الأربعاء 17 أكتوبر 2018 3:09 م القاهرة القاهرة 29.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع عودة رحلات الطيران الروسي إلى مطاري شرم الشيخ والغردقة قريباً؟

أبكى من ذكرى حبيب ومنزل... ولغة

نشر فى : الأربعاء 13 يونيو 2018 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 13 يونيو 2018 - 9:20 م

معقدة هى لغتى الأم، تماما كما هو معقد حبى لها. لا شىء سهل فى علاقة معها ولا فى استخدامى لها، رغم ارتباط وثيق لا أقوى على فكه حتى حين يكاد أن يخنقنى. أنا أسعى دوما إلى تبسيط علاقتى مع اللغة رغم تعقيدها، وأحاول أن أتصالح مع زواياها الحادة رغم قسوتها. أغار على اللغة العربية من عبث المخربين بها وأغضب من استهتارهم تجاهها. لا أفهم بأى شكل محاولة تدميرها الدائم على يد أولادها. أيدمر أحدنا أمه؟ أم أننا نسعى إلى قتلها علنا نتحرر من قيود السياسة والثقافة والقهر المصاحب لكل شىء عربى؟
***
فى منطقة مخاضها عسير ولا ينتهى، فى بلاد تُشعر أبناءها دوما أنها على وشك أن تطبق على أنفاسهم، فى دوائر لم تتصالح مع التاريخ ولم تتقبل التغيير، يصبح من الصعب الحفاظ على الحب، لاسيما واللغة، كأى لغة، لصيقة بالثقافة ومكرسة لها. حبك ثقيل على قلبى يا لغتى رغم أن لا كلمات ترطب قلبى سوى بك، ولا كلام يأخذ عقلى سوى معك، ولا تعبير عن قهرى إلا من خلالك.
***
أحزن فعلا لتشويه اللغة واحتقار الكثيرين لها حتى أن تعلمها لم يعد أصلا أولوية لهم، بل واندست كلمات دخيلة على جملنا وتموضعت مكان سابقاتها فصار استخدام الأجنبى مقبولا إن لم يصبح أصلا مفضلا. أحزن أكثر حين يكون عدم استخدام اللغة ناتجا عن قرار: لا نريد الانتماء.
للأمانة، ليس بيدى الكثير من الحجج لإقناع من قرر التنازل عن لغة الأم بأن يعود عن قراره. فالجمال والغنى والشعر والأدب والتاريخ والغزل والمعلقات ومحمود درويش... آه يا محمود، كلها أسباب تكاد أن تختفى أمام القهر والذل والقمع والتأخير والآمال المحطمة والأحلام المؤجلة. فها هى صديقتى المترجمة والمثقفة تفند لى سبب عدم تعليمها للغة العربية، لغتها الأم، إلى ابنها فتقول إنها نفسها غير متصالحة مع حاضرها وواقع بلدها، لا ترى نفسها فى مجتمعها ولا تتفق مع الكثير من أخلاقياته. فلا هى تتفق مع ما تراه أصبح رثاء قديما، ولا تجارى النفاق فتدعى التزامها بقواعد لم تعد أصلا موجودة. تسألنى عن تداخل اللغة بالفكر والعقلية، وعن سبب التمسك بلغة لم تعد هى، أى صديقتى، متمسكة بما تمثل اليوم: مجتمعات متخبطة فى بلاد تعانى من أمراض كثيرة. تستفيض صديقتى بشرح عدم اقتناعها بأخلاقيات المجتمع من حولها، فترى بالتالى أن من واجبها أن تحمى ابنها من عقلية تراها منافقة وخداعة تستخدم الكلام بدل الفعل والكلمات بدل العمل.
***
وها أنا كعاشقة متيمة بحب لا تفسير منطقيا له، أدافع عن لغتى الأم فأحاول إقناع صديقتى بالتغاضى عما تراه من حولها والتركيز على الكلمات، الموسيقى، القدود الحلبية وبيوت شعر المعلقات. هل من لغة باستطاعتها أن تحب وتهين، أن تفرح وأن ترثى، أن تطير بى وأن تدفننى حية كما تفعل اللغة العربية؟ لا أظن. تتلاعب بأحلامى وترفرف بى فى سماء كتب أحدهم على ألوان غروبها كلمات حب. تطبطب على طفولتى فأسمع أمى تغنى لى برفق حتى أنام. أنا طفلة تمد يدها للقمر فتسقط نقطتا حرف القاف فى كفها. أنا امرأة تحب رجلا يبدأ اسمه بحرف الخاء فترانى أتكور فى بطن الحرف تحت قلبه. أنا أم حفر الحب فى قلبها وجوه أطفالها الثلاثة واختلطت أسماؤهم بنداء محمود درويش حين قال «هرمت، فردى نجوم الطفولة حتى أشارك صغار العصافير درب الرجوع... لعش انتظارك».
لا أفهم ولا أقبل ازدراء اللغة العربية وتتويج غيرها، لا مصالحة فى قلبى مع من باعها استسهالا أو اعتراضا أو استكبارا، ولا أنبهر ممن يبدى لغات مكتسبة على لغة الأم. جذرية أنا فى حبى وحكمى، صارمة فى موقفى ولا مكان فى قلبى لتفهم من يشيح بوجهه عن لغة الأم بحجة عدم مواكبتها للعصر. أى عصر؟ أى عصر هذا لا مكان فيه للمعرى والمتنبى؟ أى عصر لا تقول فيه السورية «تكرم عينك» وكيف نترجم «تكرم عينك» إلى أى لغة أخرى؟
***
ما علينا، فكل حر فى حبه وأنا عن نفسى قادرة على حب لغتى الأم رغم غضبى من السياسة، أنا أبحث فى حرف الحاء عن مخدة أضع عليها رأسى وفى حرف الباء عن مرتبة أتمدد داخلها. يقال إن للحب لغة خاصة، وأنا حبى بالعربى! أعرف أنها لغة صعبة وأن فصحاها عالم كامل يوازى عوالم لهجاتها الكثيرة. أعلم أن حبها نار تحرق أشواكا تدمى من يلعب قربها، هو حب يلتف حول العنق فيكاد يخنقه، بدل أن يفسح المجال أمام القلب ليتنفس ويرقص. هو حب إن دخل القلب دخلت معه قيود اسمها «عيب» و«لا يجوز». هناك فعلا شىء خانق فى حب اللغة العربية، فهى تأتى مع إرث ثقيل يفرض نفسه كجزء من المعادلة.
ومع ذلك، ترانى اليوم، والمنطقة العربية تتدهور من حولى، أبكى، كما فعل امرؤ القيس من ذكرى أمور كثيرة، إحداها هى اللغة العربية.
كاتبة سورية

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات