الأحد 23 سبتمبر 2018 9:11 م القاهرة القاهرة 27.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الإسلاميون إلى السلطة.. وشباب الميدان إلى (الجهاد الأفضل)

نشر فى : الأربعاء 14 ديسمبر 2011 - 1:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 14 ديسمبر 2011 - 1:20 م

... وجاء زمن «الجهاد الأفضل»: أفرغ شباب مصر «الميدان» بعدما أنجزوا البند الأول من المهمة المقدسة التى انتدبوا أنفسهم لتحقيقها بإسقاط رأس النظام الدكتاتورى الفاسد المفسد، وفتحوا الباب أمام مصر لكى تعود إلى وعيها بذاتها وبدورها الذى لا يعوضها فيه غيرها.

 

تفجر الفرح عارما داخل مصر وخارجها، قبل ان ينتبه شباب الميدان إلى انهم لم يستعدوا حقيقة لما بعد إسقاط رأس النظام، ثم صدمهم واقع ان النظام قد افتدى نفسه برأسه فاستمد بذلك قوة إضافية تكفى لاستيعاب انتفاضتهم ومخادعتهم ومساومتهم على بديله الذى لم تكن صورته حاضرة لا فى أذهانهم الا كأمنيات، ولا على الورق الا كعناوين وأفكار واقتباسات لا ينظمها سياق ولا هى تصلح برنامج عمل للغد.

 

لم يكن شباب الميدان حزبا واحدا، ولا مجموعة أحزاب ببرنامج موحد، ولم يكونوا يعرفون تماما كيف تكون الخطوة التالية، خصوصا أن المجلس العسكرى قد تدخل فحصر التغيير برأس النظام، ولم يكونوا موحدين وجاهزين لمواجهة هذا «الرئيس المؤقت» الذى يحفظ له المصريون تقديرا عاليا باعتباره جيشهم الوطنى وحصن دولتهم الحصين.

 

وكان «الميدان» قد جمع شباب ثورة مصر مع من يختلفون معهم فكرا وممارسة، فلا يجمعهم تصور مشترك لنظام الغد والطريق إليه. وتقبلوا الأمر باعتبار ان ثورة الشعب تتسع لقوى متعددة التوجه، فيها الوطنى والإسلامى والتقدمى والليبرالى والسلفى، فيها الوفدى والناصرى والساداتى من «بواقى» العهود الماضية، والكل يرفع شعار إسقاط النظام وان اختلفت صورة النظام البديل من مجموعة إلى أخرى. على انه ظل واضحا أن الإسلاميين، والإخوان تحديدا، ينفردون بأنهم يملكون تصورا كما يملكون «خريطة طريق»...

 

ونتيجة «لواقعيتهم» فقد ابتلع الإخوان موقفهم التقليدى وغير الودى من الجيش واشتباههم بموقف المؤسسة العسكرية منهم، واقتربوا منها ليطمئنوها مميزين أنفسهم عن رفاق الاضطرار فى الميدان، فى حين كان شباب الثورة يندفعون مع مبدئيتهم إلى حد الافتراق ثم التعارض فالمواجهة مع المجلس العسكرى الذى بات «سلطة بديلة» لم يروا فيها افتراقا إلى حد التناقض مع النظام وقد غدا الآن «رأسه» ومصدر القرار فيه.

 

يوما بعد يوم، إذن، كانت تتسع الفجوة بين الذين تلاقوا فى الميدان على غير موعد، ومن دون الاتفاق على الخطوة التالية... ثم تبلورت الخلافات فإذا هى تتجاوز دور المجلس العسكرى ومشروع الدستور الجديد الذى اشتم فيه شباب الثورة انحيازا إلى الإسلاميين، ومدة الفترة الانتقالية وموقع الانتخابات النيابية ثم الرئاسية فيها.. وفضلا عن «الحكومة» التى سرعان ما تبين انها مجرد ستارة تعفى المجلس العسكرى من مواجهة المسئولية ومن ثم مواجهة «الشباب» مباشرة، ولو كانت تلتزم بمرجعيته بوصفه مصدر الشرعية. وفى أى حال فليس أسهل على المجلس العسكرى من صرف حكومة والمجىء بأخرى مانحا «الشباب» وهْم الانتصار، بينما القرار باق لصاحب القرار.

