السبت 17 نوفمبر 2018 3:28 ص القاهرة القاهرة 18.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

في ذكرى رحيله الثانية.. عبدالله السناوي يكتب: «نبوءات هيكل»

نشر فى : الخميس 15 فبراير 2018 - 1:20 م | آخر تحديث : الخميس 15 فبراير 2018 - 1:20 م

على غير عادته فى بدء كل حديث لم يسأل عن جديد الأخبار، ودخل إلى ما كان يشغله فى ذلك الصباح من نهايات عام (٢٠١٥).

كانت قد مضت عشرون سنة على محاضرة ألقاها فى باريس يوم الخميس (٧) ديسمبر (١٩٩٥) وموضوعها: «أزمة العرب ومستقبلهم».

خامرته فكرة أن يراجع ما كتب فى ضوء التحولات والانقلابات والحرائق التى حلت بالعالم العربى، إلى أى حد كان تشخيص الأزمة سليمًا والتوقعات قريبة مما حدث؟

دعانى أن أشرع فى قراءة النص، وأنا جالس أمامه، قبل أن ندخل فى حوار مستفيض، فـ«أمامنا وقت متسع ولا توجد مواعيد أخرى اليوم».

كأى كاتب، أو مفكر، ينظر فى المستقبل وما قد يحدث فيه فإنه محكوم بالمعلومات الأساسية، التى توافرت له عن دخائل الأمور، أو بقدر ما اطلع على الاتجاه العام للتفكير فى مراكز صناعة القرار، ثم بمدى إلمامه بالتاريخ ووقائعه ودروسه فـ«لا شىء يتحرك خارج سياقه».

ما الذى دعاه لمراجعة فريدة من نوعها لما توقع قبل عشرين سنة؟

عدد السنين ورمزيتها فى حسابات البشر داعٍ أول، وهو من الذين اعتادوا الإنصات لوقع الزمن والانتباه إلى ما يتكشف من وثائق لم تكن معروفة.

فكرة المراجعة بذاتها داعٍ ثانٍ، وربما فكر أن يقوم بها أمام الرأى العام على شاشات الفضائيات، كيف حالنا الآن بعد عشرين سنة.. وإلى أين من هنا؟

فضلًا عن أن نبوءاته المستقبلية وافقت الحوادث التالية بأكثر مما تصور عندما تحدث من فوق منصة قاعة مؤتمرات «متحف جيميه» بالعاصمة الفرنسية.
كان ذلك داعٍ ثالث.
غير أن المرض الشديد، الذى داهمه مطلع الشهر التالى (يناير ـ ٢٠١٦) وأفضى إلى رحيله، حجب تلك التجربة غير المسبوقة من أن تخرج للناس.

(1)

«أخشى أن أصدم السامعين، والقارئين، إذا قلت صراحة إننى:
أولًا ـ لا أرى حلًا سهلًا أو قريبًا أو طبيعيًا للأزمة لأن تعقيداتها تجاوزت بكثير ما قد يطرح نفسه من بدائل يصح الاختيار بينها.

وثانيًا ـ لا أرى حلًا عربيًا شاملًا لهذه الأزمة لأن العالم العربى لم يعد منطقة أزمة عامة، وإنما أصبح منطقة أزمات مختلفة، متعددة وربما متباعدة!».
رغم الطابع الاحترازى للكلام إلا أنه يكتسب صدقيته من أن الأيام أثبتت صحته.
الاحتراز ضرورى لكل من يطلب قراءة المستقبل كما أنه طبيعة التفكير العقلانى.
فـ«المستقبل ليس طرقًا معبدة تعرف آخرها وتقودك فيها علامات وإشارات على الطريق ترشد الحركة وتحدد أين أنت بالضبط كلما قطعت مسافة فيه وتخبرك ما تبقى منه».
ثم مضى خطوة ثانية على شىء أقل من التحرز بفحص «مجموعة الاحتمالات الواردة، أو التى يمكن أن ترد من محيط معارفنا وتجاربنا».
«ـ هناك احتمال يظن أصحابه أن مسيرة العصر فى حد ذاتها قادرة على شد كل الأطراف وراءها… وأسمح لنفسى بأن أقول إن جذب العصر يؤثر على العرب فى حالة واحدة، هى أن يكونوا مستعدين للحاق به وإن متعبين، لكنهم إذا زادت قوة اندفاع العصر إلى أمام ولم يكن العرب على استعداد، فإن العصر لن يشدهم للتقدم معه أو وراءه، وإنما الأرجح أن يتحول الشد إلى سحل!».
كانت تلك رؤية لاحتمال يتنازل مسبقًا عن الفعل الإرادى، وما يحدث الآن هو سحل للعالم العربى.
كاحتمال ثانٍ يلخصه سؤال: «هل يمكن أن يجىء الحل من التطور الطبيعى للأوضاع الراهنة فى أى بلد عربى عند منتصف تسعينيات القرن الماضى؟»
كانت إجابته: «إن ذلك فوق ما تحتمله الحقائق، بل إنه من الصعب عليّ أن أرى مستقبلًا يولد من الواقع العربى الراهن، أو ينشأ على اتصال به، فالواضح أننا فى معظم بلدان العالم العربى أمام نظم أضاعت سندها الشرعى ولم تعثر على مشروعاتها المستقبلية، وقصارى ما فعلته معظم النظم ـ وما زالت تفعله بظن مجاراة العصر ـ قيامها بخصخصة بعض الشركات فى مقابل تأمين كل السلطات».
وكاحتمال ثالث يلخصه سؤال آخر: «هل يمكن أن يجىء الحل من الدعوة التى تعلو أحيانًا مستجيرة بما يسمى العمل العربى المشترك؟».
كانت إجابته: «المشهود أمامنا أن بيت العرب أصبح من نوع تلك القصور العتيقة المسكونة، يدخل إليه الناس بالخطأ ويخرجون منه بالهرب».
ـ واحتمال رابع يلخصه سؤال جديد: «هل يمكن أن يجىء الحل من رجل تبعث به المقادير منقذًا ومخلصًا فى ساعة أزمة؟»
وكانت إجابته قاطعة: «إن أوان الرجل المخلص فات».
«فى العالم العربى كما هو الآن ـ منتصف العقد الأخير من القرن السابق ـ فإنه من الصعب تصور ظهور مفاجئ لرجل واحد إلا من داخل إطار الجيوش. ومؤدى ذلك أن الظاهرة البونابرتية المحتملة: عسكرى لم تلده الثورة الفرنسية ولم تقم بتربيته حضانات الرقى الفكرى والحضارى فى أوروبا بعد عصور التنوير والنهضة».
وكاحتمال أخير: «هل يمكن أن يجىء الحل من إعادة ضخ فكرة القومية العربية إلى الدورة الدموية للجسم العربى مرة أخرى؟
إن الإلحاح على الفكرة القومية الآن يزيد فى غير موضعه لأن ظاهر الأمور ـ بصرف النظر عن حقائقها ـ يفسح المجال لشكوك لا تبددها كثرة الإلحاح.
كانت الفكرة القومية العربية مرفوعة على أربعة قوائم: إنها ثقافة واحدة، وإنه تاريخ واحد، وإنه أمن واحد، وهو بعد ذلك مصير واحد.. والقوائم الأربع الآن معطلة على أقل تقدير!».
إلى أين يمكن أن يمضى المستقبل إذن؟
..وهكذا مضى إلى خطوة جديدة.

(2)

«يظن البعض فى إقليم شبه الجزيرة العربية، وهو يضم مجموعة دول الخليج زائدًا عليها اليمن وفى شمال إفريقيا، من تونس إلى الدار البيضاء، أن التحالفات والصداقات ضمان واقٍ من التهديدات الإقليمية والضغوط الداخلية، ومطالب الإصلاح الاجتماعى والسياسى، وعنف التيارات الأصولية، وكذلك بقوة الجذب ورابطة الاتصال بالقلب العربى».
بصياغة أخرى فـ«إن موازنة قوة الجذب وتعطيل رابطة الاتصال بالقلب العربى مؤكدة بختم إسرائيلى على الصك الأمريكى».
وقد رجح، بالنظر إلى التصورات الحاكمة وأوضاع قلب العالم العربى، أن تفضى تلك التصورات إلى أزمات إضافية وليس إلى حلول لأزمات أصلية، ثم إنها عطلة عن المستقبل أكثر مما هى موصلة إليه.
ما جرى على مدى عشرين سنة أكد الأزمة لا الانفراج وإخفاق الرهانات على حفظ المصالح، لا القلب فى مصر استعاد شيئًا من عافيته ولا العالم العربى كله بقى على حاله، والتدهور وصل إلى حدود ما بعد الكوابيس فى إقليم ثالث ـ الهلال الخصيب: سوريا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين ـ أو إسرائيل بحكم الواقع والواقعية.
عند منتصف تسعينيات القرن الماضى قال كأنه يقرأ فى كتاب مفتوح: «هو الإقليم الذى أشعر بالخطر الشديد عليه، وأخشى أنه الآن مفتوح لخريطة جديدة ترسم له استعدادًا للقرن الحادى والعشرين، وفى الأغلب قبل انقضاء الربع الأول من ذلك القرن».
الكلام بنصه هو ما يحدث فعلًا ومصائر المشرق العربى على حد السكين قبل أن ينتهى الربع الأول من هذا القرن.
استنادًا إلى نبوءاته فإن موقفه كان حاسمًا من الأزمة السورية منذ بدايتها.
لم تكن القضية «بشار الأسد» ومستقبل نظامه بقدر ما كانت سوريا نفسها التى يصعب أن تعود إلى ما كانت عليه.
فى تقديره أن الأمن القومى المصرى يبدأ من المشرق العربى، فإذا ما انهارت دولة فإن مصر تضرب بمقتل.
«وأستأذنكم فى أن أقول ـ وبقدر معقول من الاطمئنان ـ إلى صحة القول بأن الاستراتيجية العليا فى إسرائيل تطلق العنان لتصورات تحوم حول مشاريع قد يستهولها بعضنا ويحسبها عصية على التنفيذ.
فإسرائيل تتوقع مشاكل مع السلطة الوطنية الفلسطينية عندما يجىء دور المرحلة النهائية من اتفاقية الحكم الذاتى، وحين تطرح القضايا الكبرى مثل القدس واللاجئين والحدود النهائية والاستيطان، وتتوقع إسرائيل أن السلطة سوف تدخل فى مواجهة معها، أو تدخل فى مواجهة مع شعبها. وفى الحالتين فهى على طريق صدام عنيف لأنه سوف يقع فى الغالب على صخرة القدس».
ذلك ما يحدث الآن.
هكذا النتائج على الأرض، وقد وافقت الروح العامة لتوقعاته، بل أكثر سوءًا مما تنبأ.
«وكانت التصورات الإسرائيلية أن المنطقة مقبلة على سنوات ساخنة من حالة الفوران يرتد العالم العربى فيها إلى الداخل، خصوصًا إذا كانت دائرة التسوية قد استكملت خطها ورسمت دائرتها المقفلة منتظرة أن يزداد الاحتكاك بين المجتمعات العربية والسلطات الحاكمة فيها، وبين الفقراء والأغنياء، مما يترتب عليه صعود فى قوة التيارات المتمردة، سواء بالأصولية الدينية، أو بالمستحقات الاجتماعية، أو غيرها من مولدات الرفض».
هذا كله مبتدأ لمشاريع أما خبرها فقد توقع أن يكون بينها «إغراء واحد من الملوك الهاشميين فى غدٍ قريب، أو غدٍ تالٍ له بعرش فى العراق بعد الخلاص من النظام القائم فيه الآن».
وإذا أمكن ذلك، فإن هذا الملك ـ فى ظن إسرائيل ـ قد يصبح فى وضع أفضل للتعامل مع الفلسطينيين فى الأردن، ومن ثم يصبح لهم ـ وهم أغلبية بين سكانه ـ كيان فيدرالى متحد فى إطار مملكة هاشمية أردنية عراقية».
على مدى سنوات تالية حاور رجال دولة أردنيون من أصول فلسطينية تتصل بصناعة القرار فى هذا السيناريو تحت عنوان أعرض: «البديل الأردنى»، ولم يكن الذين حاورهم مستريحين للسيناريو الخطر الذى يفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها، كشعب تحت الاحتلال يطلب حقه فى دولة على أراضيه، فضلًا عن أنه يهدد بنية الدولة الأردنية ومستقبلها.
هذا السيناريو لم يحدث حتى الآن، لكنه يظل محتملًا لأوقات طويلة مقبلة.
ما هو أسوأ أن شمال سيناء طرح على نحو موسع فيما تسمى «صفقة القرن» وطنا بديلا جديدا على حساب وحدة الأراضى المصرية.
مثل ذلك الطرح الملح والمتكرر يفترض:
«إذا أصبح الفلسطينيون شركاء فى اتحاد أكثر اتساعًا، فإن عرب إسرائيل ـ وعددهم الآن يقارب المليون وهم أكثر غدًا وبعد غدٍ ـ لهم أن يبحثوا لأنفسهم عن موطن هناك فى وديان دجلة والفرات وما حولهما، وليس فى وادى الأردن وحوله.
ـ تكون الدولة العبرية قد أخذت كامل التراب الفلسطينى.
ـ ويكون السلام بالأمر الواقع قد احتوى العراق ووصل على حدود إيران.
ـ وربما يكون النظام الإسلامى وقتها قد انزاح عن إيران وحل محله وضع فارسى مغلق يمكن لإسرائيل أن تصادقه، كما حدث ذات يوم بالأمس القريب.
ـ وربما، أيضًا، تسمح الظروف ـ ولو فى جزء من شمال العراق مؤقتًا ـ بقيام دولة كردية تظن إسرائيل أنها تستطيع التعامل معها!.
ـ خريطة جديدة بهذا الشكل تصبح ضغطًا محسوسًا على دول الخليج يحجز جنوب شبه الجزيرة العربية عن شماله فى الهلال الخصيب!
ـ وخريطة بهذه الخطوط يمكن لها أن تحتوى الكثير من حقول النفط أو تقترب منها، كما تحتوى بعضًا من خطوط موانئ وأنابيب نقله أو تقترب منها.
ـ وكذلك فإن مؤدى هذه الخطوط يصل إلى تطويق سوريا وإحكام الحصار حولها، ومن ثم يصبح مستقبلها هى نفسها قضية مطروحة للبحث.
عند رسم الخرائط بعد الحرب مع «داعش» قد يحدث ما يفوق ما خططت له إسرائيل، وتصور هو أنه قابل للتنفيذ فى غدٍ قريب، أو غدٍ تالٍ له.

