السبت 15 ديسمبر 2018 2:45 م القاهرة القاهرة 23°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

دلالات قانون النقابات العمالية

نشر فى : الإثنين 15 يناير 2018 - 8:55 م | آخر تحديث : الإثنين 15 يناير 2018 - 8:55 م
صدر قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017، ونشر بالجريدة الرسمية العدد 50 مكرر (ب) فى 17 ديسمبر 2017، وذلك بعد جدل كبير حوله فى الساحة العمالية لم ينتج عنه أى تغيير فى فلسفة مسودات القانون القائمة على التعدى على حق التنظيم للعمال، ووضع الكثير من العراقيل أمام العمال الراغبين فى تأسيس نقابات تعبر عنهم وتدافع عن مصالحهم، كما عمل القانون على التضييق على كل النقابات المستقلة التى أنشئت بعد الثورة وإجبارها على توفيق الأوضاع بشروط جديدة مجحفة، فى حين حافظ القانون على الاتحاد العام لنقابات عمال مصر كما هو بأمواله وممتلكاته وقياداته.

بالنظر للمادة 4 من القانون «للعمال دون تمييز الحق فى تكوين المنظمات النقابية ولهم كذلك حرية الانضمام إليها أو الانسحاب منها، وذلك وفقا للقواعد والإجراءات المقررة فى هذا القانون ولائحته التنفيذية، والنظم الأساسية لهذه النقابات «و م 64» للمنظمات النقابية الحق فى وضع أنظمتها الأساسية ولوائحها الإدارية والمالية وفى انتخاب ممثليها بحرية كاملة بما يتفق مع أحكام هذا القانون، ولها الحق فى تنظيم شئونها، وإدارة أنشطتها، وإعداد برامج عملها. وتمتنع السلطات العامة عن أى تدخل من شأنه أن يقيد هذا الحق، أو يعوق ممارسته المشروعة».

تبدو هاتان المادتان من القانون وكأن القانون يطبق الدستور فى مادته رقم 76، وكذلك الاتفاقيات الدولية فيما يخص حق العمال فى تأسيس منظماتهم النقابية بحرية، وحقها فى تنظيم شئونها بعيدا عن السلطات العامة، لولا جملة «بما يتفق مع أحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية» التى تعيدنا للقانون، والبحث فى مدى ضمان هذا الحق فيه من عدمه. فى الواقع فقد تدخل القانون نفسه فى كل ما يخص النقابات، كما فرض عليها الكثير من هيمنة وزارة القوى العاملة والهجرة، كما فرض على العمال نقابات بعينها، واتحادا واحدا وحيدا، وبالتالى ليس لدى العمال الحق فى تأسيس نقابتهم بحرية، ولا حتى حرية الانضمام من عدمه، لأنه إما أن يدخلوا النقابات والاتحادات المفروضة عليهم أو يحرموا من حق التنظيم فى نقابات تدافع عن حقوقهم وتحمى مصالحهم كما نص الدستور.

***

بالتالى فإن الحكومة تخاطب بهاتين المادتين الخارج، تخاطب المنظمات الدولية وتريد أن تقول لهم إن القانون يطبق الاتفاقيات الدولية التى وقعت عليها مصر، وهو فى الواقع يسلب العمال حقهم فى التنظيم لكى يستمر الوضع على ما هو عليه، نقابات واتحاد مفروض على العمال، ولكنه لا يدافع عن حقوقهم، ولا يحمى مصالحهم بل تساهم قيادته فى سن القوانين التى تعتدى على حقوق العمال، وتجعلهم لقمة سائغة فى أفواه أصحاب الأعمال، سواء كانوا مستثمرين أو الحكومة نفسها.

فيما يلى سوف نسرد لماذا نرى أن القانون يسلب العمال حقهم فى التنظيم:

التدخل لصالح استمرار وهيمنة الاتحاد العام وقياداته العواجيز: نصت م3 من مواد الإصدار على «تحتفظ المنظمات النقابية والعمالية التى تأسست وتشكلت بقانون بشخصيتها الاعتبارية، كما تحتفظ بكل ممتلكاتها، وتستمر فى مباشرة اختصاصها تحقيقا لأهدافها.. وتثبت الشخصية الاعتبارية لغيرها من المنظمات النقابية من تاريخ توفيق أوضاعها أو تأسيسها وفقا لأحكام القانون المرافق... ». ناهيك عن التمييز الصارخ لصالح الاتحاد الحكومى ونقاباته حيث إن النقابات المستقلة لم تختار أن تتأسس بقرار وزارى وليس بقانون، وذلك كون القانون 35 لسنة 1976 والذى ظل ساريا حتى صدور هذا القانون، لم يكن يسمح لها بالوجود، لذا أصدر وزير القوى العاملة د. أحمد حسن البرعى وقتها بالاتفاق مع مسئولة منظمة العمل الدولية قرارا بالسماح بإيداع أوراقها لدى الوزارة مما يعد اعترافا صريحا بوجودها. إلا أن القانون الحالى قد وضع شروطا صعبة للتأسيس أو إعادة توفيق الأوضاع ولم يضع نفس الشروط للاتحاد العام ونقاباته، وذلك فى المادتين 11،12.

