الأربعاء 19 سبتمبر 2018 12:28 ص القاهرة القاهرة 26.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

لحظة تاريخية

نشر فى : الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 9:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 9:45 م

شدتنى عبارة نطقت بها مهللة هيلارى كلينتون عندما تلقت نبأ إعلان الحزب الديمقراطى ترشيحها لمنصب رئيس الجمهورية. قالت إنها لحظة تاريخية. سبق لى مرارا أن اعترفت أن هيلارى ليست واحدة من مشاهير السيدات المفضلات عندى.

لن أشرح أسبابى هنا، فالمناسبة مناسبة بهجة صادقة وفرحة حقيقية لدى الكثيرين ولا أريد أو يرضينى أن أشوه اللحظة أو أشكك فى أهمية الفرصة، فضلا عن أننى اعتبر هذا الإعلان من جانب الحزب الديمقراطى الأمريكى مناسبة بالفعل «تاريخية». فى الوقت نفسه أقدر بكثير من الإثارة أن أمام هيلارى معركة حامية وطويلة مع دونالد ترامب ومساومات شاقة ومثيرة ومفيدة مع بيرنى ساندرز، المرشح العنيد الذى يصر على أن دوره لم ينته بتفوق هيلارى عليه، بل إن دوره يكاد يبدأ.

وأنا أصدقه وكثيرون من قادة الفكر فى أمريكا يصدقونه، بينهم المرحب والمستنكر.


***


كيف لا أعتبر المناسبة تاريخية وأنا الذى قررت منذ عقود أننى وجدت فى السيدة إنديرا غاندى النموذج الذى أتمنى أن تحتذيه قيادات النساء فى العالم. كانت سيدة قادرة وعاقلة ورشيدة، وكانت فى الوقت نفسه أما رائعة وسياسية بارعة وصديقة ودودة ومحدثة لبقة.

كانت تتكلم فى السياسة والاقتصاد والفلسفة والتراث والمستقبل بكفاءة وعمق. رأيت وقتها أن وجودها فى منصبها خطوة «تاريخية» يجب أن تجد مكانها فى سجل تحرر المرأة وجداول صعودها.


كانت أيضا لحظات «تاريخية» فى تقديرى الشخصى على الأقل، تولى باتشيليت وكريستينا وديلما رئاسة الحكم فى كل من شيلى والأرجنتين والبرازيل على التوالى. تابعت رحلات صعودهن، ومن قبلهن درست بالانبهار الممتع رحلة إيفا بيرون وإن لم تصل إلى منصب الرئاسة، ثم درست بالانقباض المؤلم رحلة ايزابيلا مارتينس دى بيرون الزوجة الثالثة لبيرون التى عادت معه إلى الأرجنتين بعد عشرين عاما من وفاة إيفا بيرون ظنا منها أنها كما حلت محل إيفا فى فراشها تستطيع الحلول محلها فى قلوب الشعب.

تابعتهن جميعا، وعينى فى كل المراحل على سيدات بلدى، وبلاد أخرى أنتمى إليها برباط أو آخر. أقارن دائما بين قيود تتحطم هناك فى عدد متزايد من دول العالم وأغلال ترفض أن تنكسر هنا. أقول وبكل الصراحة الممكنة أن هيلارى لا ترقى فى نظرى إلى مستوى النساء التاريخيات وأترك لها إثبات قدراتها خلال السنوات القادمة إن قدر لها حقا أن تدخل المكتب البيضاوى، المكان الذى سوف يشهد لقطة فريدة لم يشهد مثلها تاريخه الطويل، لقطة امتزاج الكره الشديد بالطموح الجبار.


***


نعم، هى لحظة تاريخية، لأن الطبقة السياسية الأمريكية التى سبق أن اختارت فى لحظة تاريخية مماثلة رجلا أسود ليحتل منصب رئيس الجمهورية، هى الطبقة التى تقرر الآن اختيار امرأة لتحتل هذا المنصب.

لم يكن خافيا، بل كان محل انتقاد طويل الأجل، أن الطبقة الحاكمة فى أمريكا «بيضاء اللون والميول والانحيازات»، وهى أيضا «ذكورية الطبع والميول والخيارات»، إلى درجة رفضها «المطلق لعقود بل قرون» فكرة أو حتى احتمال أن يتولى قيادة أمريكا رجل أسمر أو امرأة أيا كان لونها ودينها وشكلها.


أظن أننا، فى بلدى وبلاد أخرى تقع على جوارى، نستطيع أكثر من غيرنا تفهُّم «تاريخية» اللحظة. ألن نعتبرها تاريخية اللحظة التى يأتى فيها إلى كرسى الرئاسة فى مصر امرأة، ألن تكون تاريخية إذا عرف الناس والقادة السياسيون والعسكريون أن بين مهمات هذه المرأة مهمة قيادة الجيوش باعتبارها القائد الأعلى للقوات المسلحة؟


أستطيع شخصيا تفهُّم عظمة هذه اللحظة التاريخية، لحظة وصول امرأة مصرية إلى منصب الرئاسة فى بلدى على الرغم من أننى مازلت أسمع ليل نهار من يردد بكل ما أوتى من قدرة على الصراخ أن شهادة المرأة غير كافية وربما غير جائزة، وأن وجودها فى قاعة اجتماع مع رجل أجنبى رئيسا كان أم خفيرا غير مقبول شرعا، وأن سفرها إلى الخارج مُحرَّم بدون محرِم، ورغم أنى مازلت أسمع أنها ممنوعة فى المملكة السعودية، مرجع أغلب شيوخنا فى الشئون الدينية والسلوكيات الشخصية، من قيادة السيارات.

أسمع أيضا وبتكرار مقزز أن المرأة إن ورثت فلا أرض فى الميراث يجوز أن تعود إليها، وأنها ناقصة عقل، وأنه من حق زوجها ضربها وتهذيبها، وأنه من الأخلاق الحميدة والطقوس الموروثة أن تمشى فى الطريق خلف زوجها ولا تأكل معه وأصدقائه من الرجال، بل تخدمه وتخدمهم من غرفة مجاورة، وعند الضرورة من خلال خمار أو ستار.

لذلك أعود فأقول ستكون فعلا لحظة تاريخية تلك التى أرى فيها امرأة تصل بالانتخاب المباشر إلى مقعد الرئاسة فى قصر الاتحادية أو غيره من قصور الحكم فى مصر.


***


بالتأكيد ستكون تاريخية اللحظة التى تتولى فيها امرأة قيادة الحكم فى بلدى، وتقوده نساء أخريات فى بلاد عديدة بجوارى، حين يكون بين مرءوسيها من رجال الدين من يفتى بجواز أن تقوم «المرأة» بإرضاع زملائها فى العمل اتقاء لشرورهم. ستكون لحظة انتصار عظيم وتحدى كبير إذا تولت الولاية لتجد فى انتظارها حفنة مستشارين من الرجال يعتقدون أن المرأة بطبيعتها تستسلم لرغباتها وشهواتها بسرعة تفوق سرعة استسلام الرجل، وبالتالى لا يجوز السماح لها باتخاذ قرارات ووضع سياسات يقترحها رجال.


* * *


ستكون بالفعل لحظة تاريخية، لحظة نهوض شعب بلادى، أو شعب بلد بجوار بلدى، ليعلن اختيار امرأة لتقوده، امرأة تقود ملايين الرجال نحو مستقبل لا خرافات فيه تتعلق بالمرأة ولا طقوس بالية، مستقبل النساء فيه ألا يكون أقلية نصيبها العزل والتفرقة، ولا تكون المرأة فيه عرضة للتعرية والسحل على الأسفلت، أو عرضة لانتهاك عرضها وهى طفلة بريئة فى حضور أهلها بذريعة حماية شرفهم.


هى بالتأكيد لحظة تاريخية لأمريكا والحزب الديمقراطى الأمريكى والشعب الأمريكى ونساء أمريكا وربما لنساء العالم كله. أنها اللحظة التى كشفت عن مدى اتساع الفجوة التى تفصل نساءنا عن نساء العالم المتقدم، وتفصل مجتمعاتنا عن مجتمعات سبقتنا نحو العلم والإيمان الحقيقى، وهى اللحظة التى تبرز عمق الهوة الحضارية التى تردينا فيها، لأنه فى تلك اللحظة رأيت كم هى صعبة وطويلة ومرهقة الطريق التى سوف تسلكها المرأة المصرية أو أى امرأة فى دول الجوار للوصول إلى منصب رئيس الدولة باعتبارها مواطن لها نفس حقوق الرجل.


النساء عموما يتقدمن ولكن ببطء شديد نحو أهدافهن ومنها هدف الوصول إلى الحكم؛ تشدهن قوى تخلف خارقة وألاعيب ذكورية قديمة بعضها فى قدم الأزل.

تقدمن بالفعل، أراهن الآن فى مواقع قيادية فى منظمات إقليمية «نسائية» ومناصب عديدة فى منظمات أخرى. دفعنى هذا إلى أن أتصورها بين المرشحين لمنصب الأمين العام بجامعة الدول العربية أسوة بمن ترشحن فعلا لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة.

أتصورها فى وقت قريب مرشحة لهذا المنصب أو ذاك بموافقة ومباركة الطبقة الحاكمة فى الدول العربية الأعضاء. زادنى اقتناعا وتفاؤلا رؤيتى لآنسات وسيدات فى ملابس الشرطة يشاركن فى عمليات أمنية كقريناتهن فى دول أوروبا وأمريكا وآسيا، يشجعنى هذا التقدم الزاحف ببطء شديد على أن أتصورها وهى تستعد لاحتلال كرسى الرئاسة فى بلادنا وكراسى الرئاسة والملك فى البلاد المجاورة لبلادى مثلما تستعد السيدة هيلارى كلينتون التى قدمت الدليل على أن مركب الحضارة فى بلادها لم يتوقف.


المرأة فى بلادى ليست أقل استحقاقا للنجاح والتقدم من امرأة أمريكية اسمها هيلارى ديان رودهام.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.