السبت 17 نوفمبر 2018 8:12 م القاهرة القاهرة 21.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

إغراق مصر بالمنح الأجنبية ..لحظة وعى

نشر فى : الخميس 14 أبريل 2011 - 10:05 ص | آخر تحديث : الخميس 14 أبريل 2011 - 10:05 ص

 نعيش مرحلة مثيرة. نتفاءل يوما ونتشاءم اليوم التالى. نفرح يوما لأن المجلس العسكرى اتخذ قرارات مهمة ونشقى أياما لم يصدر خلالها قرار مهم من المجلس. نبتهج بشارع نظيف يسكنه مواطنون منضبطون وتصطف على جانبيه محال تجارية تحظى بإقبال مناسب، نخرج من هذا الشارع لنكتئب فى شارع آخر فالمواطنون الذين يسلكونه غير منضبطين وقائدو السيارات يتشاجرون والمحال التجارية الأنيقة على الجانبين لا تراها العين بعد أن اصطفت أمامها حتى منتصف مجرى الطريق العام عشرات الأكشاك الخشبية والمعدنية تعلق منتجات سيئة الصنع ورخيصة الثمن.


●●●


وهى مثيرة أيضا لأننا نقوم بعمل أشياء أو نتفوه بعبارات أو نعلن مواقف لم تكن حتى أسابيع قليلة مضت أمورا معتادة. أضرب مثلا واحدا، فقد حدث قبل شهر أو أكثر قليلا أن اشتعلت مدن ليبية غير قليلة العدد بما يشبه الثورة على نظام العقيد معمر القذافى. وهى «الثورة» التى استطاع القذافى أن يجبرها على الدخول مع نظامه فى مواجهة عسكرية، الأمر الذى لم يفلح فيه جاراه الودودان زين العابدين بن على وحسنى مبارك. وتطورت المواجهة إلى ما كنا نخشاه وإن توقعناه، وهو أن يستمر القذافى متوحشا وهمجيا وكارها لشعبه إلى حد اشتهاء الفتك به، وهو بالفعل ما حدث حين سلط على دورهم وزنقاتهم مدافعه الثقيلة وطائراته. عندئذ اجتمع الناس جميعا، وكثير منهم ثوار فى ميادين مصر وتونس وملايين العرب فى بيوتهم ومنتدياتهم، على التمنى أن يهب لإنقاذ الأشقاء والثوار فى ليبيا مؤيدون عرب وغير عرب، حتى لو كان هؤلاء غير العرب من الفرنجة، وحتى لو كان بعض هؤلاء الفرنجة من الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالفعل، اتخذ قادة العرب قرارهم فى مجلس الجامعة، وراح القرار إلى مجلس الأمن، وهناك صدر قرار آخر، وتبعته قرارات فى واشنطن وباريس ولندن وأنقرة بمساعدة ثوار ليبيا وتقديم الدعم اللازم لحمايتهم وتوفير الوسائل الممكنة لإنقاذ الجرحى.. لم تكن المفاجأة الكبرى التى هزت مشاعرنا وحركت أفكارنا هى قرار قادة العرب دعوة المجتمع الدولى للتدخل فى شأن داخلى يخص دولة عربية عضوة بالجامعة العربية، فللقادة العرب سابقة مشهودة، دفعوا فيها ثمنا باهظا ومازالت شعوبهم تدفع، إنما كانت المفاجأة هى أن الثائرين فى الميادين العربية والمتعاطفين من جميع الأنحاء العربية مع ثوار ليبيا وضحايا الهمجية القذافية أيدوا الدعم الغربى ورحبوا بالتدخل الأجنبى قبل أن يتوصل أهل الغرب أنفسهم إلى تفاهم ذى مغزى يسمح لدولة إسلامية بأن تقود العمل العسكرى «الغربى» فى ليبيا.

●●●


فى الوقت نفسه، حملت أجهزة الإعلام أنباء غزيرة عن عمليات حشد فى عواصم الغرب لجمع مبالغ مالية هائلة سوف تخصص لدعم مسيرة الثورة المصرية نحو الديمقراطية. لم يلفت انتباهنا حماسة الاعلام العربى بجميع توجهاته وترحيبه بالتدخل العسكرى الغربى فى الشأن الليبى بقدر ما لفت انتباهنا عدم اهتمام هذا الإعلام بل لا مبالاته بالبيانات والمؤتمرات والزيارات المتعلقة بتدفق غير مسبوق حجما ونوعا لمنح أجنبية جميعها قادمة من دول غربية ومن منظمات الأمم المتحدة. أذيع أن الولايات المتحدة تنوى أن تقدم ما يزيد على 75 مليون دولار لتمويل أنشطة، أكثرها يتعلق بنشر الوعى الانتخابى وبالحقوق الديمقراطية ومراقبة الانتخابات والعملية الانتخابية وتسهيل الوصول إلى القضاء والشفافية والمحاسبة، وأذيع أن دولة من دول اسكندنافيا عرضت منحا لم يسبق أن عرضت مثلها دولة أوروبية منفردة وللأنشطة نفسها، وانعقدت اجتماعات لممثلى الدول المانحة لمناقشة الأولويات والتوقيتات والجهات المستفيدة مثل الجمعيات الأهلية التى تحظى بسمعة الإنجاز والقضايا الملحة التى تستحق التركيز عليها والتنسيق بشأنها. أخشى أن أقول إن الدولة لم تكن حاضرة بالثقل الذى نتوقعه من حكومة متعطشة للمعونة الفنية والمساعدة الخارجية، أو من حكومة يضغط عليها شعب فى حالة ثورة ويطالبها بتوخى كل الحذر فى التعامل مع قوى أجنبية ومؤسسات دولية ستحاول حتما تمرير مصالح واهداف لها فى مصر غير الأهداف المعلنة.

