السبت 17 نوفمبر 2018 3:23 ص القاهرة القاهرة 18.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الدول الأكثر ظلمًا لشعوبها

نشر فى : الخميس 14 يونيو 2018 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 14 يونيو 2018 - 9:20 م

فى حدود علمى، أو على قدر اطلاعى، لم تنتبه الصحف العربية، وغيرها من وسائل الاعلام الجماهيرية لتقرير بالغ الأهمية والدلالة، أصدرته مؤخرا لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، المشهورة اختصارا باسم «الاسكوا» حول معضلة «اللامساواة» فى المنطقة العربية، كما وصفها السيد/أسامة صفا رئيس قسم العدالة الاجتماعية فى هذه اللجنة.
وليس لدى أيضا علم إذا كان هذا التقرير قد بلغ مسامع، أو وضع تحت أنظار صناع السياسات، ومتخذى القرارات الاقتصادية فى الدول المعنية، وفى مقدمتها بالطبع مصر، التى دخلت منذ بضعة أسابيع مرحلة جديدة من خطة الاصلاح المالى، وهى خطة تركز على تقليل أو إلغاء دعم الموازنة العامة للكهرباء والمحروقات، وخدمة النقل العام، بعد أن تم تحرير أسعار معظم السلع الغذائية، وتحرير سعر صرف الجنيه.
يبدو لقارئ التقرير أنه لا يعترض من حيث المبدأ على استهداف تحقيق التوازن المالى، الذى نعرفه بمصطلح خفض، أو إنهاء عجز الموازنة العامة، ولكنه لا ينظر إلى السياسات الرامية إلى تحقيق هذا الهدف المشروع بمعزل عن المؤشرات العديدة والمريرة الأخرى لـ«اللامساواة»، وأسبابها، بما أن هذه الأسباب و تلك المؤشرات هى ما يفاقم – إلى حد الخطر ــ من آثار خطط الاصلاح المالى والنقدى، كما تطبق حاليا، فما هى أبعاد ومظاهر معضلة «اللامساواة» فى المنطقة العربية، عموما، وفى مصر خصوصا؟
يقول تقرير «الاسكوا» إن المنطقة العربية تحتل المركز الأول فى العالم فى اللامساواة فى الدخول، حيث يتحكم 15% من سكانها فى 60% من الدخل القومى، فى حين أن النسبة فى أوروبا هى 36% من السكان يتحكمون فى 60 % من الدخل، وفى الولايات المتحدة تبلغ نسبة من يتحكمون فى 60 % من الدخل 40% من السكان.
وينطبق تحكم الأقلية التى لا تزيد على 15% على معظم الدخل فى المنطقة على الأوضاع داخل الدول المعنية، كما ينطبق على الأوضاع فيما بين الدول وبعضها البعض.
لكن الأكثر بشاعة من هذا الاختلال فى توزيع الدخول بين فئات السكان، أو ما يفاقم من آثاره على الفئات الأضعف من المواطنين هو ما يسميه التقرير بتراكم اللامساواة فى الفرص، مشتملة على الخدمات الصحية والتعليم، وفرص العمل، وعدالة الأجور، ومشتملة أيضا على فرص الاستقلالية، وتحقيق الذات، كمفهوم جديد، أدخلته «الاسكوا» فى عمليات تقويم وقياس التنمية المستدامة.
وكانت هذه الظاهرة، أو لنقل هذه الكارثة، أى كارثة تراكم اللامساواة فى المنطقة العربية قد بدأت فى الظهور فى أواخر سبعينيات القرن الماضى، عندما أخذ دور الدولة المركزى فى تقديم الخدمات العامة فى التراجع، بسرعة، وبحدة، إذ بلغت نسبة هذا التراجع أكثر من 50% فى بعض الحالات.
ففى مصر مثلا، كانت معدلات الانفاق الحكومى على تلك الخدمات قد بلغت أعلى مستوياتها فى سبعينيات القرن العشرين، ثم أخذت فى الانخفاض حتى بلغت أدنى المستويات فى تسعينيات ذلك القرن، وبلغت نسبة الانخفاض 36%، مما أدى إلى حرمان فئات واسعة من الشعب من هذه الخدمات، وهى كما سبق الإيضاح خدمات الصحة والتعليم وفرص العمل وعدالة الأجور، ولا يشمل الحديث هنا دعم السلع الغذائية، وغيرها من السلع الاستهلاكية خاصة الوقود والطاقة، وأدى هذا التراجع فى دور الدولة، مع البدء فى سياسات الاصلاح المالى إلى انتشار المحسوبيات، وسيطرة نخبة متنفذة على موارد الدولة، بالتواطؤ مع القطاع الخاص، فإذا اقترن كل ذلك بضعف المشاركة الشعبية، وهشاشة منظومة الحريات العامة، فالنتيجة هى تراكم المظالم واللامساواة فى المجتمعات العربية، وامتدادها لتصل إلى الفئات الأعلى تعليما، حيث يسجل التقرير أن مصر والأردن وتونس تأتى فى مقدمة الدول التى تعانى فيها الفئات الأعلى تعليما من السكان من ظاهرة «اللامساواة» فى الأجور، لنفس الوظيفة، بنفس الخبرة، ونفس المؤهل، من مكان لآخر، ومن مؤسسة لأخرى، حسب النفوذ السياسى أو الاجتماعى.
الخلاصة التى حذر منها تقرير الاسكوا هى أن «المجتمعات العربية تنقسم منذ العقد الأخير من القرن الماضى إلى شباب حالم يطمح للتغيير، ولكنه لا يملك القدرة عليه، وبين مجموعات تمتلك القدرة على تبديل المسار، ولكنها لا ترغب فى ذلك».
هذه الخلاصة هى التى تفسر معظم ــ إن لم يكن كل ــ ما جرى فى العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، من اضطرابات سياسية واجتماعية، وصولا إلى ثورات الربيع العربى فى مستهل العقد الثانى من هذا القرن، وبالطبع فهذه هى البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى أفرخت التطرف والإرهاب، أو على الأقل ضاعفت من جاذبية التنظيمات الإرهابية والمتطرفة لهؤلاء الشباب الطامحين للتغيير، فى مواجهة مجموعات تسد جميع السبل والمسالك أمام حرية التعبير عن هذه الطموحات المشروعة، فضلا عن انعدام وجود أو انعدام فاعلية القنوات السياسية المتعارف عليها لمراجعة السياسات المتبعة وتصحيحها أو تبديلها، كالبرلمانات والأحزاب، والأجهزة الرقابية الرسمية، والأهلية.
إذن لم تكن الصدفة وحدها هى التى جعلت الشرارة الأولى لثورات الربيع العربى تنطلق من صدام جزئى ــ ولكنه يلخص طبيعة الصراع – بين السلطة وبين أحد هؤلاء الشباب المتعلمين، أقصد بالطبع نموذج محمد بو عزيزى فى تونس، وخالد سعيد فى مصر، وطلاب مدارس درعا فى سوريا، وإذن فليست الصدفة وحدها هى ما يفسر استمرار شعور الأجيال الجديدة فى معظم البلدان العربية بالتناقض مع الأوضاع القائمة، أو بعدم الرضا عنها.
لا ينفى ذلك كله وجود مؤثرات أخرى داخلية وخارجية، ولكن هذه المؤثرات لم تكن لتؤتى مفعولها، ما لم يكن هذا التناقض الرئيسى قائما، وفاعلا، ولنأخذ الحالة المصرية مثالا، فمما لاشك فيه أن مشروع توريث الحكم لنجل الرئيس، كان من أسباب ثورة يناير 2011، ولكن هذا المشروع نفسه كان مستندا إلى واحدة من مجموعة النخب المتنفذة، التى أشار إليها تقرير الاسكوا، فهذه المجموعة لم يكن لها دور سوى الترويج للتوريث، وضمان تنفيذه، عبر شبكة من التحالفات داخل جهاز الدولة وخارجه، وكان المشروع ونخبته من الملتزمين بما سمى وقتها «بالفكر الجديد»، أى بتراجع دور الدولة فى الانفاق على الخدمات العامة، بكل النتائج المترتبة عليه والمصاحبة له، والتى نعيد الآن ذكرها، وهى انتشار المحسوبيات، وسيطرة هذه النخبة وحلفائها على موارد الدولة، بالتواطؤ مع القطاع الخاص، فى ظل ضعف المشاركة الشعبية، وهشاشة منظومة الحريات، وقد أدى كل ذلك إلى تعميق وتوسيع آثار الانخفاض القياسى فى عقد التسعينيات فى الانفاق الحكومى على الخدمات العامة، بدلا من أن يعالج هذه الآثار، عندما توافرت الفرصة، بالنجاح فى تحقيق معدلات نمو عالية نسبيا فى السنوات السابقة على ثورة يناير، إذ إن تلك النخب استأثرت بثمار النمو، واكتفت بعدم خفض دعم الموازنة العامة للطاقة والوقود والسلع الغذائية، دون أدنى اهتمام بزيادة كمية ونوعية لخدمات الصحة والتعليم وفرص العمل، لتسقط سقوطا ذريعا نظرية انهمار ثمار التنمية من أعلى إلى أدنى، ويسقط معها سقوطا مدويا مشروع التوريث نفسه، وتسقط معه النخبة الحاكمة كلها، أشخاصا وسياسات.
لهذا السبب ليست الصدفة هنا أيضا، وليست النيات الحسنة كذلك هى ما حدا بواضعى دستورنا الحالى إلى النص فيه صراحة على حدود لا يجوز النزول تحتها للانفاق الحكومى على التعليم والبحث العلمى والصحة، مثلما أنه ليست الصدفة ولا النيات الحسنة هى ما كانت وراء النص على تحديد الفترات الرئاسية بفترتين كحد أقصى.. ولكنها كانت دروس الماضى القريب التى كتبت بالدموع والدم أحيانا، كما هى ضمانات مستقبل خال من الآلام والنكسات.

عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات