الأحد 24 سبتمبر 2017 12:22 م القاهرة القاهرة 28°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

عزيزي الأستاذ أشرف

نشر فى : الخميس 12 ديسمبر 2013 - 7:45 م | آخر تحديث : الخميس 12 ديسمبر 2013 - 7:45 م

سأحكي لكم حكاية حقيقية قد تبدو سخيفة إلا أنه يمكن اعتبارها "هاش تاج" ضخمًا مُعبّرًا عن المحروسة.

بطلة الحكاية تُدعى "مَبْقوقة"، مبقوقة هي فتاة مكافحة دخلت هندسة لأسباب تتعلق باستخسار مجموع، وعانت الأمرين نتاج ذلك، ووصلت لمرحلة "مشروع التخرج" وهو اصطلاح يعبر عن متلازمة كراهية الحياة بصفة عامة.. جالها كمان دور برد سخيف جدًّا، فوصل السخط لمراحل غير متوقعة تمامًا.

دور البرد طوّل وابتدى يبقى مؤلم، لم تعد قادرة على استكمال أي شيء، كانت تشعر بحسرة على مجهود الترم اللي راح، وهي تعلم ضمنيًّا أنها لو جابت شهادة الوفاة شخصيًّا، لن تكون مبررًا كافيًّا لتأجيل التسليم.

في خلال كام يوم أصبح تسليم المشروع أصغر مشاكل مبقوقة، دور البرد تحول لشيء جحيمي غير مفهوم، لم تعد قادرة على النوم أو الصحيان أو التنفس بالمرة.

مر أسبوع على منوال واحد: تُؤخذ مبقوقة لاستقبال المستشفيات القريبة ليلًا عندما تتدهور الحالة، والتشخيص في كل مرة "هيهيهيهييي بنتكو بتدلع ده ضغطها واطي شوية" ويكتبولها أدوية برد، ثم: "هيهيهيهيييي بنتكو بتدلع دي جسمها ضعيف حبة" ويكتبولها فيتامينات.

اختُتم الأسبوع بإصابتها بتشنجات سببت حالة من الذعر في بيت مبقوقة، اكتشفت لاحقًا أن سببها زيادة شنيعة في معدل ضربات القلب مع زيادة السخونية، تم طلب الإسعاف لينقلها لأقرب مستشفى، أيوة الإسعاف.. الموضوع كِبر فجأة.

كل المشاهد مُماهة ومتتالية.. كل محاولات الاستيعاب عبثية تمامًا.. هل هي بالفعل ممددة على سرير بلاستيك يجره أحدهم بهيستيرية أم أن هذا مجرد كابوس؟! كانت لسه بتشتغل والله في المشروع، وكان فاضل لها حاجة بسيطة! يعني حبكت الكوابيس دلوقتي؟ لا يمكنها الصراخ، في الكوابيس الصوت ما بيطلعش.

قطار؟ انقلب بها قطار مُسرع أثناء جلوسها إلى جانب الشباك مثًلًا؟ ثم قرر كل شيء أن يركض خلف بعضه فوقها بدلًا من أن يفعل ذلك إلى جانبها.. هل هذا مبرر كافٍ لكل هذه السرعة، وكل هذا الذعر؟! وحدات الإضاءة تركض أيضًا وتتلاقى في نقاط بعيدة.. حلم؟!

الأكيد أن الأمر متعلق بفقدان تام للسيطرة في صورة غير مفهومة.. آخرون يحملونك من هنا لهناك دون أي دور لك في ذلك.. ربما هذا هو التعريف العملي لمصطلح أن تكون "فاسوخة".

المهم، التشخيص المرة دي: "تشنجات.. هانحوّلك على أخصائي مخ وأعصاب بكرة"، برغم أن الشكوى لا تزال واضحة: مش عارفة أتنفس.. أشعة المخ سليمة تمامًا، وتم كع الـ400 جنيه وإطلاق سراحها بنجاح..

يومين كمان وتعبت أكتر.. "هيهيهيهييي البنت كويسة عايزين تعملوا أشعة صدر ليه فلوسكو كتشير؟!"

بعد صراخ وإصرار على عمل أشعة صدر، وعدم الاكتفاء بتشخيص الضغط الواطي، يتضح وجود مشكلة، بعد رسم القلب تمتقع الوجوه، ويتم حجزها أخيرًا.

ألف ألف مبروك والله..
أخيرًا حجزتوها؟ لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة والمصحف، هل هناك ميثاق سري متعلق بعدم حجز الحالات قبل تمام الوفاة ولّا حاجة؟ أنا قلت هاتستنوا لما تموت وتتحول لزومبي ثم تعود لتنتقم... يا أشقيا! نوووتي دوكتورز.

تم حجز مبقوقة في عنبر مكون من 5 أشخاص، وبعد أول ليلة في الحجز كانت شبه فاقدة للوعي.. كل شيء تقريبًا خارج الستارة المحيطة بسريرها تحوّل لخيالات راقصة، كانت تتابع الخيالات قدر استطاعتها دون القدرة على شرح ذلك.

تسمع صوت أختها تقول بذعر "دي مش حاسة بينا خالص"، ورد الدكتورعليها "ضغطها 70 على 40 ومش عارفين نرفعه، هننقلها العناية"..

تستفيق فجأة لتجد نفسها واقفة كمولود بين يدي سيّدة أربعينية.. تشخص مبقوقة ببصرها في ذهول.." كان لازم نحمّيكي حرارتك ما بتنزلش" مع ابتسامة مصطنعة وانهماك في التشطيف.. ومبقوقة غير قادرة على الاستيعاب، فين الخيالات اللي كانت بترقص؟ أنا واقفة عريانة قدامِك ليه؟ هو إحنا في حمام التلات؟ أنا هتجوّز؟ من أنتم؟!

يتم وضعها بغرفة في العناية المتوسطة، هناك معلومة هامة لها علاقة بحمّام هذه العناية: لو ماموتّش بالمرض اللي عندك غالبًا هتموت مقروف.

تم سحب كمية هائلة من الدم من ذراعيها لدرجة أن مبقوقة شكت: انتو بتشربوه ولا بتحللوه؟! ثم علمت ضمنيًّا أنها مسؤولة عن عمل كل التحاليل المطلوبة، والغير مطلوبة، وبتاعت الجيران كمان، أصلها مستشفى استثماري، ولازم المعمل يسد مرتبات الموظفين..

لم يستطع أحدهم أن يتوصل عندها إيه بردو.. ابتدأت في سلسلة من مشاكل الإخراج، وقرروا إعطاءها مدرًّا للبول.

لم يكن في الغرفة وسيلة لنداء المخاليق اللي برة في حالة حدوث أي مشكلة خارج إطار زياراتهم الدورية.. الزرار اللي بينده ع الممرضة في الأفلام ده خيال شُعرا ملهوش أثر - على رأي جاهين -تم تركيب كانيولا بمحاليل في الرقبة، مما يعني أن مبقوقة لن تستطيع مغادرة السرير دون مساعدة أحدهم.

قرروا تزويد جرعة مدر البول عشان تعمل تأثير، وفجأة حصل هرج ومرج وجاء مشرف التمريض الذي ينادونه باسم "أوستاز أشرف" ليغلق عليها الباب بسرعة، قرر أن يفعل ذلك تقريبًا حتى لا تشاهد مناظر الدم، أو كانت مجرد غباوة غير مُبررة يعني!

بدأ مدر البول يؤتي ثماره، وأصبحت مبقوقة مزنوقة، وفي عرض أي مساعدة حتى تنجو من هالة الأسلاك وتصل إلى الحمام المقرف سريعًا.. الباب الذي تم غلقه حديدي وهي تتنفس بواسطة جهاز أصلًا ..مفيش نَفَس.. مفيش حيل.. اضطرارها لأن تتخلص من البول في مكانها كان أكثر إهانة من المُحتمل، حاولت أن تنادي بكل ما أوتيت من قوة:

"لو سمحتو..
حد يرد عليا..
حد سامعني؟!"

ومحدش بيرد..
حاوِل أن تتخيل المجهود المؤلم اللازم لذلك، بالنسبة لشخص لا يستطيع التنفس، الأسوأ: حاول أن تتخيل أن تكون المشكلة في انهيار فجائي في مؤشراتها مثلًا.. كان هيحصل إيه؟

بدأت في محاولات فك نفسها بنفسها.. فك الأسلاك الموصِّلة بجهاز قياس النبض سهل .. إزالة عصّارة الأذرع المخصصة لقياس الضغط سهل بردو.. جهاز التنفس اتشال.. فاضل الكانيولا.. تدربت على إزالة المُلحقة باليد مُسبقًا، لم تكن تتخيل أن المُلحقة بالرقبة مأساوية بالشكل ده!

أزالتها بغُشم وانطلقت نافورة الدم، وابتدت تترعش وتترعب وتحس أنها عملت كارثة.. تسمرت في مكانها لدقيقة، كانت كافية حتى يغرق السرير بالكامل.. وصلت للباب بأعجوبة، وهي تصرخ: "حد يرد عليا".

أحد دكاترة النبطشية نظر لها ببرود ومشي! أصلها ماكنتش تبعه، مش ناقصين وجع دماغ..

وصلت ممرضة ما وذُعرت من المشهد.. ثم وصل أوستاز أشرف اللي كان لابس جوانتي ملوث كان شغال بيه ع الحالة اللي في الأوضة التانية، قفلّها الدم بجوانتيه، تأسف لها بشدة وأوصلها للحمام المقرف وانتظرها ليعيدها بنفسه، وقالّها: هنجيلك فورًا نغيّر الفرش..

