الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 1:32 ص القاهرة القاهرة 19.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

مصر أكبر من أن تعاقب غزة وأقوى من أن تبتزها إسرائيل

نشر فى : الأربعاء 13 أغسطس 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 13 أغسطس 2014 - 8:00 ص

مخطئ من ينظر إلى الحرب الإسرائيلية الثالثة أو الرابعة على غزة هاشم وكأنها تستهدف منظمة حماس التى تتحدر من جماعة الإخوان المسلمين أو منظمة الجهاد الإسلامى المتمايزة عنها، ولا هدف لها خارجهما ولا غرض لها إلا القضاء على سلاحهما المستجد والمؤثر متمثلا فى الأنفاق حاوية الصواريخ وخارقة « الحدود».

لقد تخلت حماس (ومعها الجهاد) فى الفترة الأخيرة عن مطامحها إلى التفرد بالسلطة فى غزة، واستجابت لدعوات التهدئة الآخذة إلى المصالحة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية بمختلف توجهاتها وتلاوينها العقائدية والسياسية، وعادت ــ بشكل ملطف ــ إلى أحضان منظمة التحرير تحت قيادة محمود عباس.. وربما كان بين أهداف هذه العودة محاولة تطمين الحكم الجديد فى مصر، تحديدا، إلى أن حماس التى لا تنكر إخوانيتها ليست بالضرورة متصلة بحبل الصرة مع إخوان مصر، وأنها مستعدة للتمايز عنهم، لا سيما فيما يتصل بالموقف من الحكم الجديد فى مصر، بشرط أن تفتح لها القاهرة الباب ولا تشترط عليها التنصل من إخوانيتها تماما، بل تقبل توجهها الجديد مع استعدادها للخضوع لامتحان.. مخفف.

ويروى الرواة أخبارا عن أن التمايز داخل حماس بين قيادة الخارج، التركية فى إخوانيتها، القطرية فى تمويلها الذى ينعكس تأثيرا مباشرا على توجهاتها السياسية، قد بلغ فى الآونة الأخيرة ذروته.. والدليل على ذلك أن قيادة الداخل لم تكن متحمسة للدور القطرى ــ التركى، ولا للقاء الخماسى الذى عقد فى باريس بطلب قطرى تركى وبمشاركة أمريكية ــ أوروبية والذى أخذ «القضية» بعيدا عن أهلها وكأنها خرجت من العرب والعروبة وصارت مجرد مسألة دولية تقرر فيها ولها العواصم البعيدة فى غياب العرب وعلى حساب كرامتهم ومصالحهم القومية وسمعتهم فى العالم وفى الداخل العربى.

يزيد الرواة فيقولون أن القائد العسكرى فى الداخل أبوخالد محمد الضيف قد تعمد أن «يظهر» ولو مطموس الملامح وهو يتلو بيان العملية الممتازة عبر الأنفاق والتى اخترق فيها بعض مقاتلى حماس أجهزة الرقابة متعددة المهمات ووصلوا إلى مركز عسكرى إسرائيلى فواجهوا من فيهم وقتلوا عددا منهم ثم عادوا ــ بهدوء مثير ــ عبر النفق وقد غنموا بعض سلاح أولئك الجنود.

أما التفسير لهذا الظهور فهو الإعلان، وعبر عملية عسكرية مميزة فى دقتها ونجاحها، أن قيادة الداخل لها حق الكلام بما هى القيادة الميدانية، باستقلال عن قيادة الخارج، خالد مشعل، وربما بما يغاير توجهاته وتصريحاته المطولة والتى اعتاد أن يطلقها من قطر، وليس إلا منها.

●●●

بمعزل عن هذا التطور ودلالاته فلقد كان صمود غزة، بشعبها جميعا، وبمقاتلى التنظيمات الفلسطينية المتعددة، وفيها حماس والجهاد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و«الديمقراطية» والقيادة العامة، صدمة عنيفة لقادة الحرب لدى العدو الإسرائيلى، سياسيين وعسكريين، بقدر ما شكلت مفاجأة مفرحة للشارع العربى الذى تنهكه حروب تشليع الدول واستيلاء تنظيمات مسلحة أبرزها ذلك الذى يرفع لواء الخلافة على جهات عدة، فتحرق المدن والقرى، وتباشر الإعدامات الميدانية للجنود وللمواطنين فى محافظة نينوى، شمال العراق، داخل الموصل ومن حولها.

والحقيقة أن هذه التنظيمات ذات الشعار الإسلامى والتى تظهر «الإخوان» كهواة فى السياسة وحتى فى أعمال التخريب، قد استقطبت اهتمام الشعوب قبل الدول على امتداد الوطن العربى، كما أحدثت صدمة على مستوى المجتمع الدولى. لقد تبدت مجاميع من المقاتلين الهمج الآتين من تراث الجاهلية المسيرين بالتعصب الأعمى، الذين يحترفون القتل والتدمير وينغمسون فى تأجيج الفتنة بذريعة التمهيد لقيام دولة الخلافة الجامعة فى القرن الحادى والعشرين بشعارات مستعادة من عصر الانحطاط وأزياء مستولدة من أيام الجاهلية يرتديها مقاتلون بلا وجوه يحترفون القتل العلنى بتلذذ الحشاشين وتقاليدهم العريقة.

على أن هذه التنظيمات قد قدمت خدمة لحماس والجهاد وتنظيمات إسلامية أخرى جعلت هدفها الأول والأخطر قتال الاحتلال الإسرائيلى، حصرا، بقدر ما جعلت «الجمهور» يعيد تصنيف حملة الشعار الإسلامى عموما، فيميز بين الذين «يجاهدون» ضد الاحتلال الإسرائيلى فيقاتلون على أرضهم ومن أجل حقهم فى أرضهم وبين الذين ينادون بشعارات مستعادة من ماض لن يعود ولن تنفع الساعات الثمينة ولا سيارات الدفع الرباعى ولا الرايات السوداء المطرزة بشعار «لا إله إلا الله محمد رسول الله» فى إقناع جمهور المؤمنين بأن هؤلاء الجاهليين هم المؤهلون لبناء الغد الأفضل.

ثم إن شعب فلسطين فى غزة قد قدم نموذجا فذا فى الصمود بدمه، فى أرضه المكشوفة، للحرب التى لم تنجح إسرائيل فى تبريرها لدول العالم أجمع، بما فى ذلك «الدول الصديقة» التى تحمى هذا الكيان العنصرى القائم بالقوة والمعتمد دائما سياسة «التدمير الشامل» لكل من اعترض على نهجه الوحشى، ولعل مذابح الأطفال فى مدارس وكالة الغوث الدولية قد حسمت النقاش حول هذه الحرب المعلنة من طرف واحد، خصوصا وقد تعززت بجثث لأطفال مقتولين بالقصف الجوى أو البرى أو بالقنص المدفعى فى مختلف أنحاء غزة وسائر المدن فى القطاع المحاصر.

●●●

تبدت إسرائيل أبشع من القتلة الجائلين بامتداد البادية السورية ــ العراقية منفذى أحكام الإعدام فى كل من وقعت عليه أياديهم، مشردى أبناء الأرض من مدنهم وقراهم بعد التشهير بدينهم والتعامل معهم كأهل ذمة، قتلة أبناء الحياة حتى وان لم يعرفوا هوياتهم.

بالمقابل تبدى مقاتلو حماس وسائر التنظيمات الفلسطينية فى غزة محاربين يردون بما ملكت أيديهم من سلاح، وهو لا يقارن بما تحتويه الجبخانة الإسرائيلية، على نيران عدوهم الذى يشن عليهم حرب إبادة، بنسائهم وأطفالهم وشيوخهم، بمدارسهم والمساجد والمستشفيات والبيوت الفقيرة، يدك الأحياء فى المدن والمزارع فى الأرياف وبيوت الفلاحين الذين يبذلون العرق فى زراعة بعض البعض من أرضهم الضيقة بما يقيم أودهم.

هذا فى الميدان..

●●●

ومع وعى العرب، فى مصر وخاصة خارجها، بالأزمة الخطيرة التى تحكم علاقة الدولة بنظامها الجديد مع «الإخوان»، سواء منهم من هم داخل التنظيم فى مصر أم فى التنظيم الدولى، وبين أبرز مراكزه تركيا (حيث يتولى رموزه قيادة الدولة) ثم الولايات المتحدة الاميركية وبعض دول أسيا ( الباكستان) وبعض الجاليات الإسلامية والعربية فى أوروبا.

ومع وعى العرب خارج مصر بخطورة هذا التنظيم على النظام فى مصر بالذات وارتكاباته عندما قفز إلى السلطة فى لحظة قدرية ثم بعدما أخرجه منها رفض الشعب المصرى عبر تظاهراته غير المسبوقة بأعداد المشاركين فيها وشمولها مدن مصر وأريافها جميعا.

ومع وعى العرب ببعض الأخطاء التى ارتكبتها حماس وبعض قياداتها الفلسطينية، داخل غزة وخارجها، وبالذات خارجها.

ومع وعى العرب بخطورة الوضع فى مصر خصوصا مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وعمليات التحريب التى يرتكبها بعض الإخوانيين ضد المنشآت العامة والهجمات ضد العسكريين من رجال الجيش والشرطة.

مع كل ذلك فقد كان العرب، ولعلهم ما زالوا يأملون، أن تعيد القاهرة النظر فى سياستها ليس فقط تجاه حماس بل أساسا تجاه إسرائيل.

ومع وعى العرب بالمآخذ الخطيرة التى سجلها المصريون، شعبا وسلطة، على سلوك قيادة حماس، خارج فلسطين وأحيانا داخل غزة.

ومع وعى العرب بأن مصر قد دفعت ثمنا باهظا لبعض استخدامات الأنفاق خارج غزة وتحديدا فى التخريب على مصر وفى الاعتداء على جيشها ومواطنيها،

مع ذلك كله فقد أمل العرب وما زالوا يأملون أن تميز القاهرة بين حقوق الشعب الفلسطينى فى أرضه وبينها حقه فى الحياة فوقها بكرامة وأمان، وبين سلوك المخربين الذين لم يكونوا بالتأكيد جميعهم من الفلسطينيين أو من أهل غزة على وجه التحديد.

●●●

إن مصر بتاريخها وبدورها القيادى لأمتها وبتضحياتها فى ميادين النضال من أجل تحرر العرب جميعا فى مختلف ديارهم، وبدورها الذى لا بديل منه فى فلسطين وحماية شعبها، أقله فى غزة، من وحشية الحروب الذى يشنها العدو الإسرائيلى مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات، لا يمكن أن تتخلى فى هذه اللحظة الحرجة عن هذا الشعب الذى يدفع ضريبة التخلى العربى وجموح المشروع الاستيطانى الإسرائيلى.

لطالما اعتبر أهل غزة أنفسهم «مصريين» بنسبة ما، ولطالما تعاملوا مع مصر على أنها مصدر حمايتهم وتأمينهم من عدوانية عدوهم الإسرائيلى.

ومصر أكبر من أن تحقد، وأكرم من أن تحكمها ردات الفعل ويأخذها الغضب بعيدا عن أصالتها فتخلط بين أهلها وبين عدوهم ــ عدوها فى الماضى والحاضر والمستقبل.

رئيس تحرير جريدة «السفير» اللبنانية

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات