الثلاثاء 17 يوليو 2018 6:15 ص القاهرة القاهرة 25.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تجد فرنسا تستحق لقب كأس العالم 2018 ؟

عنقود العنب.. بين عثمان بن عفان والليث بن سعد

نشر فى : الجمعة 15 يونيو 2018 - 9:55 م | آخر تحديث : الجمعة 15 يونيو 2018 - 9:55 م

كان أبوه صالحا فرأى عدة مرات أن ظهره قد تحول إلى عنقود عنب كبير يأكل منه الناس ويقولون بعدها: «الله.. الله»، شغلته الرؤيا فقيل له: سيكون من صلبك عالم من علماء القرآن فلا يقال «الله» إلا للقرآن، اهتم بطفله الذى لم يجاوز العامين، وأوصى زوجته باستكمال طريقه مع القرآن عندما شعر بدنو أجله.

كان فقيرا ومجتهدا ومحبا للقرآن، كان يسير 5 كم من قريته شبرا النملة إلى طنطا سيرا على الأقدام ليوفر لأمه من مصروفه القليل.

منحه الله منحا لم يعطها أحدا فى عصره وزمانه وتنزلت عليه جوائز السماء تترى، فإذا كان عثمان بن عفان قد حفظ القرآن مكتوبا بعد أن كاد أن يضيع، فإن شيخنا الرائع كان أول من حفظ الله به القرآن تلاوة وسماعا ونطقا.

فالقرآن حفظ مرتين مرة بالصحابى الحيى الخلوق عثمان بن عفان ومرة بشيخنا الحصرى الذى أراه يشبه عثمان بن عفان فى الحياء والخلق والكرم والجود.

فقد كان شيخنا لا يقطف شيئا من ثمار حديقته إلا وأهدى لجاره المسيحى زكى بطرس منها، وكان يهدى كل زواره مصحفا، أما الفقراء واليتامى فكان يضع لهم النقود الورقية داخل المصحف فلا يشعر أحد من الجالسين بصدقته مستنا بسنة الليث بن سعد الذى كان يضع الدنانير تحت المهلبية «الفالوذج» لطلابه الفقراء، فيأكلونها ويجدون الدنانير تحتها.

وخصص شيخنا غرفة فى فيلته للشيخ عبدالفتاح القاضى نائبه فى لجنة تصحيح المصاحف لأنه كان من دمنهور.

وكما رأى عثمان بن عفان الأمصار البعيدة تختلف على القرآن فحفظه بنسخته الفريدة الرائعة، كذلك رأى شيخنا أن بلاد آسيا وإفريقيا تنطق الآيات خطأ فأصدر أول مصحف مرتل ومجود، ذهب قبله للعالم كله وعرف به العالم كله، ثم سجله بكل الروايات بعدها مثل ورش وحمزة وقالون، ولما سألوه فى البلاد المختلفة عن أئمة القرآن هؤلاء، كتب عنهم كتابا رائعا.
كان يسمى نفسه «خادم القرآن الكريم» وكان قمة فى التواضع مع القرآن والناس.

كان يحب الشجرة التى حفظ عندها القرآن وهو صغير فى قريته فإذا عاد إلى قريته بعد أن بلغ العالمية فى الشهره ينزل من سيارته عندها ويقف عندها أو يجلس مليا، ويرفض أن يمر عليها راكبا، ومن تعظيمه لها اشترى هذه الأرض وبنى عليها مسجده والمعهد الأزهرى فى «شبرا النملة» قريته.

وهو أول من رتل وجود القرآن فى الحرمين الشريفين فى مكبرات الصوت، وهو الوحيد فى التاريخ الذى سمح له ملك السعودية وقتها أن يقرأ فى الحرمين الشريفين فى أى وقت يصل إليهما.

وكان شعاره الأثير«لا هم مع الله»، وكان ينادى الفقراء والعمال بكلمة «عم فلان» ويعاقب أولاده إذا لم يفعلوا ذلك، وحينما يلومه البعض فى تبسطه مع الفقراء واليتامى يرد عليهم بالحديث الشريف «إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم».

وحينما كان يقرأ فى المسجد النبوى يتفاعل مع القرآن تفاعلا رائعا وكأنه يتلقاه مباشرة من النبى أو من جبريل عليهما السلام.
وهو أول من قرأ القرآن فى الكونجرس الأمريكى حيث صفقوا له طويلا، واحتفى به جيمى كارتر الرئيس الأمريكى الأسبق وكان حكيما وعاقلا وليس مثل ترامب رئيس الابتزاز الأمريكى.

وكان إذا طلب منه أحد البسطاء عباءته يخلعها ويعطيها له وكأنه يحاكى النبى «ص» فى كرمه.

وطلبت منه أمه يوما رؤية شقيقته المتزوجة فى آخر القرية فى يوم ممطر عاصف فما كان منه إلا أن حملها على كتفه وحمل الكلوب «مصباح قديم» بيده الأخرى إرضاء لأمه وتلبية لرغبتها، وكان يخدم أمه بنفسه بعد أن كبرت حتى ماتت، ويساعدها فى الاستحمام ويصفف لها شعرها، وهو الذى حمل هم أسرته كلهم وأكرم وفادتهم.

وهو أول من طاف العالم كله ليسمعهم القرآن، وهو أول من قرأه فى روسيا حتى أبكى الناس هناك الذين طحنتهم الشيوعية وقهرتهم بإلحادها، فإذا بروسى يقبل عليه مسرعا والشيخ لا يفهم ما يريد حتى قال له المترجم: إنه يريد تقبيل هذا اللسان الذى تحرك بهذا القرآن الجميل، وذلك من شدة وجد الرجل وعاطفته.

وحينما تأملت حياة الشيخ الحصرى وجدت تشابها كبيرا فى فكره وحياته مع الصحابى الجليل عثمان بن عفان فقد اجتمعا فى حفظ القرآن والكرم والحياء وصلة الرحم وبر والدته، وإذا كان عثمان بن عفان قد ترك لفقراء المسلمين بئر رومة كحسنة جارية بعد أن اشتراها بحر ماله ووهبها للمسلمين، ثم جاء بعض الأوباش فى آخر حياة عثمان بن عفان رمز الكرم والحياء فحاصروه ومنعوه من أن يصلى فى المسجد النبوى الذى وسعه بحر ماله أو أن يشرب من بئر رومة التى أهداها للمسلمين.
كما أن هناك تشابها كبيرا بين خصال الشيخ الحصرى والليث بن سعد أعظم علماء مصر سواء فى حسن المظهر والعطر وطريقة الاهداء للفقراء أو رعاية التلاميذ والتواضع معهم.

الليث بن سعد كان أسطورة فقهية ولكن مصر كعادتها لم تهتم بفقهه رغم أنه كان أفقه من مالك، وكذلك لا تهتم اليوم بالشيخ الحصرى الذى طاف الدنيا كلها بعلمه وفضله وصومه.

رحم الله الشيخ الحصرى الذى جمع خصالا لم تجتمع لقارئ حيث كان قارئا وعالما بالقراءات وعلوم القرآن ومقرئا ومحفظا، ولعل المشروعات الخيرية التى أقامتها أسرته الفاضلة من بعده تعد أثرا لبركاته وصلته العميقة بالله سبحانه.

سلام على الشيخ الحصرى فى العالمين وسلام على أهل القرآن فى كل زمان.

التعليقات