 

ذلك عن «الماضى» فماذا عن المستقبل لا سيما بعد الانتخابات النيابية التى أهّلت الإخوان المسلمين لدور مقرر فى إعادة بناء السلطة بمواقعها الحاكمة الأساسية؟!

 

●●●

 

إن أسئلة كثيرة تطرح على هؤلاء العائدين وقد امتلئوا بروح الثأر من الماضى، والذين «تواضعوا» فارتضوا ان يظلوا ــ غالبا ــ فى الصفوف الخلفية من الميدان، بينما اندفعوا يعملون بتخطيط دقيق للمواجهة الأولى عبر الانتخابات النيابية.

 

إنهم الآن أمام امتحان خطير لا يكفى لاجتيازه المطالبة بتعويضهم سنوات الاضطهاد والإبعاد والتهميش فى العهود السابقة... فكل الشعب، بفئاته وأحزابه وتنظيماته جميعا، السياسية والنقابية، قد دفع ضريبة الدكتاتورية والقمع والفساد من خبزه وحريته وحقه فى مستقبل أفضل. لقد افسد نظام الفرد الواحد مسلحا برصيد القوات المسلحة، السياسة والاقتصاد، القضاء والتعليم، الأحزاب والحركة النقابية والجمعيات الأهلية. باع القطاع العام للسماسرة والمشبوهين والأجانب وأهل الذهب الأسود، وشرد الكفاءات العلمية والمهنية. أساء إلى الدين فوظف المؤسسة الدينية لتبرير دكتاتوريته وانحرافه الوطنى، وبين العناوين الفاقعة لهذا الانحراف الصلح مع إسرائيل وانعزال مصر عن محيطها العربى، والذى بلغ فى حالات مشهودة حد الانحياز إلى العدو الإسرائيلى فى حربه على الشعب الفلسطينى (الهجوم على غزه) كما فى حربه على لبنان (تموز  ــ يوليو 2006).

 

ثم إن سنوات السجن والاضطهاد ليست ــ بحد ذاتها ــ شهادة جدارة باستلام السلطة، وان كانت تصلح أن تكون مصدرا لمحاسبة السلطة التى أمرت بالقمع مرتين: مرة لأنها تجاوزت حدود العدل فى أحكامها فجعلت أعضاء التنظيم اقرب إلى الضحايا منهم إلى المتورطين فى عملية انقلابية تستهدف إسقاط النظام بالقوة، ومرة ثانية لأنها كشفت ــ عبر تعسفها ــ عدم إيمانها بالديمقراطية، ثم إنها اتخذت من حركتهم ذريعة لتبرير تعميم القمع على كل من يعترض على عسفها، سواء أكان شيوعيا او وطنيا او إسلاميا او صاحب رأى مستقل.

 

كذلك فإن الكرة الأرضية قد دارت بالناس عموما وبالإخوان المسلمين ضمنا دورات عديدة فاختلفت مواقع الشمس ومصادر التوجيه. سقطت معسكرات عظمى كانت ترتكز إلى «عقائد الكفر والإلحاد».. وقد كان لبعض المجاهدين باسم الإسلام شرف إطلاق الرصاصات الأخيرة على اخطر تلك المعسكرات (الاتحاد السوفييتى) فى أفغانستان. ولعل تلك الواقعة كانت ذروة التحول فى توجهات التنظيمات الإسلامية والتى جعلتها فى موقف الحليف

 

المركزى للمعسكر الآخر، الامريكى، الإمبريالى: «مصاص دماء الشعوب» ــ سابقا ــ فلما انقلب اولئك «المجاهدون» على الصديق والراعى الامريكى الجديد بعملية البرجين فى نيويورك بات على الحركة الإسلامية ذات التاريخ النضالى ضد الإنجليز، بحسب أدبياتها، ان تعتمد التقية، فتنكر أية صلة لها بتنظيم القاعدة، قبل أن تستجيب إلى اليد الممدودة إليها للتعاون بشرط التبرؤ من ماضيها «الإرهابى» والجهر بإيمانها المستجد بالديمقراطية ليتم اعتمادها ــ امريكيا ــ بين قوى التغيير الهادف إلى التخلص من الدكتاتوريات.

 

إذن فنحن أمام نسخة جديدة من الإخوان المسلمين تحاول التبرؤ من ماضيها «الإرهابى»، وتؤكد هويتها الجديدة على المنابر الرسمية فى واشنطن ولندن وباريس والحلف الأطلسى الذى ستأخذه النخوة فيهب لنجدة المؤمنين فى ليبيا ومساعدتهم على التحرر من دكتاتورية معمر القذافى.

 

ولقد توالى على تلك المنابر ابرز قادة الإخوان المسلمين فى تونس وليبيا، فى حين اكتفى الإخوان فى مصر بلقاءات ربما تكون على مستويات أدنى ولكنها فعالة ومؤثرة فى قرار التغيير إلى حد أنها قد ابتكرت لها التسمية على الطريقة الامريكية، فإذا هو «الربيع العربى».

 

المفارقة ان العديد من القادة الجدد التى استولدهم «الربيع العربى» ليسوا شديدى الإيمان ومن دون قصد الإساءة إلى من اعتمد هذا التعبير لوصف الانتفاضات من أقطار الوطن العربى فان هذه التسمية لم تكن «عربية» ولم يكن للعرب أى دور فى ابتداعها وإن تبنتها العديد من الدوائر والجهات والتنظيمات وحتى الدول، لا سيما حيث نجحت الانتفاضة فى إسقاط أنظمة الطغيان.

 

بالعروبة، بل هم يعتبرونها بدعة وكل بدعة ضلالة، مع ذلك فهم يتقبلون التسمية الأمريكية وينكرون الهوية العربية لبلادهم ومن ثم لانتفاضة شعبهم العربى.

 

يتصل بذلك ان الذين وصلوا إلى السلطة او يتقدمون فى اتجاهها فى أقطار عربية عدة قد أسقطوا فلسطين من أدبياتهم، وإن حرصوا على استبقاء المسجد الأقصى، لأسباب تكتيكية ولتأكيد إسلامهم على حساب عروبة القضية والبلاد وأهلها الفلسطينيين... بل ان بعضهم ذهب ابعد من ذلك فكاد يجهر بنبذه العنف والتسليم بوجود إسرائيل والالتزام بمعاهدات الإذعان المبرمة معها.

 

وليس بغير دلالة ألا تصدر كلمة واحدة عن أى قيادى من قادة الحركة الإسلامية فى أى قطر عربى اسقط «الميدان» الطاغية فيه، أو انه قارب إسقاطه، تؤكد الالتزام بالحد الأدنى من التضامن العربى، فى حين انه ليس أكثر من التصريحات والبيانات التى تؤكد الصداقة والشراكة فى الأهداف مع دول الديمقراطية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية.

 

●●●

 

لقد ربح الإسلاميون فى بعض البلاد العربية جولة مؤثرة، بأفضال الدكتاتوريات التى كانت قائمة والتى طالما تاجرت بالعروبة والقضية الفلسطينية فى حين أنها لم تقدم لأهل القضية الا النصائح بقبول المفاوضات طريقا إلى استعادة أى جزء من ارض فلسطين المحتلة.

 

لابأس. لقد انكشف الغطاء، وبات الصراع مكشوفا بين القوى الوطنية التى ابتدعت الميدان وجعلته مصدر القرار بالثورة وبين الإسلاميين الذين يملكون الخبرة والقدرة على حصاد الأصوات فى المواسم الانتخابية بأساليب لا يتقنها الثوار.

 

وهذه جولة أولى من الصراع، فى انتظار ان يبلور شباب الثورة برنامجهم وتنظيماتهم التى جمعها الميدان لإسقاط الطاغية ثم فرق بينهم عدم الاتفاق على ما بعد ذلك: أى الولوج إلى عملية بناء النظام الجديد الذى يلبى طموحات الشهداء..

 

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات