الخميس 14 ديسمبر 2017 4:31 ص القاهرة القاهرة 15°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

٢٠٣٠ (ق م)

نشر فى : الأحد 13 مارس 2016 - 12:50 ص | آخر تحديث : الأحد 13 مارس 2016 - 1:26 ص

 كان من المقرر أن يُنشر هذا المقال الأحد الماضي، ولكني فضلت أن أنتظر حتى أحصل على نسخة «رسمية» من الملف الذي جرى توزيعه يومها. حتى لا يكون الكلام هنا مرسلا أو مجرد انطباعات.

ــــــــــــــــ

هناك «ما غاب»، أو بالأحرى «ما سقط» خلال عامين. هذا با ختصار عنوان ما جرى

في خطابٍ، رغم أجواء الربيع بدا ملبدًا بغيوم «خريفِ غضبٍ» ساداتي، وتحت لافتةٍ تقول لنا أنه «عام الشباب» (!)، توج رئيس الجمهورية صباح الأربعاء ٢٤ فبراير الماضي احتفالا أسمته مانشتات الصحف «إطلاقا لرؤية / استراتيجية مصر ٢٠٣٠».

كثيرون، من داخل المعسكر وخارجه علقوا على الخطاب الذي ساعد ارتجالُه على وضوح الدلالات، فضلا عن «الرؤى والاستراتيجيات».

على مقاعد السادة الوزراء وكبار رجال الدولة كان هناك مغلفٌ فخم، يضم كتابا ضخما (٣٠٣ صفحة)، يحمل عنوانا مستقبليا «رؤية مصر ٢٠٣٠».

إنصافا للحق، فالكتاب الضخم الذي تم توزيعه في الاحتفال الرئاسي يضم بين جنبتيه جهدا بحثيا معتبرا؛ من الأرقام والإحصاءات والجداول يستحق الاحترام. إلا أنه لم يكن بوسع أحد من الراغبين في الاطمئنان إلى أن هذا البلد قد وضع قدميه على الطريق «الصحيح» إلى المستقبل، أن يقرأ ما جاء في «الكتاب» بمعزل عن ما سمع في «الخطاب». كما لم يكن بوسع الذين اقتربوا من ملف بدايات إعداد تلك الرؤية المستقبلية (وكنت واحدا منهم) إلا أن يقارن بين «النسخة الرئاسية» تلك التي جرى توزيعها في الاحتفال (وتخصيص موقع رسمي لها على الانترنت sdsegypt2030.com) وبين النسخ الأولى التي نعرف، والتي كان قد جرى إعدادها في بدايات المشروع بمعرفة عدد من ذوي الشأن (إحداهما موجودة على الموقع الرسمي لوزارة التنمية الإدارية سابقا (انظر الرابط) والأخرى موجودة على موقع وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري (انظر الرابط). والثالثة كان قد جرى عرضها في اجتماع رسمي موسع بقاعة وزارة التخطيط الكبرى مساء السابع عشر من أغسطس ٢٠١٤. وقصة البدايات كان قد حكى جانبا منها (في مقال بجريدة «الشروق» الأحد الماضي) الدكتور أحمد عبدربه، مدرس النظم السياسية المقارنة ومقرر مجموعة العمل التي شاركت في إعداد الجانب «السياسي» من رؤية مصر ٢٠٣٠.

هناك «ما غاب»، أو بالأحرى «ما سقط» خلال عامين.

هذا با ختصار عنوان ما جرى.

في النسخة التي جرى اعتمادها في نهاية المطاف (ليجري توزيعها في الاحتفال «الرئاسي»)، اقتصر الحديث على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وهي الأبعاد التي جرى تقسيمها إلى محاور منها: الطاقة، والبحث العلمي، والعدالة الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والثقافة والبيئة، والتنمية العمرانية. (انظر صفحة ٧)، وغاب للأسف كل ما كان من حديث (يبدو أنه كان مزعجا للبعض) في النسخ السابقة التي خصصت أبوابا / محاور للسياسة الرشيدة وما تتطلبه من «ديموقراطية، وتعددية، وعدالة، ومواطنة، وحقوق إنسان، وسيادة للقانون، وتداول للسلطة ..إلخ. رغم أنه في الرسم التوضيحي ( صفحة ١٣ من النسخة القديمة) كانت «السياسة الرشيدة» هي قاعدة الهرم. والذي ككل قاعدة، إذا غابت، فكل بنيان هش، مصيره الانهيار.

***

أين ذهب الحديث (المفصل) عن: «الديموقراطية، والتعددية، والعدالة، والمواطنة، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، وتداول السلطة» وأين سقط الكلام عن «العدالة الانتقالية»

حديث ما غاب عن النسخة الرئاسية لرؤية مصر ٢٠٣٠ طويل ودال.

في حين تقتصر الإشارة إلى متطلبات «حوكمة» السياسة الداخلية على فقرة واحدة في مقدمة نسخة الاحتفال الرئاسي، تخصص النسخة القديمة (ما قبل الرئاسية) محورا كاملا (ومستقلا) لحديث مطول عن النظام السياسي «المأمول» لمصر المستقبل (٢٠٣٠) ويبدأ بوصفه نصًا (صفحة ٩٨) بأنه «نظام سياسي ديموقراطي يحترم مبادئ حقوق الإنسان، ويقوم على سيادة القانون». قبل أن يتطرق (صفحة ٩٩ وما يليها) إلى الأهداف التفصيلية فيتحدث عن:

١ـ تداول «ديموقراطي» سليم للسلطة.

٢ـ تقوية دور المؤسسات. والعمل على إثراء العمل «المؤسسي» كوسيلة لتنمية الدولة الوطنية.

٣ـ إقامة مجتمع «مدني» حر، يتميز باحترام مبدأ «المواطنة» كضمانة للحكم الرشيد. وقادر على إثراء «التنوع» بداخله.

٤ـ دعم «اللامركزية» وتمكين المجتمع المحلي من صنع واتخاذ القرار.

٥ـ دعم وتمكين الأحزاب السياسية وحريات العمل العام «والحريات السياسية» باعتبارها ضمانة للديموقراطية.

٦ـ تفعيل قدرة النظام السياسي ومؤسساته على التفاعل الإيجابي ومواكبة التطورات العالمية.

٧ـ إنهاء «الاستقطاب» المجتمعي والسياسي، والعمل على «دمج» كل فئات وتيارات المجتمع في العملية السياسية «طالما التزمت بقواعد اللعبة السياسية».

٨ـ مقرطة مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بما يعمل على خلق مجتمع حر «تعددي».

٩ـ تطوير وإصلاح منظومة العدالة.

ثم يضع مؤشرات يمكن بها قياس التقدم على صعيد تحقيق تلك الأهداف، فيجملها في الآتي:

١ـ بحلول عام ٢٠٣٠ يكون هناك أكثر من حالة «تداول» سليم للسلطة بين الرؤساء «المدنيين» المنتخبين شعبيا في إطار القانون والدستور.

٢ـ تقوية ودعم دور البرلمان في التشريع والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.

٣ـ الوصول إلى مرحلة متقدمة من العمل المؤسسي لا ترتبط بالأشخاص، ولكن ترتبط باللوائح والقوانين وخطط العمل وما يقتضيه ذلك من القضاء على ظاهرتي «الواسطة» وتعيين أبناء وأقارب ومعارف العاملين في مؤسسات الدولة. وبإنشاء نظام جديد للتعيين يعتمد على الكفاءة.

٤ـ إقرار وتطبيق قانون جديد للمجتمع المدني والجمعيات الأهلية يحررها من قيود الجهاز التنفيذي. ولا يجعل سلطان عليها سوى للقضاء.

٥ـ التقدم في تصنيف مؤشرات «الحرية والديموقراطية» وفقا للمعايير العالمية.

