الخميس 13 ديسمبر 2018 2:49 ص القاهرة القاهرة 15.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

هكذا قصفناهم بكل الحروف السمينة

نشر فى : الثلاثاء 15 مايو 2018 - 10:20 م | آخر تحديث : الثلاثاء 15 مايو 2018 - 10:20 م

بذل جهدا كبيرا ليشرح لى كلمات الأغنية التى تنساب من الإذاعة. كان الراديو على رأس الغيط يبث الحماسيات بلا انقطاع، ونحن نعمل ونتكلم، وننظر إلى أشجار الكافور العملاقة على ترعة الإسماعيلية القريبة.

«أخى، جاوز الظالمونَ المدى، فحقَ الجهادُ وحق الفِدا».

قال لى أبى ما يعرفه ساعتها: هناك شعب فى فلسطين اغتصب اليهود أرضه، وأسلموه للمنافى والتيه الأبدى ومخيمات اللاجئين. أضاف بيقين: لكن ما أخذوه بالقوة سنسترده بالقوة.

عشنا فى تلك السنوات نشوة المقاومة، اختطاف طائرات إسرائيلية، قتل الرياضيين فى دورة ألعاب ميونيخ، وعمليات تسلل جريئة من الحدود. كنا فى عصر الفدائيين ومنظمة فتح و«أصبح عندى الآن بندقية».

لكن القضية تاهت فى نفق القرارات الأممية، وبعد هرولة مصر إلى السلام العربى الأول مع إسرائيل. كان مجلس الأمن والمجتمع الدولى والسلام العادل الدائم أفيون الشعوب فى قضية اسمها فلسطين. «وطنى لو شُغلتُ بالخُلد عنه، نازعتنى لمجلس الأمن نفسى»، كما سخر أمل دنقل.

استمرت المذابح، ونزف الدم الفلسطينى فى لبنان وسوريا والأردن وتونس برصاص الأعداء والأشقاء.

فى جامعة القاهرة أقمنا معرض صور لمذبحة صابرا وشاتيلا. على إيقاع «زهرة المدائن» فيروز و«أناديكم» أحمد قعبور كنا نتفاءل. ننظر للجثث المتفحمة والمخيمات المحترقة، ونتفاءل. سيطلع لهم جيل لا يخاف ولا يتصالح، ونتفاءل. صنعوا بمجازرهم وحشا ماردا بلا قلب، المحارق من ورائه، والدبابة من أمامه، ونتفاءل.

ولم نكن نعرف أن كل الحكومات العربية من أربعينيات القرن الماضى إلى ما شاء العلى القدير كانت فى خدمة إسرائيل. حتى من حاربوها علنا أكلوا على موائدها فى ظلام الحانات. وفى حفل مهيب بنقابة المحامين بالقاهرة غنينا مع الشيخ إمام: «يا فلسطينية والغربة طالت كفاية». لكن كل المذابح والمهانات التى لحقت بأهل فلسطين لم تكن «كفاية»، فكانت حكاية أنهم باعوا أرضهم للمستوطنين أم المهانات التى روجناها أكثر من الأعداء.

ينقل الصحفى إريك رولو، وهو يهودى مصرى فرنسى، فى كتابه «فى كواليس الشرق الأوسط» عن وثائق إسرائيلية، أن العصابات اليهودية استخدمت الابتزاز والتهديد والإرهاب وتدمير البيوت، ومارست الطرد الجماعى والمصادرة والإعدام بلا محاكمة والمذابح لإجلاء أصحاب الأرض.

وثائق إسرائيلية رسمية تتحدث عن 31 مذبحة على الأقل ارتكبها إرهاب الاستيطان قبيل إعلان الدولة. أكثر من 80% من أهل فلسطين غادروا بيوتهم قسرا، أى نحو 800 ألف فلسطينى، ونجا 150 ألفا معظمهم مسيحيون ودروز، ليصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية فى إسرائيل، كما يقول رولو. «خاضت العصابات اليهودية حرفيا حرب تطهير عرقية ضد مدنيين عزل. وبالتوازى كانت هناك مصادرة للغنائم، فاستولى الصندوق القومى اليهودى على 300 ألف هكتار من أراضى الراحلين، الذين مات كثيرون منهم على طريق المنفى عطشا أو جوعا».

تابع التوك شو مساء الاثنين افتتاح سفارة ترامب فى القدس، وشرح ما حدث بأنه «70 سنة كلام وجلسات وبيانات لمجلس الأمن، و70 سنة قرارت للأمم المتحدة». ما حدث لم يكن طريقا ينتهى بفتح القدس رسميا على يد ترامب فى ذكرى اغتصاب الأرض، ما مضى وما سيأتى هو حقيقتنا الوحيدة، وحجمنا على هذا الكوكب.

بدأ النشيد الحماسى يومها يتوعد من الراديو: «طلعنا عليهم طلوع المَنونِ، فكانوا هباء وكانوا سُدى».

وجاء الرد لاحقا من محمود درويش: «سُدى نحن».

سدى وهباء وبلاغة فارغة. حروف سمينة نقصف بها العدو، ونعارض بها الأنظمة، فتنتظم أنفاسنا.. وننام.

محمد موسى  صحفي مصري