(3)

تتبقى بعد ذلك المنطقة الأكبر والأهم فى العالم العربى.
فـ«مصر بوزنها السكانى ثلث العالم العربى، ثم هى بموقعها الجغرافى قلبه، وهى بدورها الحضارى محركه التقليدى».
كان توقعه الرئيسى أن الذين يعكفون على رسم الخرائط الجديدة فى الهلال الخصيب ـ لا يريدون مصر بذاتها، أو بصفتها ويطلبون أن تنكفئ على نفسها.
وطرح سؤالًا كان وقتها يشغل المجال العام المصرى: «هل صحيح أن الإسلام هو الحل؟».
كانت إجابته: «أن الإسلام ليس هو الحل، وإنما الإسلام هو النور والهداية التى يمكن أن ترشد إلى مواطن الحل».
بعد أن حدد المجرى الرئيسى لتفكيره أشار إلى أكثر من نقطة لافتة:
«الأولى، إن الظروف ـ بحركة الفعل ورد الفعل ـ جاءت معها بزوابع شديدة غطت على الأفكار والنوايا، وعلى المواقف والرجال جميعًا، وخلّفت فى كثير من الأحيان حطامًا وركامًا ملطخًا ببقع دم».
شىء من ذلك حدث على نحو أكبر بعد (٣٠) يونيو فبقع الدم أصبحت بركًا والزوابع الشديدة فيضانات وزلازل، وقد تسببت نزعة العنف فى بنية الأفكار إلى خسارة الحاضر وتقويض المستقبل بصورة لا تحتمل ترميمًا قبل مضى عقود.
«الثانية، بكل صدام فى العصرين الملكى والجمهورى بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين الجذر الأساسى للحركة الإسلامية السياسية الحديثة، كانت الدولة الطرف الأقوى».
هذه قاعدة أكدت نفسها فيما بعد (٣٠) يونيو.
«والثالثة، أن الحركات الإسلامية فى العالم العربى، التى نشأت تحت عباءة الجماعة، اكتسبت لنفسها خصائص محلية، ثم إنها أعطت نفسها حرية فى الحركة بحيث أصبحت تؤثر فى المركز أكثر مما تتأثر به».
وكان استنتاجه أن الحلول الإسلامية لم تعد حلًا واحدًا، بل طرزًا وأشكالًا مختلفة متعددة، وأحيانًا طرزًا وأشكالًا متنافرة ومتخاصمة.
وهو استنتاج أثبت صحته بالنظر إلى النزوع الواضح للحركات الإسلامية فى تونس والمغرب ودول أخرى إلى الطلاق السياسى والتنظيمى مع الجماعة الأم.
«هكذا، فإنه ـ لا الإسلام هو الحل، ولا عنف الحالة الإسلامية أو العنف ضدها، يفتح ولو ثقب إبرة إلى مثل هذا الحل».
وهكذا بدت الطرق أمامه مسدودة بلا حل سهلًا أو قريبًا.. والسبب «إننا نبحث عن شىء لم يوجد بعد، ولم يولد بعد، ثم إن حالة إجهاض سابقة ما زالت تمنع بنزيفها المستمر فرصة حمل جديد».
بهذا الاعتقاد انحاز إلى ثورة «يناير» (٢٠١١) فى مصر أملًا فى تجاوز الإجهاض إلى الميلاد.
وقد كان مثيرا أنه تنبأ ـ بعد أن استغلقت الأزمة على أية حلول ـ بحدث كبير وجوهرى مفاجئ وخارج السياق والتوقعات.
«إن لحظة الفيض والجلاء فى هذه الحالة ليست إلهامًا من وراء الطبيعة، ولكنها عملية تحول حقيقى ونقلات تتوالى وتتراكم من خلال حركة الفكر وتداعياتها وبالاحتكاك مع الضرورات والظروف ـ وحينئذ قد يلمع شعاع».
أرجو تذكر أن هذا الكلام ألقى عام (١٩٩٥).
كتب ما نصه:
«.. إننى أتحدث عن الجيوش والشباب.
وعلى نحو ما، فإنه يبدو أن بعض الجيوش العربية مستنفر بأكثر من اللازم نحو مشاكل الداخل ـ بعيدًا عن الأمن الوطنى والقومى ـ وهو صميم اختصاصه.
وعلى نحو ما فإنه يبدو ـ فى الوقت نفسه ـ أن كتلًا كبيرة من الشباب العربى مستغرق بأكثر من اللازم فيما لا علاقة له بالمستقبل، وهو بالتأكيد حياته ومجال فعله».
