الأربعاء 19 سبتمبر 2018 2:00 م القاهرة القاهرة 35.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

عالم دوبلاج

نشر فى : الأربعاء 14 مارس 2018 - 9:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 14 مارس 2018 - 9:45 م

نشرت جريدة الغد الأردنية مقالا للكاتبة «حنان الشيخ» وجاء فيه: ما حدث بخصوص المسلسلات التركية التى تم حجبها مؤخرا عن شاشات مجموعة MBC، يعيدنا إلى ذاكرة أيام حرب الخليج، والثمن الذى دفعه الفن فى الأردن، ممثلا بالأعمال الدرامية، خصوصا حين نربط الأسباب الموجبة بالنسبة لأصحاب القرار لمثل تلك الإجراءات، وهى بالطبع مبررات سياسية بحتة!
ليس مفهوما أبدا الانتقام الذى يطال حتى البشر والشجر، فى مناورات السياسة والحرب الدائرة فى عالمنا بسبب وبغير سبب. فالفن جزء من عملية ثقافية متحركة ومتطورة من المفترض أنها تخاطب فى الأساس إنسانية البشر ووجدانياتهم، وليس للمواقف السياسية أى نصيب منها. إنما وكما يذكر من عايش فترة منتصف تسعينيات القرن الفائت، فإن حصة الثقافة لم تسلم هى الأخرى من العقاب الشامل تجاوز حينها الاقتصاد والسياسة والإعلام، لتمتد أيادى الحصار إلى المسلسلات البدوية والأعمال الدرامية الأخرى التى كانت قد بدأت تحقق نجاحات طيبة، وسمعة مشرفة ضمن منافسات الإنتاج الفنى والثقافى.
تحول جزء كبير وقتها من فنانى الأردن الكبار إلى أعمال مساندة، لم تقل أهمية فى الحقيقة عن أعمالهم المصورة، إنما الألم كان فى حرمانهم من ممارسة شغفهم فى أعمال متلفزة كانت تمنحهم إلى جانب الأمان المادى، شهرة وحضورا كبيرين.
عملوا فى حقل الدوبلاج الذى برع فيه الأردنيون بحق، بعد أن تحولت طاقاتهم الإبداعية المحاصرة إلى بصمات صوتية لا يزال يرن صداها فى ذاكرة من عايش تلك الفترة، وتعلق بأعمال الكرتون والمسلسلات المكسيكية المدبلجة، إلى جانب الأعمال الوثائقية المميزة الجميلة.
تلك الذكريات المجبولة بالألم وبالفرح فى آن واحد، قفزت إلى الواجهة مرة ثانية مؤخرا حين ابتدعت آلة العقاب إياها، الحكم ذاته ولو أن الظروف مختلفة هذه المرة!
المسلسلات التى لطالما كنا نكتب بخوف وقلق حولها، محذرين أنفسنا من عمليات كسر الهوية العربية، والاقتداء بالنموذج التركى الاجتماعى، والذى مرر ثقافته وأفكاره بسلاسة بالغة إلى جانب الدعاية المجانية لسياحته وصناعته وسياسته فى كثير من الأحيان، هذه المسلسلات أصبحت اليوم وبعد مرور عشرة أعوام على انتشارها أو أكثر، قطعة من أثاث البيت التى يصعب الاستغناء عنها بسهولة. إن لم يكن لأجل أصحاب الدار، فعلى الأقل لأجل ضيوفه!
فلا تكاد بناية يقطنها سكان عرب اليوم، ولا تجد فيها بيتين أو ثلاثة لا ينظمون مواعيد حياتهم على وقع ساعات بث المسلسلات التركية. وهنا لا أقول مسلسلا واحدا، لأن العادة فى المتابعة أصبحت لأعمال متتالية فى اليوم الواحد، ولا بأس من الإعادة!
ساعات ممتدة كانت تقضيها نساء عربيات من المحيط إلى الخليج، أمام حلقات طويلة لقصص حب وغرام وخيانة مكررة، تتجرع عبرها السيدات حصتهن المتأخرة من العاطفة ولو كانت وهمية. ونحن اليوم وبعيدا عن تحليل تعلق النساء العربيات بتلك الأعمال، بدأنا نتلمس فعلا تململهن من اتخاذ المحطة لمثل هذا القرار. حيث بات الاعتقاد أنه عقاب جماعى للكثير من الأسر التى اعتادت أن تبرمج خططها حسب أوقات البث. ثم إن للهجة السورية المحببة دلالة من الصعب التجاوز عنها ضمن منظومة العمل الفنى، حيث لم يبق للمتلقين العرب من سورية الحبيبة أثر يمكن الاستئناس به، سوى لكنة ممثليهم للأسف الشديد.
طبعا ولأن القرار جاء مفاجئا لم تكن الاهتزازات المرتدة مساوية لوقعه. إنما بالتأكيد سيأتى «الفرج» مسرعا عبر خطوات ربما تتخذها تركيا نفسها كما سمعنا، فى تخصيص باقة ترددات موجهة بالذات إلى العالم العربى، تبث من خلالها ما يحلو لها من أعمال مدبلجة، بحيث لا تتأثر صناعة الفن لديها ولو بشعرة. فالموضوع بالنسبة لهؤلاء ليس مسلسلا وانتهى الحوار، فهو فن وثقافة وسياسة واقتصاد وسياحة وعلم اجتماع وإعلام وفلسفة أيضا، تسللت بهدوء وصبر طويل، لنشر رسالة تركيا كما يراد لها أن تصلنا بالضبط. ونحن فرحنا أو غضبنا ما لنا إلا نستقبل ونعيش ونتأثر بالرسالة المؤدلجة، حتى لو وصلتنا مدبلجة!

الغد ــ الأردن

التعليقات