الأربعاء 18 يناير 2017 6:00 ص القاهرة القاهرة 10°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في حالة استفتاء الشعب على ضم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بم ستصوت؟

فى زمن «اللا منطق»

نشر فى : الأحد 15 نوفمبر 2015 - 12:15 ص | آخر تحديث : الأحد 15 نوفمبر 2015 - 9:18 ص
بحكم توقيتات الطباعة، كان هذا المقال معدا للنشر قبل أن تصدمنا أخبار الدماء «البريئة» التى أريقت فى باريس، والتى أخشى أن يلحقها لدينا فهما وتحليلا، مرض «اللا منطق» ذاته، عجزا أو قصورا أو استثمارا فى الدماء «لغرض فى نفس يعقوب». ولهذا رأيت أن يأخذ المقال طريقه المعتاد إلى هذه الصفحة، على أن أكتب «فيما جرى فى باريس» الأحد المقبل بمشيئة الله.
Dali
Salvador Dalí, 1931
عندما أيقظتني الزميلة المحررة في إحدى الصحف «المصرية جدا» تطلب مني التعليق على «مؤامرة الإعلام الغربي» على مصر(!) والدور الذي يجب أن يلعبه الإعلام المصري في حملة مضادة تستهدف إعادة السياح «الغربيين» إلى الشواطئ المصرية، لم أستغرب أن مسئولي الجريدة يتصورون أن السائح الغربي يقرأ جريدتهم التي تُنشر باللغة «العربية» والتي تصل نسخها بالكاد إلى القارئ المصري الذي يسكن خارج العاصمة، كما لم أستغرب بالطبع أن تصدق الزميلة أن الإعلام الغربي يخضع لتعليمات تأتيه بالهاتف من هذه الحكومة أو تلك، أو من «الأجهزة السيادية» هناك. فالمرء على ما اعتاده.. وهذا المنطق، أو بالأحرى «اللا منطق» بات من علامات المرحلة..
***

فى زمن «اللا منطق»، نسمع عن «إخوان» فى الحكومة البريطانية، ونتحدث عن «المؤامرة الغربية»، ثم لا نسأل لماذا أصدر الصديق الروسى قراراته الصادمة

في زمن «اللا منطق»، يدعوك إعلام التعبئة إلى الاصطفاف أمام المؤامرة «الغربية»، متجاهلين حقائق من قبيل أن أمريكا «المتهمة عند هؤلاء بأنها رأس المؤامرة» لم توقف رحلاتها ولم ترحل مواطنيها، وإنما الذي فعل هو بوتين / روسيا التي لم تكتف كبريطانيا مثلا بحظر الرحلات إلى شرم الشيخ، بل أصدر الصديق الروسي «اللا غربي» وغير المتآمر قرارا بحظر الرحلات الروسية إلى سائر مطارات مصر.

في زمن «اللا منطق»، نسمع عن «إخوان» في الحكومة البريطانية (!) وتقول لنا إحدى الصحف أن حكومة لندن أجلت رعاياها بعد ضغوط حزب العمال الموالي للإخوان. ولكنها لا تقول لنا لماذا إذن أجْلت روسيا رعاياها. ولماذا أصدر الصديق بوتين «الذي لا ينتمي لحزب العمال البريطاني» قرارا أكثر تطرفا بحظر الرحلات الجوية إلى مطارات مصر «كافة»؟! (ذهبت روسيا بعيدا بعد ذلك بأن أصدرت الجمعة قرارا بحظر هبوط طائرات «مصر للطيران» في مطاراتها).

عندما يغيب المنطق، لا يهتم الناس بالبحث عن السبب وراء انفجار الطائرة، وبالنتائج المترتبة على ذلك، وبكيف نتعامل مع العالم «بمنطق» علمي يفهمه، حتى نحاصر الخسائر المتوقعة لما جرى، بل عندما يغيب المنطق، ينشغل الناس بالصراخ «امسك مؤامرة» وينشغل إعلام «التعليمات الهاتفية» بالحديث عن اصطفاف لم أفهم ما هي خطة «العمل على الأرض» التى يقترحها، عدا الصراخ ودق الطبول «المجوفة». 

عندما يغيب المنطق، لا يلتفت الناس / كما الحكومات إلى خطورة غياب «المصداقية». وألا يأخذ سامعوك ــ مسئولين كانوا أو إعلاميين ــ كلامك على محمل الجد. وكيف لهم أن يأخذوه هكذا، إذا كانوا يستمعون لك تقول غالبا ما يكذبه الواقع على الأرض.

عندما يغيب المنطق، تغيب المصداقية. وعندما تغيب المصداقية، نصبح جميعا في خطر.

***

عندما يغيب المنطق، سيتصور البعض أنك من الغفلة بحيث تصدق أن ما جرى مع حسام بهجت «الصحفي الاستقصائي ذي السمعة الدولية» متزامن مع ما جرى لناشر جريدة «علا صوتها» لا سبب له غير ما قالته لنا البيانات الرسمية. وأن يأتي ما جرى للرجلين بعد أيام فقط من شكوى الرئيس من الإعلام هو محض مصادفة. كما أن تزامن ما جرى للناشر مع هذا المانشيت أو هذا المقال أو الحوار المنشور في جريدته، هو أيضا مجرد مصادفة. حتى لو أن إعلاميا معبرا عن هذا النظام كان قد هدد الناشر علنا قبل الواقعة بأيام بما يعني أنه «سيدفع ثمن ما تنشره جريدته»

عندما يغيب المنطق، ستصدق أن التقاط صورة للرجل «مكبلا» بالمخالفة للقانون، هو أيضا من قبيل المصادفة. وأن تظهر الصورة هكذا في وسائل الإعلام دون أن نعرف من أرسل بها، هو أيضا كذلك. وليست رسالة لذوي العلاقة «وإلى من يهمه الأمر».

