الأحد 18 نوفمبر 2018 12:25 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

القانون رقم ١٢٨ لسنة ٢٠١٤ .. قانون الأشياء الأخرى

نشر فى : الثلاثاء 14 أكتوبر 2014 - 8:10 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 14 أكتوبر 2014 - 8:10 ص

الأحد ٢١ سبتمبر، وبينما الرأى العام والإعلام مشغولان بزيارة رئيس الجمهورية إلى الأمم المتحدة، وبدء الحرب على «داعش»، وتدبير مستلزمات دخول المدارس، صدر القانون رقم (١٢٨) لسنة ٢٠١٤ ليمثل نقطة تحول فى علاقة الدولة بالمجتمع المدنى ويعلق سيفا على رقاب ليس فقط العاملين فى الجمعيات الأهلية وإنما كل من له نشاط عام، بما فى ذلك الحزبى والنقابى والأهلى والاجتماعى. وهذا وضع لم تعرفه مصر منذ زمن طويل. وبينما لا يوجد خلاف حول ضرورة قيام الدولة بمراقبة التمويل الأجنبى للجمعيات الأهلية والمنظمات المدنية حرصا على الأمن القومى، فإن هناك فارقا كبيرا بين تشريع يحمى البلد من التدخل الأجنبى وبين تقييد النشاط السياسى والمدنى وتضييق مساحة العمل العام.

ما تحتاجه مصر هو تشريع متوازن يحافظ على الأمن القومى ولكن يتيح أيضا لمؤسسات المجتمع المدنى أن تقوم بدورها فى حماية حقوق المواطنين وتقديم الخدمات التى تعجز الدولة عن توفيرها والرقابة على الأجهزة التنفيذية. هذا التوازن لم يتحقق برغم سنوات طويلة من المناقشات حول قانون جديد للجمعيات الأهلية، ليس لأن صياغته أكثر صعوبة أو تعقيدا من غيره، وإنما لأن الدولة لا تزال تتعامل مع منظمات المجتمع المدنى بتوجس وعدم اقتناع بدورها فى حشد الموارد والطاقات والمساهمة فى التنمية. ولذلك تميزت إدارة هذا الملف بتناقضات عديدة خلال الأعوام الماضية: تارة تترك الحبل على الغارب للتمويل الوارد إلى الجمعيات الشرعية مثلما حدث وقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وتارة تضيق الخناق على مجموعة صغيرة من جمعيات حقوق الإنسان وتحاسبها على كل مليم، وبينما تهمل لسنوات طويلة مئات الجمعيات العاملة فى مجال رعاية الأيتام والمسنين دون رقابة تذكر، فإنها تلاحق الجمعيات القليلة المهتمة بالمجال الثقافى وتتابع نشاطها بهمة ونشاط كما لو كانت تمثل خطرا على الدولة. سبب هذه التناقضات أن علاقة الدولة بالمجتمع المدنى ومنظماته طوال العقود الماضية لم تحكمها الرغبة فى المساندة والتعاون وتطوير العمل الأهلى، بل الإهمال التام لجمعيات الخدمات الاجتماعية والرقابة والتربص بالمنظمات التى تدافع عن حقوق الناس.

من هذا المنظور فإن القانون (١٢٨) لم يأتِ من فراغ بل سبقته بعض المناوشات، إذ نشرت وزارة التضامن الاجتماعى فى شهر اغسطس إعلانا يحذر الشركات التى تزاول أنشطة أهلية من ضرورة التوقف عن ذلك ومنحتها مهلة خمسة وأربعين يوما لتوفيق أوضاعها وإلا تعرضت للمساءلة القانونية. وبرغم اعتراض العديد من المنظمات على الإعلان لاعتقادها انه يمهد للتضييق عليها، الا ان حوارا إيجابيا كان قد بدأ يتبلور بين وزيرة التضامن الاجتماعى وبعض المنظمات فى محاولة للتوصل إلى حل متوازن، وكان من نتائجه تأجيل مهلة توفيق الاوضاع إلى ١٠ نوفمبر، وتأكيد الوزيرة/ غادة والى فى اكثر من مناسبة على ان قانون الجمعيات الأهلية الجديد لن يصدر الا من برلمان منتخب. ومن جانبها أبدت بعض الجمعيات الأهلية والشركات استعدادا للتفاعل والنظر فى البدائل المختلفة التى تتيح لها الاستمرار فى العمل بشكل قانونى. وفى كل الأحوال فقد كان هناك حوار، كان يمكن ان ينجح أو يفشل أو يفضى إلى حلول جديدة، واعتقادى ان وزيرة التضامن كانت جادة فى رغبتها فى استمرار هذا الحوار مع المجتمع المدنى.

ولكن فجأة وبدون مقدمات، صدر القانون (١٢٨) ليضع نهاية لهذا الحوار ويغلق الباب امام أى احتمال للتوصل إلى حل متوازن. فبرغم ان القانون لم يتضمن سوى تعديل المادة (٧٨) من قانون العقوبات، الا ان التوسع الذى جاء به فى نطاق الجريمة وفى تعريف التمويل وفى تشديد العقوبة جعل الموضوع يتحول من الرقابة على التمويل الأجنبى إلى انشاء وضع قانونى جديد لا يسلم فيه كل من له نشاط عام من الوقوع تحت طائلة قانون غير محدد المعالم.

من حيث الشكل، فإن ورود التعديل فى قانون العقوبات وليس الجمعيات يعنى ان المخاطبين به هم كل من يمارسون أى نشاط من أى نوع، سواء فى شكل جمعية أو مؤسسة أو شركة أو نقابة أو حزب سياسى أو اتحاد أو غرفة تجارية أو أى كيان اخر. ومن حيث مصدر التمويل فإن المادة (٧٨) بعد تعديلها لم تعد تقتصر على التمويل الوارد من الخارج، بل صارت تمتد إلى التمويل من أى شخص طبيعى أو اعتبارى، مصرى أو اجنبى، دون تحديد لجنسيته أو طبيعته. وأما عن الأشكال المختلفة للتمويل، فقد نص القانون على ان تتضمن التمويل النقدى والدعم المادى، ولكن للأسف إن تعبيرا غريبا تم إقحامه فى نهاية هذا التعريف، وهو «... وأية أشياء اخرى...» لنجد أنفسنا امام نص جنائى يجرم الحصول على أشياء غير محددة ويرتب على ذلك عقوبة تصل إلى الإعدام، متجاهلا مبدأ دقة النص الجنائى وقطعية دلالته. ثم نأتى للغرض من التمويل لنجد أنه يتضمن تعبير «الإخلال بالسلم العام» بما يفتح الباب على مصراعيه لتجريم كل ما تعتبره السلطات مصدرا للإزعاج، ولو كان تقريرا عن ارتفاع الاسعار، أو بيانا عن الشغب فى الملاعب، أو شكوى من انقطاع الكهرباء، أو أى تعبير اخر عن الرأى يمكن اعتباره تكديرا أو تهديدا للسلم العام. واخيرا فقد تم تشديد العقوبات المترتبة على الحصول على التمويل أو على «اية أشياء اخرى» لتصل إلى الاعدام، برغم ان الجريمة صارت واسعة وفضفافة، مما كان يقتضى المزيد من الحرص فى تحديد العقوبة.

وان كان ما سبق يدعو لانتقاد القانون (١٢٨) من حيث مضمونه، فإن ما يثير المزيد من القلق هو ان صدوره دون مراعاة لقواعد التشريع المستقرة وبهذه اللغة الفضفاضة والصياغة الضعيفة يشير إلى غياب واضح لآليات المراجعة القانونية المعتادة. وبينما ان ديباجة القانون تشير إلى انه قد تم عرضه على مجلس الوزراء وعلى مجلس الدولة، الا ان معرفتى بأوساط القانون والتشريع فى مصر تجعلنى أشك فى أن يكون هذا القانون قد أخذ حظه من التدقيق والمراجعة فى أى من المجلسين أو فى وزارة العدل على النحو الكافى وإلا لما خرج بهذا الشكل المعيب.

بالتأكيد ان البلد يواجه مخاطر جسيمة وإرهابا مستمرا ووضعا إقليميا مضطربا، ولكن لمن يفكرون فى ان ما سبق ترف قانونى وحقوقى لا يتناسب مع تلك المخاطر، وان التدقيق فى أصول التشريع ليس مطلوبا الان، فأذكرهم بأن القانون الذى يصدر لمواجهة حالة معينة أو اوضاع مؤقتة يكتسب استقلالا ووجودا مستمرا بعد زوال الخطر وبعد تغير تلك الاوضاع، كما حدث مع القوانين الاستثنائية التى عرفتها مصر خلال القرن الماضى ولا تزال معنا بعد ان مرت سنوات طويلة على انقضاء الحرب العالمية الثانية، والاحتلال الإسرائيلى لسيناء، والحرب الباردة، وحلف بغداد، وغيرها من الظروف التى أعطت مبررا لتشريعات استثنائية لا تزال تحكمنا إلى اليوم.

أرجو ان تعيد الدولة النظر فى هذا القانون لأنه يخالف ضوابط وأسس التشريع المصرى ولأنه يجعل مزاولة أى نشاط عام مغامرة تخضع للسلطة التقديرية المطلقة لأجهزة الدولة. وعندئذ قد يمكن استئناف الحوار بشأن مؤسسات المجتمع المدنى وآليات الرقابة المتوازنة عليها، ولكن بعيدا عن قانون الأشياء الاخرى.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.