٦ـ إقرار قانون جديد للنظام الانتخابي، «يضمن» تمثيل الأحزاب والتيارات السياسية المتنوعة في المجتمع.

٧ـ إنشاء آلية «لمكافحة التمييز» بمختلف أشكاله.

٨ـ سن تشريعات للمظاهرات والتجمعات «تلتزم» بنصوص الدستور، وبما ورد في العهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية.

٩ـ إقرار قوانين موحدة لدور العبادة وتمكين الشباب والمرأة وباقي الفئات المهمشة.

.............

هذا باختصار سرد لبعض ما غاب عن النسخة «الرئاسية» الفخمة لرؤية مصر ٢٠٣٠ وهو ـ كما ترون ـ لا يخرج عن كونه حديث عن «الديموقراطية، والتعددية، والعدالة، والمواطنة، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، وتداول السلطة». وهو حديث، أحسب أن في غيابه ـ قصدا أو عفوا ـ لا يليق بنا أن نتحدث عن «المستقبل».

***

يعلمنا التاريخ أن «لجنة السياسات» المباركية كانت منشغلة بمراجعة مؤشرات النمو «المتفائلة»، حين فاجأها الشباب بطرقاته على أبواب «الحرية» وبهتافاته المطالبة «بإسقاط النظام»

أُقدر الجهد الذي قام به المسؤولون في وزارة التخطيط، بداية من الحرص (في البداية) على مشاركة المجتمع المدني في صياغة الرؤية، وليس نهاية بإعداد ذلك الكتاب الضخم (٣٠٣ صفحة)، ومن ثم تسويقه، أو بالأحرى تسويق مفهوم أن في مصر من يعمل على هذا المستقبل.

كما قد أتفهم حرص تكنوقراطي فضل أن يقتصر على الالتزام بالنموذج الأممي؛ سابق التجهيز لرؤية ٢٠٣٠ (مع ملاحظة أن الأمم المتحدة فضلا عن أنها تحرص دوما على التأكيد على أهمية «توطين» النماذج الأممية حسب السياقات والمتطلبات الوطنية، إلا أنها أيضا لم تغفل بعض ما غفلت عنه النسخة النهائية / الرئاسية للرؤية المصرية ـ انظر الرابط).

وقبل ذلك كله، أتفهم أن هناك «ثقافة حاكمة» تبدت بعض ملامحها في الاجتماع الموسع الذي جرى فيه عرض المسودة الأخيرة لتلك الرؤية (أغسطس ٢٠١٤)، حين صدمنا أحد الحاضرين يومها (من أولئك الذين كانت قد جرت مكافأتهم كالعادة بالتعيين في منصب مدني مرموق) بقوله مختصرا الحديث والجهد كله: «نحن لا نحتاج لكل هذه التفاصيل، فلدينا زعيم ملهم، وعلينا فقط أن نخلص في السير وراءه».

أدرك تماما إذن أين تنتهي صلاحيات وقدرة أي مسؤول في بلد تحكمه ثقافة «الرجل الواحد». جربنا ذلك كثيرا لعقود، كما جربَته (ودفعت ثمنه) كل بلدان المنطقة التي تتخبط الآن من المحيط إلى الخليج نتيجة عقود بل قل قرون من الاستبداد وحكم الفرد أيا كانت أو تباينت المسميات؛ أميرا أو سلطانا أو خليفة أو رئيس. وأيا ما كانت الألقاب الفخمة، والقصور الضخمة، وطول السجاجيد الحمراء.

.............

قد أُقدر، وأتفهم .. ولكني لا أستطيع أن أغفل دلالة، بل واتساع «المسافة» بين ما كنّا قد عملنا عليه قبل سنوات من تصورات لمصر «التي نريد»، وما سمعناه في احتفالية «أربعاء الغضب» الشهير ذلك.

***

ويعلمنا التاريخ الأقرب أن «اللافتات» الكبرى لم تنجح أبدا في أن تخفي «حقائق» ما وراءها

عام الشباب، هكذا كانت تقول اللافتات في خلفية المسرح الذي أعد على الطريقة التي كان رجال جمال مبارك أول من استحضرها «رسميًا» قبل سنوات لتسويق صورة جديدة للحزب الوطني «الحاكم» أيامها.

بدا في «اللافتات» إدراكٌ مطلوب لحقائق الزمن. فلا حديث واقعيا عن مستقبل، إلا إذا كان مدركا لحقيقة أن الشباب (شاء من شاء وأبى من أبى) هو الوريث الوحيد وهو المالك الحقيقي لهذا المستقبل. وأحسب أن حلم هذا الشباب الذي كان قد خرج في ٢٥ يناير ٢٠١١ يبحث عن «مصر جديدة» كان واضحا، ومتجسدًا في النسخ الأولى التي كنّا قد عكفنا على إعدادها قبل سنوات. ولكنني أخشى بعد مراجعة "النسخة الرئاسية" الفخمة أن أقول أن الحلم قد اقتصر على «اللافتة».

قد لا أذهب إلى ما ذهب إليه الأستاذ عبدالله السناوي (في حديثه إلى دكتور معتز بالله عبدالفتاح في قناة المحور الخميس الماضي) إلى وصف الخطاب الرئاسي يومها «بالكارثي»، ولكنني، حين أضع «الخطاب»، إلى جانب ما غاب عن «الكتاب» وفي سياق مناسبته (الحديث عن مستقبل هذا البلد ٢٠٣٠) لا يمكن إلا وأن أعتبر أن كثيرا مما سمعنا وقرأنا كان «كاشفا ودالا». وأن الواجب علينا أن نقرأ جيدا هذه الدلالات .. وأن «نقلق».

***

يعلمنا التاريخ الحديث أن «لجنة السياسات» المباركية كانت منشغلة بمراجعة أرقام التنمية ومؤشرات النمو «المتفائلة»، حين فاجأها الشباب؛ صاحب الحق الوحيد في المستقبل بطرقات على أبواب «الحرية» وبهتافات تطالب «بإسقاط النظام».

ويعلمنا التاريخ الأقرب أن «اللافتات» الكبرى لم تنجح أبدا في أن تخفي «حقائق» ما وراءها. فالقذافي صاحب «النهر العظيم» انتهى في حفرة. ولم يكن مصير صاحب «القادسية» الزعيم المفدى صدام حسين مختلفا كثيرًا.

***

يبقى على الهامش، أو ربما في القلب من ذلك كله، ما ذكرنا به الدكتور أحمد عبدربه في شهادته المهمة كمقرر للمجموعة التي كانت قد عملت على المحور السياسي (الشروق: ٦ مارس ٢٠١٦) من حقيقة أن واحدا ممن شاركوا في إعداد «رؤية مصر ٢٠٣٠» (الباحث الخلوق هشام جعفر) يقبع في سجن العقرب منذ ما يقرب من (١٥٠ يوما) دون قرار اتهام. وهي ملحوظة دالة على طريق نسير فيه، وعلى ملامح ٢٠٣٠ التي يسيرون بِنَا إليها، لا تقل دلالة عن ما سمعنا يوم الأربعاء الشهير.

***

وبعد ..

نعرف أن العلماء والمؤرخين لم يتفقوا كل الاتفاق على من هو فرعون موسى. ولا في أي ألف قبل الميلاد عاش. فهل صادف أن كان ذلك في العام ٢٠٣٠ (ق م) لا نعلم. ولكننا قرأنا في أي الذكر الحكيم قولته المشهورة: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ غافر ٢٩

نسأل الله وحده الهداية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

ـ «رؤية مصر ٢٠٣٠» ـ النسخة الأولى أغسطس ٢٠١٤

ـ «رؤية مصر ٢٠٣٠» ـ نسخة الحفل الرئاسي فبراير ٢٠١٦

ـ خطاب الرئيس في احتفال إطلاق «رؤية مصر ٢٠٣٠» ـ ٢٤ فبراير ٢٠١٦

ـ عن الثقافة الحاكمة

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات