الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 12:15 م القاهرة القاهرة 27.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

كلام فى الصحافة والسياسة:هل قرأت سلامة اليوم؟

نشر فى : الإثنين 16 يوليو 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 16 يوليو 2012 - 8:00 ص

قبل نحو أربع سنوات لفتت ظاهرته نظر الفقيه القانونى الدكتور «حسام عيسى» فكتب مقالا بديعا فى جريدة «العربى» عنوانه يشى بموضوعه: «هل قرأت سلامة اليوم؟».

 

الناس تنتظر ما يكتب يوميا فى «الأهرام»، والقضايا الجديدة التى يثيرها تدخل فورا فى صلب الجدل العام.. مصر تقرأ و«سلامة» كاتبها.

 

عند كتابة تاريخ هذه الحقبة المليئة بالتحولات والتحديات والمعارك فإن «سلامة أحمد سلامة» حاضر فيها ومؤثر فى تفاعلاتها. إنه أحد القادة الكبار للرأى العام ولكن على طريقته الخاصة، عقلانيا ونافذا فى الوقت نفسه. هذا الدور لعبه باقتدار على مدى سنوات طويلة «لم يتصالح أبدا فيها مع السلطة»، على ما قال «عيسى»، مستقيا العبارة ذاتها من «كارل ماركس» فى وصف «جان جاك روسو». تأثر «سلامة» يومها أن تضاهى استقامته الفكرية بفيلسوف الثورة الفرنسية.

 

هو كاتب يزن كلماته ولكل حرف عنده حساب، عقلانيته تقوده إلى مواقفه، وموضوعيته صنعت مكانته. لم يكن معارضا بالمعنى المتعارف عليه، لا عضوا فى حزب ولا منتميا لتيار. إنها قضية الضمير إذن. رجل متسق مع نفسه عنده رضا بحظوظه فى الدنيا، لم يصارع على منصب هو يستحقه، ولم يتنازل عن قضية يعتقد فيها.

 

لسنوات طويلة عاش فى الظل داخل صالات تحرير صاحبة الجلالة.. كان من صناع الصحف ولم يكن من نجومها. طبائعه الشخصية دعته إلى شىء من التوارى إلى أن بدأ يطل على الناس «من قريب»، وهو اسم عاموده اليومى فى صحيفة «الأهرام». خامرته فكرة أنه يكتب للقارئ بالقرب من حركة الأحداث المتدافعة وأسرار كواليسها، وربما اكتشف لاحقا أنه يكتب فعلا من قريب، قريبا من الضمير وقريبا من القارئ، وألزم نفسه بهذا الاختيار حتى النهاية. نجح فى كسر الحواجز مع القارئ واكتسب ثقته وملأ بجدارة فراغا هائلا خلفه غياب الكاتب الكبير «أحمد بهاءالدين» فى التسعينيات. احتذى المدرسة نفسها فى طرائق التعبير وإحكام الصياغة والخوض مباشرة فى الموضوع.. مدرسة «السهل الممتنع» مع شيوع روح العقلانية فى فحوى المقال نفسه.

 

«بهاء» و«سلامة» كلاهما عقلانى، يلزم نفسه بالموضوعية بقدر ما يستطيع، يسند آراؤه بحجج يحاول أن يقنع قارئه بها، أو أن يشاركه القارئ الأفكار ذاتها.

 

«بهاء» بداخله فنان كامن يميل إلى القضايا ذات الصلة بالمعمار والتراث والحضارة، وأكثر إطلاعا على العالم العربى وقضيته المركزية فلسطين.. و«سلامة» بداخله فيلسوف كامن يميل بطبيعة اهتماماته إلى تأمل مجريات الأحداث وأكثر إلماما بأوروبا وعلاقاتها المتشابكة مع مصر. إنها ذات المدرسة بوجوه مختلفة.

 

هذه مدرسة تتباين فى فنياتها وأدواتها مع مدرسة الأستاذ «محمد حسنين هيكل»، فالأخيرة تعتمد على «الوثيقة» و«الخريطة» و«الصورة» كأدوات رئيسية لتحليل وتفكيك المشهد السياسى استنادا إلى المعلومات المحققة.. «الوثيقة» تروى القصة و«الخريطة» تحدد المسرح و«الصورة» تكشف الخفايا. إنها مدرسة الاقتراب غير المباشر، أن تحسم قضيتك بمعلومات لا سبيل إلى التشكيك فيها أو الطعن عليها، وأن تنهى الحرب من خلف خطوط العدو، التعبير لـ«هيكل» نفسه مستمدا من فنون الحرب عند «ليدل هارت».

 

أخذ «سلامة» من «هيكل» ولعه بالمعلومات والأخبار واتساع أفق الاطلاع على العالم.. وتأثر بـ«بهاء» فى فنيات كتابة العامود اليومى. ليست هناك معلومات موثوقة عن صلة «سلامة» مع «بهاء» وقد جمعهما «الأهرام» تحت رئاسة تحرير الثانى.. أما علاقة «سلامة» بـ«هيكل» فهى مشهودة، هو صديقه الأقرب إليه. وعندما نعاه استخدم عبارة لم يسبق أن اعتمدها فى أى نص مكتوب أو منطوق: «لقد أحببته». لـ«سلامة» فى كتاباته طابع إنسانى يسرى ولا يفصح، ولعل ذلك من تأثيرات «هيكل» عليه.

 

فى الصحافة، تماما مثل الإبداع: «لا أحد امتداد لآخر». «سلامة» مضى بأدوات مختلفة إلى عالمه الصحفى متأثرا بـ«هيكل» ومقتديا بـ«بهاء»، لكل شخصيته الفريدة وتجربته الخاصة. «بهاء» جاء من مدرسة «روزاليوسف» وفكرة حرية الرأى رئيسية فيها.. وقد احتضن مواهب وكفاءات قدر لها أن تلعب أدوارا لامعة فى الصحافة المصرية. إنها مدرسة «الهواء الطلق» بعبارة «كامل زهيرى» التى كانت ترى أن «الموهبة كالجريمة» لابد أن تكتشف.. و«سلامة» جاء من مدرسة «الأخبار» الشعبية، ولكنه لظروف عمله مديرا لمكتبها فى ألمانيا لم يتأثر كثيرا بروحها العامة أو طرائقها فى صياغة التقارير والعناوين وتوضيب الصفحات وظل أقرب إلى مدرسة «الأهرام» المحافظة التى انتقل إليها على عهد «هيكل».

 

«روزاليوسف» أتاحت لـ«بهاء» وجيل كامل من الصحفيين فرصة الكشف عن مواهبهم مبكرا، وهو ما لم تتحه «الأخبار» و«الأهرام» تاليا لـ«سلامة» إلا فى وقت متأخر نسبيا. انتزع فرصته بموهبته، وعندما جاءته أثبت جدارته، وفى السنوات العشر الأخيرة قبل الثورة أصبح «سلامة» باليقين الكاتب المصرى الأول، كان الأكثر تأثيرا، وتأثيره واصل إلى قطاعات جديدة فى الرأى العام، كانت تجربته الإنسانية نضجت وموهبته المهنية اكتملت ودوره على مسارح الصحافة جاء وقته. وعندما أخذ هامش الحريات الصحفية يتسع فى تلك السنوات حمل «سلامة» مع كوكبة من كبار الكتاب مهمة نقل الهامش الواسع إلى الصحافة القومية، وأفضت «تجربة الحرية» إلى مضايقات تعددت وضغوط سلطة دعته إلى مغادرة «الأهرام».

 

فى هذه الآونة تأكدت قيمة «سلامة» الذى ترأس تجربتين مهمتين. الأولى، مجلة «وجهات نظر» والفكر السياسى قضيتها.. والثانية، صحيفة «الشروق» والمتابعة الخبرية طبيعتها، ولكن ظل السؤال على حاله: لماذا لم يرأس تحرير «الأهرام»؟. إنه سؤال الاستحقاق، وهو الأحق.. وفيه استنكار أن الحق لم يصل إلى أصحابه، والاستنكار فى محله.

 

فى سؤال الاستحقاق حقائق تتجاوز الأشخاص وآثار تمتد حتى الآن. فالصحافة القومية مملوكة لمجلس «الشورى»، وهذه بدعة لا مثيل لها فى العالم كله، والملكية شكلية، فالأمن صاحب الأمر والنهى داخلها. تحولت المؤسسات القومية إلى عزب وأبعديات وشهدت فسادا بلا حد أفضى إلى تخريب منهجى فى دور الصحف القومية التى تكلست وسحقت قياداتها المزمنة أجيالا متعاقبة من المواهب الصحفية. قال الرئيس السابق «مبارك» لقيادة صحفية فى مؤسسة كبرى: «أنت باق طالما أنا هنا».. واستمرت رئاسة الاثنين لمصر والمؤسسة ثلاثة عقود متصلة. وكانت تلك فضيحة كبرى انهكت البلد وجرفت كل شىء فيها، ودفع جيل «سلامة» وأجيال أخرى تلته الثمن فادحا. لم يكن مطروحا أن يصعد «سلامة» إلى ما يستحق، فللصعود أثمانه، وللأثمان صدامات مع خيار الضمير.

 

قبل الثورة كان يجرى اختيار رؤساء التحرير بتقارير من «أمن الدولة» و«الأمن القومى» و«الرقابة الإدارية» بعد ترشيحات من مراكز قوى فى بنية النظام.

 

فى آخر تلك التعيينات كان لـ«صفوت الشريف» رئيس مجلس «الشورى» فى ذلك الوقت مرشحه لرئاسة مجلس إدارة صحيفة قومية كبرى وكان لـ«جمال مبارك» نجل الرئيس السابق ترشيح آخر. فى الاجتماع الحاسم بقيادة «مبارك» بادر وزير الإعلام «أنس الفقى» بطرح اسم مرشح لجنة السياسات مشفوعا بأنه «كاتب ومفكر»، ردد بعده «مبارك» الكلمتين بالنص.. سارع «صفوت الشريف» بدهاء من يعرف اتجاه الريح وأصول اللعبة: «لا كلمة بعد كلمة الرئيس. حُسم الأمر». هذه الآليات الأمنية والشللية والملتوية لا يصح أن تتكرر الآن، أو أن يعاد إنتاج النظام السابق بطرق أخرى.

 

إعادة الاستنساخ تفضى بطبيعتها إلى إهدار الفرصة الأخيرة فى تصحيح مسار الصحافة المصرية، وتدخلها نفقا أشد إظلاما.

 

إعادة الاستنساخ تؤدى مجددا إلى إبعاد الكفاءات الحقيقية داخل المؤسسات القومية عن الوصول إلى ما تستحق مثلما حدث تماما مع الراحل الكبير «سلامة أحمد سلامة».