●●●


أفهم الموقف الرافض، على امتداد السنوات الماضية، من جانب أغلب العناصر الوطنية فى مصر وغيرها من دول العالم النامى عموما للمنح الأجنبية المقدمة لدعم نشاط أو آخر من أنشطة المجتمع المدنى. فكلنا نعرف أنه تكمن وراء الرفض ذاكرة المرحلة الاستعمارية وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية فى المنطقة العربية الإسلامية وبخاصة دورها فى دعم إسرائيل على حساب الفلسطينيين استخدام الآلة العسكرية الإسرائيلية لتطويع إرادة الدول العربية.. كما أنه لا يمكن إنكار الدور الذى لعبته السمعة السيئة التى تولدت عن سوء استخدام المنح من جانب بعض جمعيات المجتمع المدنى ومنظماته.. لكن قبل هذا وذاك لا نستطيع أن نتجاهل مسألة ازدواج المعايير. فالدول الغربية التى كانت تقدم منحا لجمعيات مصرية وعربية لنشر الديمقراطية، كانت تقدم بأضعاف قيمتها أسلحة ومعونات عسكرية واقتصادية لدعم سلطات استبدادية لحكومات عربية استخدمتها لوقف التحول نحو الديمقراطية.

●●●


ما الجديد الذى جعل الناس، ومنهم ثوار ومحتجون، لا يعترضون، كما كانوا يعترضون، على مبدأ قبول منح أجنبية بدون تروٍ وحذر كافيين، إلى حد القبول بتمركز قوات عسكرية أجنبية على أراضٍ عربية والى حد اللامبالاة فى النظر إلى هذا التدفق غير المسبوق فى المنح الأجنبية.؟ الجديد فى رأيى هو أن هذه الشعوب ومن يمثلها الآن من ثوار ونشطاء ومواطنين مسيسين، يعرفون أنهم أصبحوا ولأول مرة فى تاريخ بلادهم أصحاب السيادة الفعلية. هم الذين يتخذون بطريقة مباشرة وغير مسبوقة القرارات التى يعتقدون أنها تحمى حاضرهم ومستقبلهم. وهم الذين فوضوا جهة أو أخرى لإدارة شئون البلاد نيابة عنهم. وهم الذين نصبوا أنفسهم حراسا للأمة.

هذه الحالة الفريدة فى التاريخ السياسى المصرى خلقت شعورا بالثقة الأكيدة فى النفس وفى القدرة على مواجهة الأجانب والاستعداد لإصدار الحكم المناسب فى الوقت المناسب على منحة أو أخرى ورفضها إن تبين أنها تتجاوز المعلن من أهدافها إلى أهداف أخرى ضمنية أو كانت تخدم أجندة يمكن أن تتسبب فى ضرر لمصالح الوطن.

لا يعنى هذا التطور فى الوعى السياسى المصرى أن الدول الأجنبية ستتوقف عن تقديم منح تخدم أهدافها ومصالحها بالدرجة الأولى، ولكنه يعنى أن الفرصة سانحة لكى يمارس الشعب حقه فى المحاسبة والرقابة وفى كشف التجاوزات فى تنفيذ البرامج الأجنبية للدعم، وسانحة أيضا لكى تستعيد وزارة الخارجية صلاحياتها كاملة فى شأن هذا الموضوع وعدم تركه لجهات أخرى فى الدولة تتصرف فيه حسب أهواء شخصية أو أطماع سلطوية أفسدته فى السابق فضاعف بدوره فسادها.

●●●


إذا كانت فى تجارب مصر وغيرها من دول العالم النامى دروس نستفيد منها فى ظروفنا الجديدة، فليكن درس التعامل مع المؤسسات الدولية أولها وأهمها. طبيعى جدا ومنطقى أن نكون حريصين فى التعامل مع المنح المقدمة لنا، حكومة وجمعيات، بينما الحرص كل الحرص مطلوب أكثر فى التعامل مع المنح المقدمة من الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، فمن السهولة بمكان التعرف على أهداف الدول التى تقدم المعونة مباشرة بينما من أصعب الأمور التعرف على أهداف دول عظمى تقف وراء المعونات المقدمة عبر مؤسسات دولية.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.