لا تسعفه. التصريحات تناقض بعضها، والتخبط وصل مداه، فاللواء «مختار الملا» يصرح لمراسلين أجانب أن «مجلس الشعب لن يضع بمفرده الدستور الجديد»، وأن «المجلس الاستشارى» له كلمة مسموعة فى تشكيل الهيئة التأسيسية، التى سوف تضع الدستور، واللواء «ممدوح شاهين» ينفى بعد أقل من يوم واحد تصريحات «الملا»، ويعتبرها آراء شخصية، مؤكدا «أن مجلس الشعب وحده هو الذى سوف يضع الدستور، ويشكل وحده الهيئة التأسيسية»، التى يقتصر دورها على إبداء المشورة التى لا تلزم أحدا! وهذا المستوى من الأداء المتخبط لا يساعد على إسباغ صفتى الجدية والاحترام على تصريحات قادة المجلس العسكرى.

 

ولا يعقل على أى نحو، ولا من طبيعة الانضباط فى المؤسسة العسكرية، أو داخل المجلس العسكرى، أن يستدعى أحد قادته البارزين عددا من المراسلين الأجانب، ويتحدث باستفاضة فى قضايا حساسة، وأن يكون واضحا فى رسائله السياسية من أن صعود الإسلاميين الانتخابى لا يعنى تغييرا فى طبيعة الدولة المدنية، دون تفويض واضح وصريح ومباشر من المشير شخصيا.

 

ولا يعقل بذات الدرجة أن يخرج اللواء «شاهين» مساعد وزير الدفاع للشئون القانونية لينفى تصريحات زميله فى المجلس دون تفويض آخر واضح وصريح ومباشر من المشير نفسه.

 

فى المرة الأولى، أراد «المجلس العسكرى» توجيه رسائل سياسية فى اتجاهات مختلفة.. يطمئن الولايات المتحدة والغرب معها.. ويطمئن قطاعات واسعة من الرأى العام المصرى مع تصاعد نبرة التشدد فى خطاب جماعات سلفية وصلت إلى الدعوة لمنع المرأة من الاختلاط فى العمل وتحريم السياحة بأن مصر لن تمضى تحت أى ظرف فى هذا الطريق.

 

وفى المرة الثانية، بدا «المجلس العسكرى» تحت ضغوط «الإخوان المسلمين» مستعدا للتراجع والنفى وتأجيل الصدام.

 

فى تصريحات «الملا» ظلال للخيارات الأخيرة التى قد يتبناها العسكرى، وتداعياتها ونتائجها قد تعصف بأحلام التحول الديمقراطى. والمسئولية هنا أمام حساب التاريخ مشتركة بين المجلس العسكرى ومكتب الإرشاد. فللقوة حدودها وللسلطة قواعدها، والتصرفات المنفلتة تقابلها تصرفات منفلتة من نوع آخر. وفى تصريحات «شاهين» كلام للاستهلاك الموقوت فى مناورات القوى.. إنه إذن الصدام المؤجل.. ولعبة الشد والجذب بين المجلس العسكرى ومكتب الإرشاد ترهن المصائر المصرية للمجهول، وقد تنتهى بصفقة شراكة سلطة، للعسكرى رئاسة الدولة من بين أعضائه، أو شخص مدنى يرشحه، وللإخوانى رئاسة الحكومة.. والإخوان مستعدون تماما لعقد مثل هذه الصفقة. إنه إذن منطق الصفقات لاقتسام السلطة على حساب الثورة، بديلا عن الصدام، فـ«الجنرال» يدرك أن العصر لا يسمح بالحكم العسكرى المباشر، ولا طبيعة ثورة يناير المدنية تسمح بهذا الخيار، والإخوانى لا يدرك بما يكفى أن العصر وحقائقه ووسائله تجعل من فكرة الدولة الدينية أو التفكير فى احتكار السلطة أقرب إلى الأوهام عندما تستغرق أصحابها.

 

والمثير أن كلا الطرفين له اتصالاته مع الإدارة الأمريكية، التى ترقب وتتابع وتحاور وتعقد تفاهمات تمتد عبر بوابات سرية إلى مستقبل المعاهدة المصرية الإسرائيلية.

 

العسكريون يديرون التفاهمات مع البنتاجون، والإدارة الأمريكية مباشرة.. والإخوان يديرون تفاهمات مماثلة لكن بطرق أخرى ولأهداف مختلفة. إنها السياسة لا الدين إذن.