على الرغم من أن القانون لم ينص صراحة على وحدانية النقابة فى المنشأة أو النقابة العامة أو الاتحاد العام، إلا أنه صيغ بطريقة تعبر فعلا عن الوحدانية فكلما جاء ذكر النقابة (بألف ولام) مما يعنى أنها نقابة واحدة مثل ما ورد فى م11 بشأن نقابة المنشأة كذلك بالنسبة للنقابة العامة أو الاتحاد العام م12. كما حرص القانون على الاحتفاظ بالقيادات الموالية للنظام والتى تعدت سن الستين على مقاعدها فى الاتحاد العام وبالتالى فى البرلمان طبقا لـ م25، م 40. والغريب فى الأمر أن القانون الذى منع الاستمرار فى مجلس إدارة منظمتين نقابيتين فى نفس المستوى، لم يمنع أن يستمر أعضاء مجالس إدارة الاتحاد العام فى ثلاثة مقاعد، حيث إنهم فى مجلس إدارة اللجنة النقابية أو المهنية والنقابة العامة والاتحاد العام فى نفس الوقت، طبعا بالإضافة إلى إمكانية وجودهم يمثلون العمال فى مجالس إدارات الشركات فى القطاع العام أو قطاع الأعمال أو الشركات القابضة، أو فى مجالس إدارات الصناديق مثل صندوق الطوارئ، أو الخدمات، أو فى إدارة المؤسسات العمالية بالإضافة طبعا لعضوية الكثير منهم فى مجلس النواب.

تجريم كل أشكال التنظيم للعمال خارج الإطار الذى وضعه القانون: بعد أن وضع القانون شروطا تصبح معها مهمة تأسيس نقابة، وكذلك توفيق أوضاع النقابات المستقلة صعبة، بقى أنه ربما فكر العمال فى بعض الأماكن فى تنظيم أنفسهم بعيدا عن صكوك اعتراف القوى العاملة التى فرضها القانون، لذا وضع القانون عقوبات شديدة الصرامة على كل من يفكر فى ذلك، أو يحاول اللجوء لقانون آخر يمكنهم فى ظله التنظيم والدفاع عن حقوقهم، كما عمل على إرهاب كل عامل يفكر فى الانضمام لأى من هذه الأشكال وليس الفاعلون والقيادات فقط، فقد نصت م67 من مواد العقوبات على «يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل شخص شارك فى تأسيس أو إدارة منشأة أو جمعية أو جماعة أو منظمة، أو رابطة أو هيئة، أو غير ذلك، وأطلق عليها بدون وجه حق فى مكاتبات، أو لوحات، أو فى إعلان، أو إشارة، أو بلاغ موجه للجمهور، اسم إحدى المنظمات النقابية، أو مارس نشاطا تقتصر ممارسته على أعضاء مجالس إدارات المنظمات النقابية العمالية، وذلك وفقا لهذا القانون».

تدخل القانون فى كل شئون النقابات، وهيمنة وزارة القوى العاملة: وقد ظهر ذلك فى الكثير من المواد، فقد فرض القانون على المنظمة النقابية التشكيلات م1، كذلك أدوار كل منهم تم تحديدها فى القانون. كما تم فرض الشكل الهرمى القديم على المنظمات النقابية وهى اللجنة النقابية للمنشأة أو النقابة المهنية، النقابة العامة والاتحاد النقابى العمالى م10. كما فرض القانون اختصاصات لكل منهم بحيث سلب من النقابات القاعدية معظم الاختصاصات ووضعها لدى المستويات الأعلى م15، م16، م 17. نصت م21 على شروط العضوية فى المنظمات النقابية، وأسباب انتهاء العضوية فيها م25، حتى عدد ممثلى المنظمات النقابية فى الجمعية العمومية للمنظمة الأعلى حددها القانون فى م34. عدد أعضاء مجالس إدارة المنظمات النقابية حددتها م36، شروط الترشح والانتخاب حددتها م 41، كما حددت م42 مدة الدورة النقابية، كيفية إدارة العملية الانتخابية. التفرغ النقابى، والتدريب والتثقيف حددته المواد 49، 50. كما أبقى على هيمنة وزارة القوى العاملة على كل ما يخص النقابات، من وضع اللوائح الاسترشادية م6، والتى لن تصبح استرشادية فى الغالب أثناء إيداع النقابات أوراقها لدى القوى العاملة، وحتى إدارة العملية الانتخابية بنفس القواعد القديمة والتى حكمت المحاكم فى أكثر من دورة ببطلانها لما شابها من تزوير.

***

هكذا عبر القانون عن رغبة النظام السياسى فى الاحتفاظ بالاتحاد الحكومى ممثلا وحيدا للعمال، والاحتفاظ برجاله القدامى الذين أدخلهم مجلس النواب حتى يبصموا على القوانين والسياسات التى تعتدى على حقوق العمال والشعب المصرى كله ببصمة ممثلى العمال. كما عمل على منع من سواهم من خلال وضع شروط مجحفة للتأسيس، وتجريم كل من يحاول أن يلجأ لطرق أخرى للتنظيم من العمال. على الرغم من أن القانون حاول أن يبدو مطابقا للدستور وللاتفاقيات الدولية التى وقعت عليها مصر، إلا أنه تدخل فى كل ما يخص النقابات من الألف للياء، كذلك وضع النقابات كما كانت قبل الثورة تحت هيمنة ورقابة وزارة القوى العاملة. كل ذلك فى محاولة منهم للعودة لأوضاع ما قبل الثورة وكأن شيئا لم يحدث، وهو ما يثبت التاريخ دائما أنه غير ممكن.
فاطمة رمضان باحثة في الشئون العمالية ومدير برنامج المشاركة السياسية للنساء والشباب في مؤسسة قضايا المرأة المصرية
التعليقات