الأربعاء 21 نوفمبر 2018 12:49 ص القاهرة القاهرة 20.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

النيل وحدة مائية يتطلب تكاملا تنمويا

نشر فى : السبت 14 يناير 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : السبت 14 يناير 2017 - 9:40 م
نشرت صحيفة رأى اليوم الأردنية مقالا للإمام «الصادق المهدى» ــ السياسى والمفكر السودانى والرئيس السابق للسودان ــ يتحدث فيه عن أكثر المشكلات إلحاحا فى الوقت الحالى وهى مشكلة حوض النيل. يبدأ المهدى مقاله بأن العالم اليوم يواجه ضمورا فى الفكر الاستراتيجى وانشغالا بالتحديات الأمنية. فهذا الفقر الاستراتيجى يظهر بأوضح صورة فى الدول العربية حتى صارت فى أكثرها متخندقة فى أجندات أمنجية.

يتناول الكاتب مقاله من الناحية الاستراتيجية فيقول بداية أن هنالك سبع أبجديات لحوض النيل مسلما بها هى: أن السيادة على مياه النيل مشتركة. كما أن نهر النيل وهو أطول أنهار العالم، تهطل فى منابعه ومجراه أمطار تزيد على ألفين مليار متر مكعب. ولكن تدفق مياهه كما يقاس فى أسوان يبلغ 84 مليار متر مكعب فى المتوسط. هذه النسبة الضئيلة (4.2%) تتطلب إجراءات لحصاد المياه وتجفيف المستنقعات لزيادة تدفق مياه النيل.
إن دولة المصب هى الأكثر اعتمادا على مياه النيل، والأكثف سكانا فى الحوض، والتى نشأت حضارتها اعتمادا على مياه النيل، وتلك عوامل تؤهلها لاستحقاق النصيب الأكبر من مياه النيل، هذا إضافة إلى أن تضاعف عدد السكان يتطلب مضاعفة الحصة، واتخاذ وسائل أخرى فى زيادة العرض من مصادر أخرى، وترشيد الطلب.

يضيف الكاتب أن دول المنابع فى الهضبة الأثيوبية والهضبة الاستوائية ولأسباب مناخية وطبغرافية مؤهلة للإنتاج الكهرومائى بكميات أكبر وبتكاليف أقل.
كما أن دولتى السودان تملكان نحو ثلثى الأراضى الصالحة للزراعة بشقيها النباتى والحيوانى فى حوض النيل، ما يجعل تلك الأراضى الأكثر صلاحية للاستثمار الزراعى الغذائى والنقدى قطريا وعن طريق المزارعة للآخرين خاصة لمصر وأثيوبيا.
فحوض النيل كما يصفه الكاتب هو الواصل لما فصلته الصحراء الكبرى بين شقى أفريقيا. هذا يحمل عوامل استقطاب جيوسياسى قابل لاستغلاله عدائيا، وهو ما يتطلب تشخيص عوامل هذا الاستقطاب والعمل على إزالته.
فالسودان هو الجار المشترك لبعض دول المنابع، ودولة المصب، ويلزمه موقعه الجغرافى بدور توفيق جيوسياسى بينها.

أما عن الوضع القانونى الراهن فإن حوض النيل تأسس فى ظروف توازن قوى تجاوزتها الأيام. هذا ينطبق على اتفاقية 1902 وما بعدها. وهى ظروف انطلقت من أن مياه النيل مصلحة لمصر حصريا.
واتفاقية 1959 انطلقت من أن مياه النيل مصلحة لمصر والسودان. دول حوض النيل الأخرى نفضت يدها من ذلك الوضع القانونى ما يتطلب مراجعته بالتراضى بين دول حوض النيل كافة.
كما ينصح المهدى بضرورة أن تجمع دول حوض النيل على اتفاقية الأمم المتحدة لـ«استخدامات المجارى المائية فى الأغراض غير الملاحية» وذلك من أجل إدخال البعد الدولى فى مصير حوض النيل.

