الأربعاء 14 نوفمبر 2018 7:44 ص القاهرة القاهرة 17.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

عـودة إلى رياض

نشر فى : السبت 15 مارس 2014 - 8:40 ص | آخر تحديث : السبت 15 مارس 2014 - 8:40 ص

بكلمات عكست حيرته قال الشاب العشرينى معترضا: «لكنه عسكرى». كان زميله وهو من نفس عمره يدعوه قبل عامين لاحتفال بـ«يوم الشهيد» فى ميدان عبدالمنعم رياض.

فى الجملة المعترضة ضيق بالغ من الأداء السياسى للمجلس العسكرى السابق وجهل فادح بالرجل والمعنى والتاريخ.

كان استشهاد الفريق «رياض» رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية على خطوط القتال الأمامية مأساويا وملهما معا.

وجه المأساة أن مصر الجريحة خسرت أفضل قادتها العسكريين فى أصعب أوقاتها. تولى مهمته العسيرة بعد أيام من هزيمة يونيو (١٩٦٧) بجوار قائد الجيش الجديد الفريق أول «محمد فوزى».

انتهى فى منتصف أكتوبر من العام نفسه من وضع الخطوط الأولى لخطة عبور قناة السويس بخمس فرق عسكرية تتمركز فى سيناء وتقاتل فوق أرضها.

الخطوط الأولى تطورت لخطة عبور كاملة خرائطها تتصدر حوائط غرفة عمليات القوات المسلحة حتى الآن وجرى التدريب عليها فى حرب الاستنزاف التى استشهد قرب نهاياتها فى مارس (١٩٦٩).

فيما بعده أدخلت تعديلات على خطته وأخذت صورتها الأخيرة فى حرب أكتوبر على يد جنرال آخر من ذات الطراز الاستثنائى وهو الفريق «سعد الدين الشاذلى».

إنه رجل استراتيجى من الطراز الأول وشخصيته مؤثرة باتساع رؤيته. شارك «فوزى» رجل الانضباط الأشهر فى تاريخ العسكرية المصرية رؤيته فى إعادة بناء الجيش من جديد ورفع روحه المعنوية وتأهيله للقتال بكل الحسم وبكل السرعة.

ألح على الرئيس «جمال عبدالناصر» قبل استلام مهمته إنهاء أى تمرد محتمل من مجموعة المشير «عبدالحكيم عامر».

فيما يروى الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فإنه طلب من الرئيس وضع الخطوط الفاصلة بين «المشير» و«المؤسسة». لم يكن خصما لـ«عامر» ولا مشاعره سلبية تجاهه لكنه وضع المصلحة العامة فوق أى اعتبار آخر، فالبلد فى وضع هزيمة وأى تمرد عسكرى أيا كان حجمه ومكانه ينهى أى أمل فى إعادة التماسك والبناء من جديد أو استعادة الانضباط الضرورى لأداء المهمات العسكرية.

فى اللقاء نفسه ألح «رياض» على «ألا تقبل مصر حلا سياسيا قبل أن تدخل معركة حتى لو عرض عليها استعادة كل الأراضى المحتلة» قائلا: «أرجوك يا سيادة الرئيس». طمأنه «عبدالناصر»: «أن أحدا لن يعرض علينا عودة أراضينا بلا قتال».

المعنى أن تستقر حتمية الحرب فى عقول القادة والجنود وأنه لا بديل عنها ولا خيار غيرها.

قضية الحرب عنده تتجاوز خططها وصداماتها المسلحة إلى سلامة المجتمع فى بنيانه الأخلاقى وثقته فى نفسه متوقعا انهيارا فى منظومة القيم ما لم نقاتل. بصورة لم يتوقعها حدث مثل هذا الانهيار لأسباب أخرى بعد حرب أكتوبر فقد ذهبت جوائزها لغير أبطالها. الذين قاتلوا وخسروا كل شىء تقريبا على ما عبرت السينما المصرية فى «سواق الأتوبيس» و«زمن حاتم زهران» وأفلام أخرى.

نفس المأساة تتكرر مع الأجيال الجديدة الذين تصدروا ثورتين ودفعوا فواتير دم ولم يحصدوا شيئا تقريبا.

