الجمعة 24 فبراير 2017 10:18 م القاهرة القاهرة 17°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في حالة استفتاء الشعب على ضم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بم ستصوت؟

تأملات فيما حدث على سلم دار القضاء

نشر فى : الخميس 13 مارس 2014 - 5:50 ص | آخر تحديث : الخميس 13 مارس 2014 - 2:46 م

الكثيرون منكم شاهدوا الفيديو، فقد «شُيِّر» حتى كتابة هذه السطور واحد وثلاثون ألف مرة، وما زال فى ازدياد. فَلَكُم، ولمن لم يره، أريد أن أحكى قصة ما حدث. ليست شكوى، هى محاولة لرسم أبعاد الحكاية وما تعنيه. وهى أيضا تحية وعرفان، فالرسائل التى وصلتنى عبر الوسائل المختلفة كانت من الكثرة بحيث تجاوزت قدرتى على الرد عليها، وحتى الرسائل اللى رديت عليها ــ كنت عايزة أقول كلام أكتر كتير.

الفيديو ــ لمن لم يشاهده ــ مصوَّر على سلم دار القضاء العالى ويرصد ست دقائق من مشهد هجوم لفظى باذخ يقوم به مواطنون شريفون ضد مجموعة من الناس كنت أنا منهم. والعنوان الذى نزل به الفيديو يخصنى بالذكر، لكن الحقيقة اننى لم تكن لى أى صفة خاصة أو مميزة فى المجموعة. والحكاية أننا، أسرة المواطن السجين علاء عبدالفتاح، قررنا أن نسجل مرور مائة يوم (صاروا الآن مائة وخمسة) على حبس علاء على ذمة التحقيق فى قضية التظاهر أمام مجلس الشورى فى ٢٦ نوفمبر الماضى، فقررنا أن نتقدم بطلب إطلاق سراحه لينتظر المحاكمة (التى لم تحدد لها دائرة أو جلسة بعد) فى بيته، وبشكوى فى أن النيابة لم تحرك ساكنا للتحقيق فى البلاغات التى تقدمت بها السيدة منال بهى الدين حسن، زوجة علاء، فى انتهاكات الشرطة لبيتها وجسدها وجسد زوجها وممتلكاتهما الخاصة وسكينة واطمئنان جيرانهما أثناء القبض على علاء. وقررنا أننا ــ أثناء رفع المحامين لهذه البلاغات الرسمية داخل دار القضاء ــ سوف نقف فى الخارج، على السلم، رافعين اللافتات التى تطالب بالحرية لعلاء ولأحمد عبدالرحمن، الشاب الأسوانى الشهم المحبوس على ذمة القضية نفسها. عملنا إيفنت على الفيس بوك فجاءنا عدد من الشباب، ومن الصديقات والأصدقاء أصحاب الأسماء التى ما زالت تحتفظ بمصداقيتها، ليتضامنوا معنا.

دخل المحامون إلى المبنى وبدأت الوقفة، وكان مقررا لها ساعة واحدة: من الثانية عشرة ظهرا إلى الواحدة. وصلتُ متأخرة قليلا واستغربت للمشهد: الأسرة والأصدقاء يقفون باللافتات صامتين، وسيدة شابة تقف بالقرب منهم (منّا بعد أن ضميتُ عليهم) وتزعق وتصرخ بشكل مستمر بعبارات لا علاقة لها بما اتفق عليه ولا بالرسالة التى نريد توصيلها. سألت من حولى، لا أحد يعرفها. يقولون «مهسترة، لا تهتمى بها». الشابة تضع على وجهها نظارة شمس كبيرة جدا، وترتدى حجابا بألوان علم مصر يصل إلى الحافة العليا للنظارة بحيث لا ترى من معالم وجهها سوى شفتين كبيرتين مدهونتين بلون بمبى زاعق لامع. الكاميرات والموبايلات والميكروفونات موجهة إليها وهى تصرخ وتصرخ بشتم نظام الحكم ورجاله وتتوسع بشكل غريب ومتطرف فى هجومها على أى شىء وكل شىء وتزيد وتزيد واحنا واقفين نتفرج عليها زى الشعب اللى معَدّى واللى واقف مشدوه أو متسلى. تشاورنا فى أنها سوف تستفز المشاهدين والمارة ضدنا. وبالفعل كانت هناك سيدة تقف فى مواجهتنا أسفل السلم ضمن الجمهور، أربعينية، مكشوفة ومصففة الشعر، شكلها نخبوى إلى حد ما، ترد عليها وتزعق فيها وتتهمها وتتهمنا بالخيانة: «يا خَوَنة! كنتو فين؟ كنتو فين لما الشهدا ماتوا؟ اللى مش عاجبه مصر يمشى بره مصر!» ويتحول هذا إلى هتاف تردده معها جوقة تقريبا من خمسة رجال يقفون حولها: «اللى مش عاجبه مصر يمشى بره مصر!»

قررنا أن نُسكِت الشابة التى تقف فى صفنا، فالتف حولها بنات وشباب منا يطلبون منها الهدوء ويشرحون أننا لا نريد تصعيدا ولا اشتباكات وان ما تقوله ليس رسالتنا. ظلت تتملص وتحاول الاستمرار فى الزعيق ثم سكتت واختفت وقلنا الحمد لله. يقول البعض إنها دخلت إلى المبنى. الله أعلم. المهم أنها فجأة بعد دقيقتين ظهرت من جديد وهذه المرة كانت إلى جانب السيدة الأربعينية، تشير إلينا وتصرخ «دانتو طلعتوا ٦ أبليس! دانتو طلعتوا خونة! دانا ماكنتش دريانة! يا خونة يا بايعين الوطن! يا ٦ إسرائيل!» وهكذا وهكذا. السيدتان تصرخان والرجال تهتف من حولهما والشباب معانا سِخِن وعايز ينزل يتعامل وإحنا الكبار بنمنعهم ورأس السلم وراءنا امتلأ برتب الأمن. كانت الساعة الثانية عشرة والنصف وقررنا أن ننهى الوقفة تفاديا لاحتمالات الاشتباك وما سيتبعها من ممارسات الداخلية، فطوينا اللافتات وأخذنا نجمعها وننادى على بعض بالرحيل.

وهنا زاد حماس السيدتين والرجال من حولهما وبدأوا يصفقون ع الواحدة ويزحفون نحونا هاتفين «إمشوا! غوروا!» ناس كتير مننا كانت مشيت فعلا، بس الحقيقة أنا حسيت ساعتها إن خطر المشى أكبر من خطر الوقوف، أو على الأقل اننى أقبل خطر الوقوف ولا أقبل خطر المشى فإحنا كده نكون بنمشى مطرودين وهذا لا يصح. الدكتورة عايدة سيف الدولة (مؤسِسة ومديرة النديم لمساندة ضحايا التعذيب) تقف إلى جانب الدرابزين الحديدى الذى يقسم السلم، وكان هذا أقرب موقع للجوقة وقيادتها. سألتها هنعمل إيه؟ قالت «أنا ماحدش يقول لى إمشى وأمشى». قلت عظيم، وأنا كمان. فردنا اللافتات ووقفنا جنب بعض وضم علينا ما تبقى من مجموعتنا؛ اخوات علاء والأصدقاء. أصيبت الجوقة بالإحباط للحظة ثم جددت هجومها بشراسة، وهى الآن ليست فى الشارع وإنما إلى جانبنا على سلم دار القضاء بس على الناحية التانية من الدرابزين. والفيديو ــ الذى بدأتُ به هذا المقال ــ يرصد دقائق من المشهد الذى تلا.

أشرنا للناس فى الشارع بأننا سنظل على وقفتنا، ولكن فى صمت تام. نصف ساعة قضيناها؛ أحيانا نجلس على السلم لنرتاح، ومعظم الوقت واقفين. صامتين. اللافتات التى نرفعها تتحدث بدلا منا: الحرية لأحمد عبدالرحمن، والحرية لعلاء عبدالفتاح. والسيدتان ــ وهما الآن تعملان فى تناغم تام ــ تردحان وتشرشحان وترقصان وتشوحان وتصفقان وتصبعنان. قالوا عنا وعن علاء اننا خونة وعملاء (لأمريكا وإسرائيل وتركيا) ومثليين (ونمارس مع أمريكا وإسرائيل وتركيا) وبعنا دم الشهداء وعملنا ما لم يعمله اليهود اللى إحنا أكثر دناءة منهم. سناء (أخت علاء الصغرى) تقول: «هم هيزهقوا قبلنا، عشان هم مالهمش قضية». كل شوفينية الدنيا، وكل التداخل والالتباس بين ما هو صفة شخصية دينية أو جنسية أوعرقية من ناحية وما هو أفعال أخلاقية أو سياسية من ناحية أخرى. وكله مصاحب بالإشارات والتصفيق والرقص أحيانا، إلى أن أتحفونا بفينالة كبيرة مبهرة، لعلعت فيها الزغاريد، مع هتافات «الجيش والشعب إيد واحدة»، و«السيسى عمكم وحارق دمكم»، و«سيسى يا بطل مصر فى خطر».

ثم اختفوا. فى الواحدة تماما اختفوا.

وقفنا قليلا نتحدث مع الناس ونحكى لهم أسباب وقفتنا، ثم انصرفنا. وفى المساء بدأت المكالمات والرسائل الغاضبة والمتأثرة والمتحدية والأسيفة والمتضامنة فأدركنا أن المشهد قد صُوِّر ونُشِر.

(الرابط:http://www.youtube.com/watch?v=K-vdLN47dhQ)

جاءتنا مئات الرسائل من أنحاء مصر والعالم ــ وهى مستمرة فى الوصول. والحقيقة بعد شوية ابتديت أتساءل طيب أنا ليه مازعلتش على نفسى واتأثرت بالشتيمة وكده؟ ومع التفكير أدركت حقيقتين: أولا اننى كنت وسط مجموعة من أكثر الناس اللى باحترمهم فى الدنيا، فطبعا لم يخطر لى بالمرة أن وصلة «خالتى فرنسا» هذه ممكن ان تنال منهم بأى شكل من الأشكال، وبالتالى، وبما اننى معهم، لم أشعر أنها تنال منى.

ثانيا، أن عندى مناعة ضد هذا النوع من السب من كثرة ما واجهته من اللوبى الصهيونى فى بلاد الغرب. ووجهت بالشتم لأول مرة حين كتبت فى الجارديان البريطانية عن فلسطين فى ديسمبر ٢٠٠٠، فانهالت الخطابات من الصهاينة على الجريدة تتهمنى بالنازية وبأننى جوبلز الجديد وهكذا. وكان هذا أول تعارف بينى وبين دنيا السب على الرأى. وجاء السب الأكثر مباشرة حين أصبح لى موقع على النيت تنزل فيه مقالاتى بعد أن تنزل فى الصحف فأصحى الصبح على مجموعة من الشتائم والمقترحات البذيئة الموجهة لى ولكل امرأة تشاركنى المواطنة العربية. كنت باتأثر، وأسخن وأبرد وقلبى ينقبض وأحيانا أشعر وكأننى تلقيت ضربة طردت الهواء من رئتىّ. ولكن الأمر فقد جدته، وفقد حدته، وحفظت المجموعة المحدودة جدا من التكتيكات وحتى من الألفاظ التى يستخدمها الأفراد و«اللجان» من الصهاينة لمحاولة الترهيب وفرض الصمت.

تعلمت أن التوجه الفاشى لا يعتبر أن لك الحق فى أن يكون لك رأى أو موقف. هو حتى لا يريد من مجموع الناس، فى الحقيقة، أن تشاركه الرأى فعلا؛ هو فقط يريد منها أن تنصاع، تسكت إن أراد منها السكوت، وتُطَبِّل إن أراد منها التطبيل. فإن أصريت على أن يكون لك رأى، وأن تجهر به، فهو لا يناقشك، ولا يحاول إقناعك، يحاول فقط أن يسكتك، وسلاحه هو العنف. العنف حسب موقعه منك، وحسب الإمكانيات المتاحة، وحسب ما يراه مناسبا للموقف والشخصيات.

العنف قد يكون جسديا، كما بالقتل، أو التعذيب (أيوه «التعذيب» حتى إن لم يكن عنفا يحاول انتزاع اعتراف ما) أو الحبس، وقد يكون معنويا، كما بالتشهير، أو عمليا، كما بالحرمان من العمل وسبل أكل العيش، أو لفظيا، كما فى المسرحية التى أقيمت على سلم دار القضاء العالى. فما عشناه ظهيرة الأحد كان مسرحية. لم نعرف مخرجها (أو مخرجتها) ولا مؤلفها (أو مؤلفتها) ولا صاحب (أو صاحبة) فكرتها. رأينا الممثلين، السيدات منهم كن على درجة عالية من المهنية، يتمتعن بأصوات قوية رنانة، وبليونة جسدية، وبجرأة واقتحام، وعاشوا أدوارهم فعلا. الرجال لم يكونوا على نفس المستوى؛ كانوا يخرجون عن الشخصية أحيانا فينشغلوا بسيجارة أو حديث جانبى، وكان حماسهم يتفاوت بين لحظة وأخرى. الإخراج كان مش بطال، وحركة تغيير الموقف ورؤية الحقيقة للسيدة الشابة كانت كويسة وتضفى نوعا من الحراك الديناميكى على الموقف وإن كان يلزمها بعض التدريج لتكون مقنعة. أما النص فكان للأسف رديئا، ومبتذلا ومليان كليشيهات، وسمك لبن تمرهندى كده، ليس له خط واضح غير إن الناس اللى واقفة هناك دى ناس وحشة. ربما لم يكن هناك نص، والمؤلف(ة) فقط أعطى الممثلين التيمة وترك لهم ــ على الطريقة التى يتصورونها حداثية يعنى ــ أن يرتجلوا، وفى الحقيقة ان هذه الاستراتيجية نادرا ما تنجح، والأفضل أن يكون هناك نص صريح يحفظه الممثلون ويتدربون عليه. أما الفكرة نفسها فهى ليست جديدة ولم تضف شيئا لما هو موجود فى التراث المسرحى.

عموما أعتقد أن الفرصة ما زالت موجودة أمام الفريق لتحسين أدائه، فالشواهد تقول إن المناسبة ستتكرر، فالبلد فيها آلاف من الشباب المحبوسين ظلما، وفى غياب أو تأخر العدالة سيضطر أهاليهم ومحبوهم إلى اللجوء لمثل الوقفة التى وقفناها نحن يوم الأحد، رافعين اللافتات، لافتات فى البرية تصر: الحرية لأحمد عبدالرحمن، الحرية لعلاء عبدالفتاح، الحرية لشريف فرج، الحرية لكل شبابنا المعتقلين.

التعليقات