فى فبراير 1999 انطلقت مبادرة حوض النيل التى أثمرت توافقا حول قضايا كثيرة بشأن مياه النيل، والنتيجة اتفاقية إطارية لحوض النيل ومفوضية مشتركة لدوله.
ولكن بعض النقاط الخلافية حالت دون الإجماع على هذه المعاهدة مما أدى لاستقطاب حاد فى حوض النيل، وهو استقطاب يغذى حربا باردة مضرة لأطرافها.
فالمناخ السلبى الذى أفرزه الخلاف حول سد النهضة يتطلب إدراك أن للسد منافع يجب التعرف عليها ومضار يرجى احتواؤها.
بالنسبة للسودان فإن السد يحقق نفس المنافع التى حققها السد العالى لمصر من حيث الحماية من الفيضانات، وتنظيم انسياب المياه، والإنتاج الكهرومائى، واحتواء الإطماء، وتقليل نسبة تبخر المياه فى المناخ الأثيوبى بدل نسبته فى منطقة أسوان. ولكن تخزين المياه فى بحيرة السد يحرم مصر من تخزين المياه الزائد على متوسط الدفق، وكذلك يهبط بالإنتاج الكهرومائى فى السد بنسبة 25%.

وبالنسبة للسودان ومصر هناك ضرران محتملان هما احتمال حدوث اضطرابات جيولوجية. هذا احتمال وارد فى أمر كل السدود. والاحتمال الثانى هو فى حالة حدوث خلافات سياسية واستخدام المياه كسلاح سياسى. هذا وارد حتى من غير السد والسبيل الوحيدة لمواجهته هو أن يتفق على معاهدة حوض النيل، وأن تودع لدى الأمم المتحدة بالتزام دول الحوض بها، على أن يعامل أى إخلال بها كتعدٍ على الأمن القومى للدولة المتضررة وحقها فى الدفاع عن نفسها بتأييد دولى.

على أساس هذه المفاهيم يرجو المهدى أن تتفق دول مجرى ومصب النيل الأزرق على ثلاثة أمور هى: قبول توصيات الهيئة الفنية، واتفاق على طول فترة ملء السد، واتفاق على ضوابط لإدارة السد بالصورة التى تأخذ فى الحسبان مصالح دولتى المجرى والمصب.

***

إن الخلاف حول سد النهضة جعل التصدى لمشاكل حوض النيل أكثر إلحاحا. فتسوية الخلاف حول سد النهضة يتعلق بنصف مياه النيل ما يتطلب أن تشمل التسوية النصف الآخر. كذلك فإن هذه التسوية تتعلق بثلاث من دول الحوض والمطلوب أن يشمل الأمر بقية دول الحوض. المطلوب ألا ينظر للأمر من زاوية سد النهضة وحده والمياه المتعلقة به ولا بالاتفاق بين الدول الثلاث، بل تناول كل مياه النيل ومشاركة كل دول الحوض.
كما يشير الكاتب إلى أن التطورات الإيجابية المنشودة فى حوض النيل لا تجرى بمعزل عن العلاقات العربية الأفريقية. فهى العلاقات ذات استراتيجية كبرى للتنمية فى العالمين العربى والأفريقى. إن التكوين الطبغرافى والجيوسياسى لحوض النيل كوحدة مائية إذا أدى لمعاهدة ملزمة لدول الحوض فإن الاتفاق التنموى التكاملى بين دول الحوض سيكون ممكنا ولازما. كذلك البحر الأحمر أخدود بين شاطئيه الغربى والشرقى مقومات تكامل تنموى يمليه ما فى شرقه من مخزون للطاقة والإمكانات المالية، وما فى غربه من موارد طبيعية. والصحراء الكبرى نفسها قد كانت على طول تاريخها واصلا لا فاصلا بين شطريها، واصلا بين شمال أفريقيا وغربها، وغرب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء فمعظم العرب أفارقة، ومعظم الأفارقة (إثنيا) جنوب الصحراء مسلمون. ومن شأن مشروع نهضوى عربى أن يطور العلاقات العربية الأفريقية.

ويختتم المهدى بأن التحدى الذى يواجه الرؤى المذكورة حول حوض النيل، وحول حوض البحر الأحمر، وحول مستقبل ضفتى الصحراء الكبرى هو أن تنهض الأمة العربية من كبوتها الراهنة وتتوافق على مشروع نهضوى أحد بنوده المهمة العلاقة الاستراتيجية العربية الأفريقية.

 

التعليقات