وهو يتوقع شيئا من الفيض والجلاء من خارج السياق طرح أسئلة جوهرية طلب الإجابة عليها حتى لا يكون هناك إجهاض جديد.
«ـ إلى أين تصل بنا مسيرة السلام الجارية الآن، خصوصًا أن كل ما حدث فى هذه المسيرة حتى هذه اللحظة يظهر أننا وصلنا بالكاد إلى الساحة الخارجية للمعابد التى تسكنها الآلهة الغاضبة، لكننا لم نعبر فوق العتبات الفاصلة بعد؟
وفيما يبدو أن العالم العربى ما زال يقف منتظرًا عبورًا إسرائيليًا ما لتلك العتبات.
ـ ما هى حدود الارتباطات والتعهدات والترتيبات التى قامت وتقوم بين قمم السلطة والنخب المحيطة بها ـ مع أطراف غير عربية، إقليمية ودولية؟ وعلى سبيل المثال فقد أزعم أننى أعرف يقينًا ما جرى فى عدد من العواصم العربية عندما وقع ذلك المنحنى على الطريق أواخر عام (١٩٧٣)، وحتى الآن حين أصبح المنحنى انقلابًا كاملًا فى كل شىء.
إن عددًا من الحكام العرب وهم يدركون بحواسهم مخاطر ما هم مقبلون عليه طالبوا ـ وحصلوا ـ من الولايات المتحدة الأمريكية على ضمانات متعددة المستويات:
(أ) مسئولية أمريكية عن الأمن الشخصى حتى يمكن إعادة تدريب مختصين محليين على أحدث أساليب الحماية الشخصية.
(ب) مساعدة أمريكية على تأمين الحكم ضد أى جهات عربية قد تعترض أو تعارض ـ بل إنه فى بعض الحالات جرى تحديد هذه الجهات المحتملة للمعارضة بالاسم.
(جـ) كفالة أمريكية بصد أى محاولات دولية تقوم بها أطراف كبرى لا تعجبها، أو لا تناسبها تقاطيع وملامح السياسات الجديدة».
«ـ ما نوعية قواعد التدخل والاشتباك لدى القوات العسكرية الأمريكية المرابطة الآن فى المنطقة؟ ذلك أنه على السواحل العربية، وفى العمق العربى، تتمركز الآن مجموعة ست فرق كاملة منتشرة ما بين الخليج والمحيط تعززها قوة طيران تصل إلى خمسة عشر سربًا إلى جانب ١٨٠ قطعة بحرية.
فيما رجح أن تستخدم تلك القوة فى داخل دول بالإقليم ضد أعداء مجهولين، فاجأته الحوادث باستخدامها بعد ثمانى سنوات فى احتلال العراق».
«إن صورة الحالة النفسية للأمة دخل عليها خلل أفقدها التوازن فى تقدير ما حل بها، وقد فتحت مصر أوراقها ولعلها فى بعض الأحيان مزقتها، وبالتالى فإن حجم مسئوليتها عن الأزمة لم يظهر فقط، لكنه تعرض أيضًا لعملية تركيز عليه أساءت له إلى حد التشويه، فى حين أن بقية المسئوليات العربية الأخرى عن الأزمة وضعت أوراقها فى خزائن الصمت».
وهكذا بدأ نوع من البحث عن «حلول للأزمة عن طريق العمل السلمى، وليس عن طريق الانقلاب المسلح، وهى تتلمس الطرق إلى ذلك، وتجد الأفق ظلامًا، أو غيامًا إذا شئنا التفاؤل.
إنها تعرف طبائع الحكم فى أوطانها، وهى غير راضية عما تراه، لكنها تدرك بالغريزة أن الحكم مدجج بالسلاح، وهى لا تريد أن تقاتله. ثم تجد نفسها فى حرب معه. وهى تريد ولكنها لا تعرف كيف تحاوره أو تحاسبه.
وهى فى حاجة إلى قيادات تعبر وتوجه وتقدم، لكن القيادات التى تعرض نفسها ليست أفضل بكثير مما هو مسلط عليها بالفعل.
ومن واجب الجميع بغير استثناء أن يساعدوا على فتح هذا الطريق السلمى إلى المستقبل».
لم يكن هناك مثل هذا الطريق السلمى، ودخلت دول عديدة فى ثورات وانتفاضات شابتها فوضى سلاح وفوضى سياسة وفوضى مستقبل.

(4)

«أحسب أن مخاوفكم ومخاوفى أن تسنح الفرصة وليس هناك طبيب مؤهل ـ وليس مشعوذًا، أو مغامرًا ـ قرب الحالة العربية، وهنا تقع المحظورات التى يلزم توقيها بأى ثمن:
ـ أولًا، محظور ضياع الفرصة والاستسلام لعملية نحر وتآكل لا يعرف أحد إلى أين تصل؟
ـ والثانى، محظور الاندفاع إلى الفوضى الشاملة، ولفترة قد تطول، حتى تبرز فى الداخل قوة تقدر على ضبط الأمور، أو تجىء من الخارج قوة تتولى هذه المهمة؟
وأضيف أن هذه الفوضى الشاملة قد تسحب معها ـ وفى الغالب أنها سوف تسحب ـ زلازل عنيفة على شقوق وانفلاقات جاهزة للزلازل، وهذا هو أخطر الاحتمالات على أى مستقبل عربى وسط كل الإمكانيات الهائلة الزاحفة مع القرن الواحد والعشرين».
بعد اثنتى عشرة سنة قال فى (٢٠٠٧): «إذا سألنى أحد حول شكل المستقبل العربى؟.. أقول ـ ببساطة ـ إنه على الكل أن يبدأ فى الاستعداد لمفاجآت ـ لأن هذا المناخ فى غرفة الإنعاش خطر جدًا.. وسوف يستدعى أمامه كل من يقدر على الحركة وكل من يستطيع».
وبعد ثمانى سنوات تالية فكر عام (٢٠١٥) أن يخضع نبوءاته التى تضمنتها «محاضرة باريس» للمراجعة تحت اختبار الزمن.
غير أنه ضن علينا بتلك المراجعة.