الأربعاء 19 سبتمبر 2018 8:15 ص القاهرة القاهرة 25°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

كرسى عبدالناصر

نشر فى : الإثنين 14 أبريل 2014 - 6:20 ص | آخر تحديث : الإثنين 14 أبريل 2014 - 6:20 ص

أحقية الجلوس على «كرسى جمال عبدالناصر» واحدة من عقد التاريخ المستحكمة التى لاحقت كل من خلفه على منصبه واحدا إثر آخر.

ورغم أن الأزمان تعاقبت والتحديات اختلفت ومياها كثيرة جرت تحت الجسور المصرية فإن سؤال الأحقية ماثل فى السباق الانتخابى إلى قصر «الاتحادية»، كأن أحدا غيره لم يتول المنصب نفسه.

فى السؤال أزمات شرعية افتقدها بدرجات مختلفة خلفاؤه الرئاسيون وأزمات أخرى فى بنية مجتمع عانى ظلما اجتماعيا زادت وطأته وفسادا ممنهجا نهش عافيته وامتهانا لأدواره فى محيطه لا مثيل له فى التاريخ الحديث كله.

بالمعنى المادى فإن أحدا لم يجلس بعده على كرسيه مرة واحدة. برحيله المفاجئ قبل نحو خمسة وأربعين عاما أغلقت الأبواب على مكتبه فى «منشية البكرى» وخليفته فى المنصب الرئاسى «أنور السادات» أدار الدولة من «الجيزة».

من ناحية رمزية فإن الكرسى الرئاسى الجديد مثل قطيعة سياسية كاملة مع عصره وانحيازاته. وبعد اغتيال «السادات» انتقلت إدارة الدولة إلى قصر «الاتحادية» بمكتب جديد وكرسى آخر غير أن السياسات حافظت على انحيازاتها وتعمقت بصورة أفدح الفجوة مع كل ما كان يمثله «عبدالناصر».

المثير أن أول رئيس منذ إعلان الجمهورية جلس على كرسى سلفه هو الدكتور «محمد مرسى» مرشح جماعة الإخوان المسلمين.

من ناحية رمزية أخرى فإن الأخير بدا امتدادا لخط التدهور العام الذى اعتمده «حسنى مبارك» الرئيس الذى ثار عليه شعبه.

وبالمعنى التاريخى فإن أحدا لم يملأ فراغ «كرسى عبدالناصر» ولا ولد اعتقادا عاما بأن هناك رئيسا يوثق فيه ويعتمد عليه. الكرسى يرمز فى وقت واحد إلى السلطة وصاحبها، قوة الدولة وصورة «الرئيس الأب» أو «الزعيم التاريخى».

من معضلات الرئيس القادم أن مصر فى تحولها السياسى تطلب موظفا دستوريا لدى شعبها لا أبا ولا زعيما وتطلب فى الوقت نفسه أن يستعيد صورة «عبدالناصر» التى استقرت فى المخيلة العامة حلما طال انتظاره.

ما بين الطلبين المتناقضين فإنه أمام خيارات صعبة لم يواجهها رئيس قبله.

فى تناقضات اللحظة فإن هناك طلبين متناقضين آخرين، أحدهما يدعو الرئيس الجديد للتقدم بجسارة «عبدالناصر» إلى قلب تفاعلات المنطقة المشتعلة بحرائق الدم وخرائط التفكيك وأن يقود معاركها للحفاظ على وجودها ويضفى على الدور المصرى احتراما خاصمه لعقود طويلة.. والآخر يدعوه إلى مماشاة الأوضاع الحالية ومراكز القوى الإقليمية دون صدام وأن يستعيد فى الوقت نفسه الصورة الإقليمية التى كانت عليها مصر فى الخمسينيات والستينيات دون تكاليف.

الطلب الأول صعب على بلد منهك لكنه قد يكون محتما والثانى وهم رغم ما يبدو عليه من واقعية.

بصورة أو أخرى فإن الرئاسة الجديدة ستجد نفسها محشورة فى زاوية وتدفع ثمنا إضافيا للاستهتار البالغ بالأمن القومى وقضاياه الرئيسية فى العقود الأربعة الأخيرة.

بعد خروج مصر من معادلات المنطقة بتوقيع اتفاقيتى «كامب ديفيد» تراجعت مكانتها وحاولت دول أخرى فى المنطقة ملء الفراغ. الذاكرة التاريخية بأوراقها ووثائقها وشهاداتها تحتفظ بوقائع نزاع معلن على مكانة «عبدالناصر» فى العالم العربى لم يتمكن أحد من حسمه. فى النزاع على وراثة الدور تبارى الرؤساء العراقى «صدام حسين» والسورى «حافظ الأسد» والليبى «معمر القذافى» ودخل على الخط آخرون بدرجات مختلفة وانتهت المنازعات بفواجع. للأدوار التاريخية حقائقها وتكاليفها، فلا دور يخرج من فراغ أو يتجلى دون أثمان تدفع. مكانة «عبدالناصر» من مكانة مصر ولو أنه خرج من مكان آخر على خريطة المنطقة لم يكن ممكنا أن يلعب نفس الدور أو يحوز ذات المكانة.