كان «عبدالناصر» يراهن على «رياض» فى تحرير الأراضى التى احتلت فى عام (١٩٦٧)، الرهان نفسه اعتقده «هيكل» الذى ربطته به صداقة عميقة روى بعض وقائعها وتطرق لبعضها الآخر وربما نالت حرائق «برقاش» من محاضر لحوارات دأب على تسجيلها. لعشرات المرات استمعت إليه وهو يستعيد حوارا جمعهما أو إشارة إلى رأى أبداه أو صفة يتمتع بها. مما قاله أمامى:

«كان إعجابه بزعيم يوليو ظاهرا فى كلماته وإيماءاته، يؤيد تجربته ومقتنع بها ويشاركه الأفكار ذاتها، وإن أردت أن تستخدم المصطلحات السياسية الحالية فإنه ناصرى».. «حاورته طويلا فى الاستراتيجية والأمن القومى ومستقبل الصراع العربى الإسرائيلى وفى تصوراته عن ما بعد حرب الاستنزاف وإعداد القوات المسلحة لخوض حرب تحرير أراضيها المحتلة فى سيناء».

«رياض ضابط مدفعية ينظر إلى بعيد ويقصف ما لا يرى، وذلك يستدعى أن تكون حساباته للمسافات صحيحة ومعرفته بالمواقع مؤكدة».. «المساحات أمامه متسعة داخلة فى الكون والسماء تنطبق على الأرض والمدافع التى تقصف ما تستطيع أن تصل إليه والصواريخ التى تجتاز حدودا وبلدانا حتى تصل إلى مواقعها دعته إلى إدراك أكبر للجغرافيا وخرائطها».

«كان رياض هو الرجل الذى توصل إلى أنه إن لم يكن بوسع قواتنا مجاراة إسرائيل فى قدرة سلاحها الجوى فإن فى مقدورها إلغاء أثره وفارق تفوقها اعتمادا على الدفاع الجوى وشبكة صواريخ متقدمة».

سألته عن مشاعره وهو يقرأ نصا بقلمه مضت عليه عقود أعادت نشره «الأهرام» عن المحاربين القدامى الذين لا يموتون.. عن يوم استشهاد «رياض».

«أن تجد نفسك أمام مشاعرك التى صاغت ما كتبت قبل خمسة وأربعين عاما فأنت تستحضر الصورة كلها أمامك مرة واحدة، الأجواء والظروف.. الحياة والموت.. الأمل والفقد كأن ذلك قد حدث الآن». «عندما استشهد بكيت أملا فى نصر لم يكن قد حان».. و«بكيت صديقا قريبا إلى عقلى وقلبى أرى فيه نموذجا إنسانيا فريدا».

الأستاذ «هيكل» رجل لا يظهر مشاعره بقدر ما يستطيع وعقلانيته تمنعه من إطلاق الأحكام العاطفية فيما يكتب أو يقول لكن ذكرياته غلبته ولمحت دمعة فى عينيه.

فى تلك الأيام العصيبة رفع استشهاده الثقة العامة إلى أعلى درجاتها وسرت روح جديدة تؤكد أن النصر حليفنا فى النهاية، فبلد يستشهد رئيس أركانه فى الخنادق الأمامية لجبهة القتال وبلا رتب عسكرية على كتفيه جدير بأن ينتصر.

لم يكن وجهه مألوفا لعامة المصريين ولم يتسن لهم الاستماع إليه لكنه أصبح فجأة ابنا لكل أسرة وبطلا فى كل بيت ورمزا لكل جندى.

قداسة الاستشهاد وسط جنوده أضفت عليه رمزية يصعب أن تغادر موقعها فى التاريخ. تدفقت مئات الألوف من عامة المصريين إلى ميدان التحرير للمشاركة فى جنازة رجل أصبح رمزا للعسكرية المصرية و«عبدالناصر» نفسه ذاب فى الجموع الحزينة مزيحا حرسه جانبا وتلخص المعنى كله فى هتاف واحد: «رياض ممتش والحرب لسه منتهتش».

فى عام (١٩٧٢) وبعد ثلاث سنوات من استشهاده شهدت جامعة القاهرة فى ذروة حركتها الطلابية مسرحية عنوانها: «البعض يأكلونها والعة». كانت أقرب إلى اسكتشات تنتقد بضراوة ما يجرى فى الجبهة الداخلية من فساد سياسى وإدارى وانفصام عن التضحيات التى تبذل على جبهة القتال.

عند نهاية كل اسكتش كانت صورته تتصدر شاشة خلفية على خشبة المسرح والتصفيق يدوى فى كل مرة بذات درجة الحماس.

لخص باستشهاده معنى جديدا للعسكرية المصرية المقاتلة، ولم يكن اختيار (٩) مارس يوما للشهيد عشوائيا بقدر ما كان تعبيرا عن إرادة عامة فى الجيش والمجتمع معا.

«لكنه عسكرى».. التعبير بنصه وروحه وسياقه وثيقة إدانة لما وصلنا إليه من تدهور.