الأربعاء 26 سبتمبر 2018 9:55 ص القاهرة القاهرة 25.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

ترتيبات نقل السلطة .. الملفات الملغمة

نشر فى : الإثنين 13 فبراير 2012 - 9:40 ص | آخر تحديث : الإثنين 13 فبراير 2012 - 9:40 ص

فى خلفية المشهد المصرى المضطرب حقائق قوة تتبدى وترتيبات سلطة تجرى.. وفكرة الدعوة إلى إضراب عام تعبر فى ذاتها عن فجوة ثقة تصل إلى الكراهية بداخلها حدس بأن شيئًا يُطبخ فى غرف مغلقة يفضى إلى إعادة توزيع للسلطة بصورة تهمش الأجيال الجديدة وتغتال روح الثورة وأهدافها.

 

القضية تتجاوز دعوة الإضراب، أو حظها من النجاح والإخفاق، إلى سؤال المستقبل: إلى أين نحن ذاهبون؟

 

ردة الفعل الحادة والمتوترة على دعوات الإضراب شهادة نجاح مؤكدة لرسالتها، حتى لو لم تصادف تلك الدعوات هذه المرة اختراقا كبيرا داخل المجتمع المصري، فالحدة مصحوبة بتوتر دليل على عمق الأزمة، وأنه لم يكن بوسع أحد أن يضمن نتائج الإضراب مسبقا. قد يقال بعده تشفيا: «لقد فشل»، أو أن نجاحه كان رمزيا ومحدودا، ولكن الأجواء التى أحاطته واستبقت تفاعلاته بفتاوى دينية وسياسية تدين وتتهم أصحابه بأبشع النعوت تثبت مدى الفزع الذى انتاب أطرافا متعددة فى السلطة والبرلمان من أن تتعدى نتائجه أية توقعات مسبقة، وأن هذه الأطراف لديها هواجس تسكنها من أن الأرض السياسية التى تقف عليها هشة إلى حد يهدد بانهيار مفاجئ يربك حسابات نقل السلطة، ويدخل البلد كله إلى حسابات جديدة ومعضلات أخرى يصعب توقعها.

 

قبل الإضراب العام برسائله ووقائعه، والأولى فاقت الثانية، أثبت الشباب الغاضب قدرة لافتة على الانضباط التنظيمى بددت المخاوف من أن تُورط حشوده أمام وزارة الدفاع فى تحرشات تؤدى إلى مواجهات.

 

فرض «السلمية» بشعاراته ولافتاته وأعداده الكبيرة التى تدفقت من مناطق متعددة فى توقيت واحد. كان الاعتقاد السائد لدى المجلس العسكرى أن التظاهر أمام وزارة الدفاع هدفه التحرش والوصول إلى صدام، وثبت أن هذا الاعتقاد تصنعه هواجسه أكثر من الحقائق على الأرض، فالشباب انضبط على شعار «السلمية»، وتجاوز بانضباطه محاولات جره إلى انفلاتات أعصاب، وساعدته أعداده الكبيرة على تنفيذ ما خطط وأراد. لم تكن لديه أهداف جديدة أو مطالب مختلفة عن تلك التى تبنتها مسيرات ووقفات سبقت.. الشعارات ذاتها غير أن الوسائل اختلفت. الأجواء تلخصها فجوة كراهية تتسع من يوم لآخر تملؤها مشاعر ثأر لدماء سالت وأعراض انتهكت.

 

فى فورة المشاعر وتفاعلاتها السياسية والإنسانية أخذت تتبلور عند جماعات الشباب قناعات مختلفة فى النظر إلى جماعة الإخوان المسلمين وأدوارها فى لعبة تقاسم السلطة مع العسكرى. اختلفت الصور من العمل معا فى الميدان، والاستعداد سويا للاستشهاد من أجل القضية ذاتها، إلى شكوك وريب فى التوجهات والسياسات، ثم إلى صدامات فى ميدان التحرير رفعت فيها الأحذية وعلت اتهامات متبادلة.

 

فى الميدان وُلد جيل جديد للإخوان المسلمين كانوا جزءا رئيسيا وفعالا من حركة جيل يتطلع إلى بناء وطن مختلف يستحق نظاما سياسيا أفضل وكرامة إنسانية لمواطنيه وعدالة اجتماعية تعيد للمصرى حقوقه المهضومة فى بلده.. ولكن بسوء تقدير سياسى بالغ فصلت قيادة الإخوان المسلمين من عضويتها أفضل رموز جيلها الجديد، ودفعت بآخرين إلى تحرشات بإخوة الثورة فى الميدان ثم أمام مجلس الشعب.

