الجمعة 21 سبتمبر 2018 10:38 م القاهرة القاهرة 26.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

«قضية رقم 23».. سينما الصدمة المدهشة!

نشر فى : الخميس 15 فبراير 2018 - 10:25 م | آخر تحديث : الخميس 15 فبراير 2018 - 10:25 م

لم أستغرب أبدًا أن يثير الفيلم اللبنانى «القضية رقم 23»، الذى أخرجه زياد دويرى، واشترك فى كتابته مع جويل توما، كل هذا الضجيج فى عالمنا العربى، رغم الاستقبال العالمى الممتاز، الذى يليق بعمل رفيع المستوى فى كل عناصره تقريبًا، وخصوصًا فى الكتابة والتشخيص والإخراج.

فالفيلم يفتحُ ملفاتٍ مسكوتًا عنها، تخص علاقة العربى بالعربى، وعلاقة القضية القومية بالقضية المحلية، وهو من زاوية أوسع، ينتقد بالأساس الطريقة اللبنانية، والعربية عموما، فى التعامل مع الماضى: الماضى عندنا إما تحفٌ محنطة فى المتاحف، أو جروح مؤلمة، لا نستطيع معالجتها، ولا يمكننا الاعتراف بها.

زياد دويرى قام بإحياء المومياء وتحريكها، وفعل ذلك بوسائل فنية باذخة الإتقان، وقال رأيه الذى لا يعنى بالضرورة أن توافقه عليه، ونحن لا شىء يزعجنا مثل مواجهة الماضى المحنط، ولا شىء يربكنا مثل أن نخرج من فيلم فنفكر ونجادل أنفسنا قبل أن نجادل الآخر، نفتش فى ماضينا من أجل الحاضر والمستقبل، لذلك حقت على زياد اللعنة، ولكن تلك اللعنات هى الدليل الحى على أهمية الفيلم، وهى الدليل على أن الصدمة عندنا لا تخلق وعيا، ولكنها تدفع إلى مزيد من الهروب.

يفترض أن الفنان يصنع فيلمه لكى يعبر عن وجهة نظره هو، لا عن وجهة نظر تتبناها أو تتوقعها أنت كمتفرج، ولك دومًا حرية الاتفاق أو الاختلاف، وزياد دويرى يقول بصنعة فنان حاذق إن المصالحة اللبنانية لم تقم على المكاشفة، وإنما على التغطية، فظلت الحرب فى العقول، رغم صمت المدافع، وهو يبدأ من الخاص جدًا ليصل إلى القضية العامة: فلسطينى لاجئ فى لبنان يُدعى ياسر سلامة قام بسب رجل لبنانى مسيحى اسمه طونى حنا ينتمى للقوات اللبنانية، ولديه تاريخ مؤلم مع الفلسطينيين من سنوات الحرب الأهلية.

الفلسطينى يرفض الاعتذار، فتتحول الإهانة إلى قضية ومحاكمة، بل تخرج أيضًا عن سيطرة ياسر وطونى نفسيهما، لنكتشف أن الماضى حاضر فى عقول كثيرة، اللعبة المتقنة هنا هى أن محاكمة ياسر ستتحول إلى مراجعة للماضى، لنكتشف أنه يتحرك وينمو، تصبح القضية العدلية قضية وطن بأكمله، وفى النهاية يتحول السؤال مِن: أيهما المذنب؟ لنبحث عن مذنب أكبر هو من اعتقد أن الصمت شفاء، وأن الباب المغلق يعنى أن كل شىء خلفه على ما يرام.

قوة الفيلم سببها بالأساس أنه دراما ناضجة، شخصياتها أبعد ما تكون عن التنميط، وكل مشهد يرتبط بالمشهد التالى والسابق بشكل محكم، وهناك زوايا مختلفة لرؤية نفس الموقف، دون أن يتوه من المخرج موقفه الواضح، والذى يتسلل فى شكل جمل حوار يؤديها ممثل كبير، عادل كرم مثلا فى دور طونى، أو كميل سلامة فى دور المحامى وجدى وهبة.

بل إن بشير الجميل حاضر فى خطب قديمة، وسمير جعجع حاضر بأداء ممثل، ولكن زياد يعبر أيضًا وبكل قوة عن المنطق الآخر، بل يصل بنا إلى ما يقترب من صراع بين ضحيتين: فلسطينى لاجئ، ولبنانى مكلوم، وساحة المحكمة هى بديل ساحة المكاشفة المنسية.

ورغم أن الفيلم ينتهى بحكم للقاضية، يغلق الملف القانونى، إلا أن زياد يحقق هدفه الأهم، وهو فتح الملف السياسى والإنسانى، وتحريك الموتى، وصدمة الأحياء، ليس من أجل الفتنة، وإشعال الحرب من جديد، وإنما من أجل التأسيس لحاضر ومستقبل أفضل، اللاجئون ما زالوا فى لبنان، بل تضاعف عددهم، ولا سبيل سوى تطبيب الجراح، وليس إخفاءها، مواجهة المشاكل، لا إنكارها.

تنتهى المحاكمة بمشهد يتبادل فيه كل طرف التحية مع أنصاره، الجميع صاروا أهدأ بالمكاشفة، وياسر صار يفهم منطق طونى، والعكس صحيح، وزوجتاهما أصلا كانتا ضد الصراع، تحولت المحاكمة إلى حالة تطهير جماعية علنية، محامى طونى عرف كيف يفكر جيل ابنته محامية ياسر، وطفلة طونى، التى ولدت قبل موعدها، تخرج أخيرا من الحضّانة إلى الحياة.

ليست مشكلة الفيلم فى اختلاف زاوية الرؤية، بل إنه ببنائه يكرس هذا الاختلاف، مشكلته فى أن يصبح البشر كالنعام، يخفون رءوسهم فى الرمل، تلك هى الإهانة الحقيقية فى الفيلم، الحكاية فى معناها الأعمق تريد أن تؤسس علاقة أعمق مع الآخر عمومًا، تكون محورها المكاشفة لا الكذب.

بدأت الحكاية بمزراب يُسقط مياهه على رأس العابرين، وانتهى الفيلم بمياه الأمطار وهى تغسل الشارع والبلكونة بعد موقعة المحاكمة، تصعد الكاميرا لنتأمل منازل بيروت من أعلى، صامتة هادئة، ولكن القضية يمكن أن تعود من جديد، برقم جديد، طالما بقيت الجراح نائمة، حتى توقظها جُملة سباب.

«قضية رقم 23» أحد أفضل وأجرأ وأنضج الأفلام العربية التى شاهدتها فى السنوات الأخيرة، قد لا تتفق مع موقف مخرجه السياسى، ولكنى أتحدى ألا يشغلك الفيلم فكرًا وفنًا، بحثًا ومراجعة، وأتحدى ألا تتأثر بشخوصه المنحوتين من لحم ودم، فإذا تمادى البعض فى المطالبة بمطاردة زياد، فهم يؤكدون بذلك ما قاله فى فيلمه عن عقلية الهروب لا المواجهة، ويفضحون مرضنا العربى الراسخ، بالانشغال بأزمة مزراب واحد، بينما نترك مصدر الماء القذر، الذى يتدفق دون هوادة، جيلا وراء جيل، عبر كل المزاريب.

التعليقات