الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 7:39 ص القاهرة القاهرة 17.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

تلك الروح العملية التى تجتاح التيار المدنى

نشر فى : الأربعاء 16 مايو 2012 - 8:05 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 مايو 2012 - 8:05 ص

التيار المدنى يتحول، ويتطور، ويتغير. فإذا كان التيار الإسلامى نفسه ــ وهو تيار محافظ ــ يتغير، فلا غرابة فى تغير التيار المدنى ولا عجب فى أن ينقسم هذا التيار اليوم حول المرشح الرئاسى الأفضل بين من يرى دعم موسى، ومن يفضل حمدين أو خالد على أو حتى من يدافع عن اختيار أبوالفتوح بناء على الاعتقاد أن نجاحه سيفيد التيار المدنى فى الأجل الطويل. العامل الأساسى الذى يحدد مسار تحول التيار المدنى هو المجال السياسى الناشئ بعد ثورة يناير والذى يفرض على كل التيارات الفكرية تحديات سياسية لم تكن موجودة فى ظل استقرار نظام مبارك. بروز الأذرع السياسية للتيار المدنى فرض على هذا التيار مجموعة من المواقف العملية لم تكن متصورة فى الماضى. الروح العملية هى عنوان تحولات التيار المدنى فى السنة الماضية.

 

من هو التيار المدنى؟ هو تيار يحتوى على أناس من أديان شتى، ومن عقائد سياسية مختلفة، ليبرالية، يسارية، قومية أو غير مصنفة ومن طبقات اجتماعية متنوعة. ما يجمع كل هؤلاء أنهم ينظرون للإنسان أولا على أنه إنسان ويرفضون تقسيم الناس على أساس الدين، كما يرفضون تسلط رجال الدين أو بعضهم على السياسة وعلى مقدرات الشعب. بهذا المعنى التيار المدنى قديم قدم الدولة المصرية نفسها رغم أننا لا نعرف الكثير عن تاريخه العميق. فهل يمكن تخيل مثلا أن صعود كهنة أمون حوالى سنة 1069 قبل الميلاد  لكى يحكموا بأنفسهم البلاد قد مر دون مقاومة من أفراد وتيارات؟ هؤلاء الذين قاوموا حكم كهنة أمون هم أجداد التيار المدنى المصرى. وأحفادهم هم الذين قاوموا تسلط الكنيسة على الحياة العامة عندما أصبح المسيحيون أغلبية (الشهيدة هيباشيا مثلا)، كما قاوموا أصولية الغزالى وناصروا عقلانية ابن رشد حين أصبح الدين الغالب فى مصر هو الإسلام. بالتأكيد التيار المدنى له تاريخ عميق فى هذا البلد. وبالتأكيد هذا التيار ليس وافدا إلى مصر مع الاستعمار الأوروبى، بالرغم من ولع التيار المدنى بأوروبا منذ القرن التاسع عشر لأسباب مختلفة، منها أن هذه القارة كانت الساحة الأساسية التى تقدمت فيها العلمانية، ونجحت فى كسر شوكة تسلط المؤسسات الدينية.

 

***

 

ثورة يناير 2011 هى لحظة ميلاد جديد للتيار المدنى، وهى لحظة مجد عظيم له. والمجد لا ينبع فقط من الدور الحاسم الذى لعبه التيار المدنى فى تفجير الثورة وفى إنجاحها، لكنه يرجع بالأساس لحقيقة أن دور هذا التيار فى الثورة تجاوز بكثير حجمه العددى. كما ينبع المجد من روح الشجاعة والتضحية والإيثار التى دفعت هذا التيار إلى المشاركة بقوة فى إسقاط حسنى مبارك بالرغم من علمه التام بأن البديل الجاهز لتسلم السلطة هو خصمه العتيد، تيار الإسلام السياسى. يمكن القول بأنه مثلما لم تكن الثورة المصرية لتنجح دون مشاركة الإسلاميين، فإنها أيضا لم تكن لتتفجر وتنتصر بدون مشاركة التيار المدنى. لحظة الثورة هى اللحظة التى فطم التيار المدنى نفسه وتغلب على خوفه من الإسلاميين وقرر أن ينبذ هؤلاء المدنيين الذين لا يرون حياة لهذا التيار إلا من خلال التحالف مع السلطة.