 

أدت صور البرلمان إلى تزكية المخاوف والشكوك، فقد تحولت خلال يومين الاتجاهات الغالبة فيه من إدانة الداخلية والشروع فى اتخاذ الإجراءات لمحاكمة وزيرها بالتقصير الفادح فى مذبحة بورسعيد إلى دفاع مستميت عن الوزير نفسه واتهام المتظاهرين فى محيط وزارة الداخلية بالبلطجة.. وكان ذلك تصريحا مخزيا بالقتل.

 

المثير فى العلاقات الملتبسة والمعقدة بين ائتلافات الشباب وجماعة الإخوان المسلمين أن الأولى تتوجس من الثانية، ولكنها تطلب أن يسند إليها تشكيل حكومة ائتلافية فورا.. لا تشكك فى شرعية صناديق الاقتراع، ولكنها لا ترى شرعية البرلمان بديلا عن شرعية الميدان، والثانية تبدى تحفظا على شرعية الميدان، وترى أن الشرعية الوحيدة الآن شرعية صناديق الاقتراع.

 

هناك فجوة ثقة بين الميدان والبرلمان، ولكن ما بين الميدان وكوبرى القبة فجوة من نوع أخطر وصلت إلى الكراهية.

 

فى الفجوة الأولى التفاهمات مازالت ممكنة، وفى الفجوة الثانية تجاوزت أزماتها أية تصورات لردمها فى مدى منظور.

 

ما بين الجماعة والعسكرى قصة أخرى بلغت التفاهمات فيها حدا باتت الأكثرية البرلمانية قاعدة سلطة للعسكرى تبحث عن تقاسم جوائزها معه.

 

تدرك الجماعة بصورة لافتة حقائق السلطة وتتعاطى معها بواقعية مفرطة، فخبرتها التاريخية فى الصدام مع الجيش دعتها إلى حذر مبالغ فيه لتجنب الصدامات بقدر ما تستطيع. الشباب ليس لديه ما يخسره فى مواجهاته مع العسكرى، أما الجماعة فلديها حسابات أخرى، عندها مواردها المالية الهائلة، ولديها حجمها الكبير الذى يصنع هيبتها، ولكنه يقيد حركتها ويخضعها لمصالح أطراف ضاغطة فيها ترتبط مصائرها الشخصية بمصير الجماعة الأم. لا مغامرة بمصير الجماعة. هذه الفكرة هيمنت على تصرفاتها لعقود طويلة، ومازالت تحكمها حتى الآن.

 

هناك ثلاثة ملفات ملغمة بدرجات مختلفة تطرح نفسها بضروراتها على موائد التفاهمات بين الجماعة والعسكرى.. أولها، وضع المؤسسة العسكرية فى النص الدستورى والتصرف الواقعى معا، الواقع أقوى من النص، فالمؤسسة العسكرية كما يعتقد قادتها لم تحصل على وضعها الخاص بنص دستورى، ولا حصدت السلطة الانتقالية مع ثورة يناير بنص دستورى آخر. والمعنى أن حقائق القوة فى ترتيبات نقل السلطة بنص دستورى أو بغيره سوف تفرض وضعاً خاصا للمؤسسة العسكرية فى الحياة السياسية المصرية لفترة لن تقل تحت أى ظرف عن عشر سنوات، وربما تزيد إلى عشرين سنة، بحسب تقديرات قادة عسكريين. هذه حقائق قوة سلاح ومواريث تاريخ تدركها الجماعة وتعمل على أساسها. ولا يعنى اعتراضها المعلن على دور دستورى للمؤسسة العسكرية يضعها فوق الدولة، وهذا الاعتراض عليه توافق وطنى واسع، أنها سوف تتحدى الاعتبارات الواقعية للمؤسسة العسكرية. والنقطة المركزية فى تلك الاعتبارات تتلخص فى السيطرة الكاملة على أوضاعها الداخلية وحركة الترقيات فيها وفق قواعد تضعها بنفسها.

 

ما كان ممكنا من قبل فى ظل رئيس له خلفية عسكرية بات مرفوضا الآن. الكلام واضح ولا لبس فيه، والجماعة تدرك معناه.. وهو أهم بكثير من كلام آخر متداول عن سبل مراقبة ميزانية القوات المسلحة، المقترح أن تحال هذه النقطة الشائكة إلى مجلس الدفاع الوطنى، الذى يضم إلى جانب قيادات عسكرية شخصيات مدنية من بينهم رئيسا مجلسى الشعب والشورى.