ومن الملفات الملغمة التى تعترض الرئيس القادم طبيعة أدواره فى العالم العربى، فهناك طلبان عربيان متناقضان.. أولهما يستدعى عودة مصر إلى صورتها الناصرية فى إنقاذ العالم العربى والآخر يحاول توظيف أوزانها الحالية داخل الهامش بلا خروج عليه.

فى الطلب الأول صدام مبكر وفى الطلب الثانى إجهاض مبكر.

قضية «كرسى عبدالناصر» تعقيداتها لا نهاية لها، فصورته حاضرة فى المشهد المحتقن والمأزوم. القطاع الأغلب فى الرأى العام يريد أن يراه أمامه من جديد غير أن التاريخ لا يستنسخ وأقصى ما يستطيعه القادم الجديد أن يستلهم انحيازاته الكبرى وخياراته الرئيسية، فلا «عبدالناصر جديد» والأزمان الجديدة تستدعى مهامها ورجالها.

الاستلهام شىء والاستنساخ شىء آخر تماما. فى الأول إدراك لضرورات العصر والاتساق معه وفى الثانى تفكير مشوه يسىء إلى الماضى والمستقبل معا.

وقضية الاتساق أوضح ما فى تجربة «عبدالناصر».

بالمعنى الفنى فإن تصميم الكرسى الحقيقى لا الرمزى اتسق مع سياساته وخياراته بصورة مدهشة.

فهو من حيث الشكل «غير اعتيادى لسلطة خارجة على المألوف» على ما وصفه المهندس المعمارى «أدهم سليم» فى مقال بديع نشره على شبكة التواصل الاجتماعى قبل أسابيع.

بحكم تخصصه المعمارى وثقافته الفنية فى تصميم الآثاث تطرق إلى فلسفة الحكم من فلسفة تصميم الكرسى. بدا مبهورا فنيا بذوق الكرسى «الطليعى» و«الحداثى» عندما دلف إلى بيت «عبدالناصر» فى صيف (٢٠٠٩) مع فريق هندسى يعاينه قبل تحويله إلى متحف، وهو ما لم يحدث أبدا ولا اتخذت فيه خطوة جادة واحدة تتعدى المعاينات الأولية.

سأل نفسه: لماذا اختار «عبدالناصر» لكرسيه تصميما طليعيا لـ«الثنائى إيمز» ينتمى إلى الخمسينيات وروح مرحلتها فى استخدام الخشب المصنع لا الطبيعى والمعادن معادة التدوير ومواد مخلقة أخرى؟

لماذا لم يقتن كرسيا كلاسيكيا فيه فخامة القصور وأبهة السلطة؟

أكدت إجابته أن اختياره ينبع من قناعته بالعلاقة ما بين الكلاسيكية وتراث الملكية التى ثار عليها. فالحداثة ليست مجرد اختلاف فى الشكل والذوق بقدر ما تعكس فلسفة مجتمع يثور على جميع أشكال التمييز الاجتماعى.

الحداثة لا تتطلب على عكس الكلاسيكية معرفة مسبقة بالأصول التاريخية والجغرافية لكل تراث ولا تتطلب تعليما مخمليا فى المعاهد الملكية فى فرنسا أو بريطانيا.

إنها ثورة على المواريث الطبقية والاستعمارية بجميع أشكالها.

فى وصفه الفنى الدقيق لترتيب الكراسى فى المكتب الرئاسى فإنه يلاحظ أن كرسيه هو الأكثر طليعية واختلافا بين الكراسى الحداثية الأخرى التى انتجت كلها من مصنع واحد على كورنيش إمبابة، وكأنه يقودها نحو ما ستكون عليه فى المستقبل، وأن كرسى الرئيس لا يحمل ختم الجمهورية على عكس الكراسى الأخرى لأنه الوحيد الذى يملك وضع الختم على الأشياء. بمعنى آخر فإن ترتيب الكراسى له معنى ومغزى يدخل فى فلسفة الحكم: الحداثة والقوة والعدل.

أختلف أو أتفق مع «عبدالناصر» لكن اتساقه من أكبر القضايا إلى أدق التفاصيل من أسراره الكبرى وليس بوسع أحد آخر أن يكون امتدادا طبيعيا لحضوره فى المشهد المصرى الجديد ما لم يتمتع بالاتساق مع نفسه وخياراته وطلب مجتمعه إلى الدولة العادلة.