 

بسقوط حسنى مبارك ودخول مصر فى انتخابات شبه حرة انتقل الصراع الأصولى/المدنى من المجال الفكرى/السياسى إلى المجال السياسى/الحزبى. كان على التيار المدنى أن يؤسس أحزابا جديدة وأن ينافس فى انتخابات البرلمان. وهنا يمكن أن نرصد الروح العملية فى قبول الأحزاب المدنية لبقاء المادة الثانية من الدستور والتى تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع. وهذا الموقف الجديد نبع من تقبل التيار المدنى لحقيقة أن موازين القوى لا تسمح بتغيير هذه المادة فى المستقبل المنظور، كما جاء من إدراك هذا التيار أن بعض دساتير الدول الديمقراطية (اليونان مثلا) تحتوى على مواد تشير إلى دين الأغلبية دون أن تمنعها تلك المواد من تحقيق تقدم كبير فى حقوق الإنسان وفى ضمان الحريات العامة والخاصة. إن التسييس المتزايد للتيار المدنى وبروز أذرعه السياسية قد أجبر هذا التيار على التخفيف من تشدده وتطهره الفكرى الذى كان يدفع به إلى مواقف غير عملية تحلم بتحقيق الفصل التام بين الدين والدولة. لأن الحقيقة أن الفصل القاطع غير موجود حتى فى أعتى الدول العلمانية. الممكن فى مصر اليوم هو ترشيد العلاقة بين الدين والدولة وتنقية المجال السياسى من التدخلات الفجة لرجال الدين. هذا الموقف العملى المدنى لا يعنى على الإطلاق التخلى عن العلمانية، لكنه يعنى أن العلمانية المصرية لكى تتقدم وتكسب مواقع تحتاج إلى احترام درجة تطور المجتمع المصرى والتى لا تسمح له بتحقيق مستوى مرتفع من العلمانية بضربة واحدة، كما تحتاج إلى احترام إرادة أغلبية الشعب التى تريد الإبقاء على علاقة ما بين الدين والدولة.  

 

وهذا الموقف العملى السياسى للتيارات السياسية المدنية لا يجب على الإطلاق أن يبطل نقد المادة الثانية من الدستور فى المجال الفكرى وبواسطة المفكرين الأحرار غير المقيدين بمواءمات المجال السياسى. وهذا الموقف العملى نفسه ليس دعوة للتراخى فى مواجهة الممارسات الفجة التى تُسخر الدين لخدمة مصالح السياسيين. على العكس، إن الروح العملية والتحرر من ضيق الأفق يفتح أمام التيار المدنى أفاق واسعة للتواصل مع الناس وكسب مواقع جديدة.

 

***

 

وهذه الروح العملية نفسها هى التى تدفع التيار المدنى اليوم إلى إدراك أن تقدم هذا التيار يرتبط بنجاحه فى نقل جانب من الصراع السياسى من ساحة الخلاف على قضايا الدين وملابس النساء إلى الخلاف حول الضرائب وتوزيع الدخل ونظافة الشوارع. فالتيارات المدنية السياسية تكون قد هلكت لو انحصر برنامجها فى الدفاع عن الدولة المدنية والتسامح الدينى. لأن المصالح الحياتية للمصريين لا تقتصر على التحرر الفكرى والإبداعى، لكنها تشتمل أيضا على لقمة العيش. لكن توسيع برنامج القوى المدنية لكى لا تقتصر على الحريات الفكرية والإبداعية شىء والادعاء بأن الانقسام المدنى/الأصولى هو انقسام مزيف ومفتعل شىء آخر. من الصحيح أن هناك أطرافا تنفخ فى الانقسام المدنى/الأصولى لتثبيت أركان سلطتها، ومن الصحيح أيضا أن انقسامات المجال السياسى تضم أيضا اليمينى/ اليسارى والثورى/المحافظ، إلخ، ومن الصحيح تماما أن من الضرورى إعادة التوازن إلى المجال السياسى بإعادة الاعتبار إلى الخلاف اليمين/ اليسارى والثورى/ المحافظ. كل ذلك صحيح ولكن ليس من الصحيح ولا من المنطقى الظن أن الانقسام المدنى/الأصولى يمكن تجاوزه بإنكار وجوده وتصويره على أن مجرد مؤامرة من المجلس العسكرى أو «أكل عيش» لأفراد ومجموعات تستفيد من وجوده. لأنه فى الواقع هناك خلافات حقيقية بين المصريين حول نمط الحياة وحول دور الدين فى الحياة العامة وحول مشاركة المرأة، إلخ، وهذه الخلافات يجب تصعيدها إلى المجال السياسى للوصول إلى حلول وسط بشأنها.

 

هذه الروح العملية التى تجتاح التيار المدنى والتى تترافق مع تراجع نسبى للتيار الأصولى فى الشهور الماضية يمكن أن تفتح آفاقا جديدة للتيار المدنى لو أحسن استغلال الفرصة ولو استطاع أن يطور من أدائه السياسى. فنمو ونجاح هذا التيار هو صمام أمن للتحول الديمقراطى فى مصر. لأن الديمقراطية تقوم على توازن القوى. ولا يمكن تخيل ديمقراطية مصرية بدون وجود قوى موازنة لتيار الإسلام السياسى. بل إن اعتدال التيار الإسلامى نفسه وتكيفه مع مقتضيات الديمقراطية يتوقف على قدرات التيار المدنى على موازنة التيار الإسلامى ومنافسته فى المجال السياسى. 

سامر سليمان  كاتب وأكاديمي مصري
التعليقات