 

ثانى الملفات الملغمة على مائدة التفاهمات: الدستور نفسه. يبدو جليا من تصريحات متواترة لقيادات فى الجماعة أنه جرى حسم خيارات أساسية فى الدستور الجديد، المتوقع الانتهاء منه بأسرع وقت بعد تشكيل الهيئة التأسيسية المنصوص عليها فى الإعلان الدستورى. جرى التوافق على إبقاء نصوص الأبواب الأربعة الأولى من دستور (١٩٧١) فى الدستور الجديد، وهى تتعلق بطبيعة الدولة الحديثة وضمان الحريات العامة فيها، وكان ذلك حلا سياسيا توافق عليه الطرفان. بمعنى آخر أزيح لغم طبيعة الدولة وضمان الحريات العامة من أمام جدل صاخب على حافة بركان.. غير أن هناك لغما آخر فى توافقات الدستور يتعلق بطبيعة نظام الحكم وتقاسم الأدوار بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة فى صيغة مختلطة بين النظامين الرئاسى والبرلمانى يعترض التفاهمات.. وتتوقف الصياغات فى هذه النقطة فائقة الأهمية على شخصية الرئيس التوافقى، فإن جاء التوافق على شخصية عسكرية والإعلان عن ترشحها بتزكيات واسعة من مجلسى الشعب والشورى فى الأيام الأخيرة التى تسبق إغلاق باب الترشح، فإن المتوقع توسيع نطاق صلاحيات الرئيس، إلا أنها سوف تقلص فى حالة التوافق على شخصية مدنية لتقلد المنصب ذاته.

 

وهذا هو الملف الملغم الثالث.

 

ومع التطورات الأخيرة بعد مذبحة بورسعيد دخل على خط التفاهمات كلام جديد عن حكومة ائتلافية لها سند فى البرلمان، وهو اقتراح دعا إليه كثيرون، ووجد فيه الشباب الغاضب حلا لأزمة الثقة فى العسكرى. أبدى حماسا للاقتراح رغم هواجسه فى مدى التزام الجماعة بقضاياه ومطالبه، والجماعة التقطت فرصة جديدة أمامها. أعلنت استعدادها لتشكيل هذه الحكومة إذا توافق الشعب على طلبها، وهو تطور ينسخ عمليا طلبا سابقا للجماعة بإدخال تعديل محدود على حكومة الجنزورى فى حدود خمسة مقاعد وزارية تتولاها. بدت لافتة بنصوصها وتوقيتها مداخلات «خيرت الشاطر» رجل الجماعة القوى مؤيدا اقتراح الحكومة الائتلافية، فهو محاورها الرئيسى مع المجلس العسكرى، وخيوط الجماعة كلها عنده. العسكريون الذين التقوه يصفونه بأنه «رجل مرتب فى تفكيره ويعرف أهدافه».

 

ولكن العسكرى يمانع فى اقتراح الحكومة الائتلافية، فهو لا يريد أن يقال إنه سلم الحكومة للجماعة قبل إقرار الدستور وانتخاب رئيس جديد من قواعد التوافق عليه ألا يكون إسلاميا.

 

لا يريد العسكرى أن يفرط فى ورقة سلطة واحدة قبل أن يرتب أدواره ومصالحه فى حسابات المستقبل. الشباب يضغط والعسكرى يمانع، والجماعة أيدت العسكرى ضد الإضراب العام، ولكنها تحاول أن توظف رسائله لحصد دور سياسى وتنفيذى أكبر.

 

وفى ترتيبات نقل السلطة عند حافة بركان تتبدى أزمة تتصاعد نبرتها بما يفوق حقيقتها بين المجلس العسكرى والإدارة الأمريكية. لعل السبب الجوهرى فى إثارة الأزمة وتصعيدها فى هذا التوقيت مع الإدارة الأمريكية يرتبط بتفاهمات نقل السلطة، فالإدارة الأمريكية لها تقديرات تتناقض فى بعض تفاصيلها الحساسة مع المجلس العسكرى فيما يتعلق تحديدا بالدور المستقبلى للمؤسسة العسكرية. هناك شكوك تولدت لدى العسكرى من أن بعض ما يجرى من حوارات بين بعض الأطراف المصرية والإدارة الأمريكية لا تنقل إليه لا من هذه الأطراف ولا من تلك الإدارة.

 

الأزمة من هذه الزاوية تحمل رسائل سياسية تتعدى ظاهرها القانونى. ولا يعنى ذلك أن العلاقات المصرية الأمريكية فى أزمة كبرى، ولكنها لعبة شد وجذب حول حجم الأدوار فى ترتيبات نقل السلطة.