 

وإذا كانت الاعتبارات العملية هى التى تحكم سياسات الجماعة عند لحظة تحول فى طبيعة نظام الحكم، فإن السؤال هنا: ماذا يريد الإخوان بالضبط؟!. صاغوا وثيقة للمبادئ الدستورية، وقع الأستاذ «سعد الكتاتنى» بنفسه عليها باسم التحالف الديمقراطى الذى يقوده حزب «الحرية والعدالة»، قبل أن يتراجعوا عنها. وهذه الوثيقة بكامل نصوصها نقلت إلى «وثيقة السلمى» باستثناء إقحام المادتين التاسعة والعاشرة عليها.. ومع ذلك دعا الإخوان إلى تظاهرة فى التحرير اعتبرت وثيقة «السلمى» عدوانا على صلاحيات مجلس الشعب فى وضع الدستور، وكان يكفى الاعتراض على المادتين المقحمتين، والتى لا يوافق عليهما أحد يطلب الدولة الديمقراطية وألا تكون هناك مؤسسة فوق الدولة، ولكن الاعتراض تمدد إلى الفكرة ذاتها، فكرة التوافق الوطنى على المبادئ الأساسية للدستور.. وشارك الإخوان فى الإعداد للمجلس الاستشارى، ولم يتخلفوا عن اجتماعاته التمهيدية وصياغة صلاحياته، قبل أن ينسحبوا منه بسبب تصريحات اللواء «الملا».. وهى لا جديد فيها، رغم الإثارة التى صاحبتها، بسبب عدم تمكن اللواء من إحكام صياغاته عند عرض قضيته.. فالجماعة الوطنية، باختلاف أطيافها الإسلامية واليسارية والليبرالية، متفقة على أن الدستور لا يصح أن تصنعه الأغلبية بمفردها.. وقد جرت مشاورات واسعة، لذات الهدف وعلى أساس هذا الاتفاق، شهدت بعض الاحتقان وبعض التفاهم، حول معايير اختيار الهيئة التأسيسية، وتقدم ممثلو الإخوان باقتراحات محددة ومكتوبة فى اجتماعات رسمية مع نائب رئيس الوزراء السابق «على السلمى».

 

فى المرة الأولى وافقوا على «تحصين الدولة بكل مقوماتها المدنية والديمقراطية» فى نص ممهور بتوقيعهم على المبادئ الأساسية للدستور، ولكنهم رغم ذلك رفضوا أن يكون ما تعهدوا به ملزما، ثم تراجعوا كاملا عن مثل هذه التعهدات الموقعة.. إنه غرور القوة الذى قد يودى بصاحبه.. وفى المرة الثانية، شاركوا فى الجلسات التمهيدية للمجلس الاستشارى ثم انسحبوا منه عندما تعارضت صلاحياته ومهامه مع تصورات مستجدة أغرت بها نتائج الجولة الأولى من الانتخابات ذهبت إلى أننا بصدد «دولة الإخوان المسلمين»، لا دولة مدنية ديمقراطية قد يحكمها الإخوان لفترة دستوردية محددة قبل الاحتكام لصناديق الاقتراع مرة أخرى.. وهى تصورات تختلط فيها الحقائق بالأوهام بصورة قد يدفع الإخوان، وندفع معهم، ويدفع البلد كله، أثمانا باهظة لسوء تقدير الموقف وتعقيداته الداخلية والإقليمية والدولية. ويلفت النظر هنا إلى أن الإخوان أبدوا استعدادا سريعا للعودة للمجلس الاستشارى فى أعقاب تصريحات اللواء «شاهين»، التى ناقضت تصريحات زميله فى المجلس العسكرى اللواء «الملا»، فطالما المجلس الاستشارى أقرب إلى التشريفات وجلسات العلاقات العامة، ومنزوع الصلاحية، فإن العودة إليه ممكنة.. وفى حقيقة الأمر إن المجلس الاستشارى كان يمكنه فى ظروف مختلفة أن يمثل قناة تفاهم وتوافق وطنى بين ثلاث قوى متعارضة: العسكرى والإسلاميون والقوى المدنية، ونزوع القوى الأخيرة إلى الاعتذار عن المشاركة فيه يعود إلى عدم الثقة فى تعهدات العسكرى، ونزوع الإسلاميين إلى المبالغة فى المناورة السياسية أفقد مواقفهم صدقيتها، وجعل هذه المواقف تبدو متحركة كبندول ساعة قديمة على حائط يوشك أن يتهدم.. واتجاه العسكرى إلى اتخاذ قرار «الاستشارى» الآن ينطوى على تصور أن الاستعانة بشخصيات سياسية يسارية وليبرالية لها قيمتها ووزنها قد يوفر غطاء مدنيا لإجراءات خشنة، وهو ما تخشاه تلك الشخصيات وتتحسب من نتائجها. ومن المجدى الآن ــ لتفكيك الاحتقانات المزمنة وتجنب المتاهات الطويلة ــ الاحتكام فى مسألة الدستور إلى الشعب مباشرة فى استفتاء عام على المبادئ الأساسية للدستور وقواعد اختيار الهيئة التأسيسية، وهذا اقتراح ممكن تطبيقه فى ذات الجدول الزمنى المعتمد، لا يجور على الإرادة الشعبية، ويقصر دور البرلمان على مهامه الطبيعة التى سوف يحددها بدقة الدستور الجديد. وهو اقتراح يتجاوز تعقيدات «الاستشارى» وألغامه، ويتجاوز فى الوقت ذاته المساجلات القانونية بين القوى السياسية الليبرالية والإسلامية، ويضع الأطراف جميعها عند نقطة انطلاق مختلفة قبل العصف نهائيا بالثورة والغدر بأحلامها.