مرت ثلث ساعة دون أن يأتي أحد، عشرون دقيقة بالكمال والتمام، يمكنك أن تعذب نفسك بسادية عد الثواني واحِدة واحِدة في أثناء تخيل مشهد سريالي لك وأنت غارق في الدم حتى تستوعب الموقف... أشياء كثيرة مرت في بال مبقوقة وهي جالسة وسط الدم في وهن، أشياء كثيرة تحدث منذ عدة أيام تبدو كـ "لوكشة" من الأحلام المزعجة.

تحوّل الألم لثورة غضب، أصبحت مبقوقة مبقوقة بالفعل.. أصرت إنها عايزة موبايل، وإنها مش هتسكت، حاولوا تهدئتها بكل السبل وأوستاز أشرف - اللي كان غالبًا هيروح في داهية - استطاع تفريغ نفسه مدة ربع ساعة كاملة ليعتذر ويحلف إنه مسمعهاش..

أوستاز أشرف لم يكن شريرًا، كان شنبه كبيرًا جدًا، وعينيه مدمعة ولم يكن يفتعل الندم..

لم تكن مبقوقة قادرة على استكمال غضبها، الغضب مُرهق.. قررت أن تنسى هذه الليلة المأساوية ولا تتحدث عنها ثانيةً للأبد.

خرجت مبقوقة من المستشفى في غضون كام يوم بعد تحسن الحالة ودون أن تعرف التشخيص! عرفت من دكتور برة إن دور البرد أدى لحدوث التهاب في عضلة القلب.. حالة نادرة، ومستشفى بحالها باستشاريينها، بسلطاتها، ببابا غنوجها، مقدرتش تعرفها..

ينهار جسد مبقوقة من جديد في أقل من شهر ويتم حجزها في مستشفى آخر، عينيها صفرا لمونة وتعبانة جدًّا..

يُكتشف أنها مصابة بفيروس سي، وأنه "آكيوت"، بمعنى إنه حاد ولا يكون كذلك أبدًا سوى في حالة انتقال العدوى خلال شهر.. حصل إيه الشهر اللي فات؟ رحنا دكتور السنان فاتعدينا من عنده؟ طب اختلطنا بأدوات أي حد عيان؟ امممم.. أوستاز أشرف.. جوانتي أوستاز أشرف.

على فكرة مبقوقة اتخرجت بسلام، واشتغلت وحاولت تتعالج، وفشلت، ونجحت في أشياء أخرى، وفي النهاية حبّت واتحبّت، وإن شاء الله كده على وش جواز..

لم يعرف أوستاز أشرف أنه دمّر ثلاث سنوات كاملة من حياتها، وحوالي 25% من عمرها الباقي ستقضيها في قلق من كابوس أنها ناقلة للعدوى.. هذا بالإضافة لأن مبقوقة أصبحت مبقوقة بالفعل طوال الوقت، لا تملك لا طاقة ولا خُلقًا لأي شيء، خاصة لمشاكلها الصحية الغير قابلة للانتهاء..

تغيّرت مبقوقة بعد هذه الحادثة للأبد، إلا أنها ممتنة للسماء على مساعدتها في تقبل السخط من وقت لآخر.

فكَّرَت كثيرًا أن تمر على المستشفى إياها في يوم من الأيام وتبحث عن "أوستاز أشرف" وهي واثقة تمامًا أنه لن يتذكرها، كانت تملك رغبة ساذجة في أن تقص عليه هذه الحكاية، وأن تشاهد شنبه وهو بيكبر أكتر ويبلعنا كلنا..

لم تكن الثورة قد قامت، لم يكن يتخيل أحد أن مقاضاة المستشفى سيترتب عليها أي شيء، إن شالله تكاليف العلاج! عمومًا حتى بعد الثورة من المستحيل إثبات أي حاجة في قضية زي دي على أرض المحروسة، بس على الأقل الناس بقى عندها الجرأة تتكلم.

عزيزي أوستاز أشرف:
من فضلك، ابقى اقلع الجوانتي قبل ما تلمس أي عيان تاني بعد كدة.. ماتقفلش الباب على حد إلا لو عنده وسيلة يندهلك.. ما تكتفيش بالأسف لو عملت عملة سودا زي دي...

وبصفة عامة: قم بعمل دائرة مُكوّنة من كل الذين تهمك صورتك في أعينهم وسميها "دايرة الخزي"، قف في وسطها، واحكِ كل ما ارتكبته بالتفصيل.. وراقب مزيج نظرات الاحتقار، واللوم، والإشفاق في الأعين لملاك الرحمة اللي نسي الجناحات في البيت..

خليهم يلفّوا حواليك واحد واحد، ويقولولك "شيم أون يو!".

*ملحوظة عابرة: معدل الإصابة السنوي بفيروس سي في مصر حوالي 150 ألف مصاب، 40% منهم عدوى من المستشفيات!

التعليقات