عندما يغيب المنطق (بل وأشياء أخرى) لن تعرف أبدا. لماذا «فجأة» تم التحفظ على أموال ناشر «المصري اليوم»،  ولماذا ألقي القبض عليه هو ونجله (الذي يتولي إدارة الجريدة) في ساعة واحدة، وفي مكانين مختلفين. ثم لماذا أُلغي قرار التحفظ، وأفرج عنهما في يوم واحد أيضا رغم أن القضيتين مختلفتان. بل وقبل ذلك كله، فعليك أن تسأل، إن كنت تعتقد أنك تعيش في «دولة»، أو ما زلت رغم كل ما يدور حولك تحتفظ برأسك في مكانه: من الذي أصدر أصلا قرار إلقاء القبض عليه وتصويره مكبلا (بالمخالفة للقانون) بعد أن تنصلت الأجهزة ذات العلاقة من مسئولية ما جرى.

***


عندما يغيب المنطق، يمكنك أن تصدق أن ما جرى مع صحفى بارز وناشر لجريدة «علا صوتها»، بعد أيام فقط من شكوى الرئيس ـ لم يكن أكثر من مجرد مصادفة

عندما يغيب المنطق، يصبح من الطبيعي أن نصدق أنك تحارب «الإرهاب» بأن تمنع جمال الجمل عن الكتابة عقابا على مقالاته عن «دولة العباسيين»، بالضبط كما صدقنا إبعاد باسم يوسف ومن على شاكلته عن شاشات التلفزيون. 

وعندما يغيب المنطق، يرضى الناس بأن تنشر وكالة الأنباء «الرسمية» صفحات مما تقول إنه محاضر تحقيق فشل محامو المتهمة أصلا في الإطلاع عليها. ناهيك عن الرأي «المنطقي» فيما نشر من «حكايا» وتفاصيل. (عن ما جرى مع إسراء الطويل أتحدث).

عندما يغيب المنطق لا تستغرب أن يقول بيان رسمي إنهم ضبطوا الخلية الإخوانية المسئولة عن «غرق الإسكندرية..». بالضبط كما لم يتردد بيان رسمي سابق أن يحمل فردا واحدا اسمه «حسن مالك» مسئولية ما جرى وقتها من تخفيض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار (!). الأمر الذى لن تستغرب معه أن تنشر جريدة حكومية مانشتا يقول بأن «تحقيقات النيابة تؤكد العثور على نصف مليار دولار في منزل حسن مالك» ثم نعلم في اليوم التالي مباشرة أن الدولارات التي وجدها رجال الضبط لم تتجاوز الـ ١٥ ألف دولار.

ما رأيناه من «غياب للمنطق» فيما نقلته الصحف عن مسألة حسن مالك، قد لا يختلف كثيرا عما جرى مع الباحث والصحفي المخضرم صاحب الفضل على جيل كامل من الصحفيين المصريين؛ هشام جعفر ــ رئيس مجلس أمناء مؤسسة «مدى» التنموية، وكبير خبراء المركز الإقليمي للوساطة والحوار، وصاحب التجربة المهمة فيما بات يعرف «بتجديد الخطاب الدينى» والتي امتدت لعشر سنوات كاملة في مواجهة الفكر المنغلق النافي للآخر والداعى للعنف، والذي يَعرف فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر جيدا، فضلا عن أقباط هذا الوطن جهدَه الدافع والمشارك في نشاطات الأزهر لضمان الوفاق الوطني ووأد الفتنة الطائفية. إذ فاجأتنا «البيانات الرسمية»، فوجهت إليه التهمة سابقة التجهيز «الانتماء إلى الإخوان المسلمين» رغم ما يعلمه القاصي والداني مما كان بينه وبين الإخوان من صدام وصل إلى حد إماتة مشروعه الفكري والمهني بعد معركة مشهودة جرت أحداثها صيف ٢٠١٠ (هنا رابط لبعض كتابات هشام جعفر)

عندما يغيب المنطق، يتصور البعض أن العدل إذا غاب، يمكن للأمن أن يستقر. وينسى الذين يحدثونك كل يوم عن «الدولة» أن العدالة إحساس، لا مجرد إجراءات وقوانين. وأنه إذا شاع الإحساس بغياب العدل، سيلجأ الناس إلى وسائلهم الخاصة لاقتضاء حقوقهم «أو ما يتصورون أنه حقوقهم». وساعتها يصبح مفهوم «الدولة» ذاته في خطر.

***

عندما يغيب المنطق، لا تستغرب الأسماء والصور التى تصدمك لقوائم المرشحين لعضوية البرلمان. ولا طبعا قوائم الناجحين. كما « قد يصبح غريبا أن تستغرب» أن أول من وجد طريقه لعضوية البرلمان لا يخفى عداءه لـ ٢٥ يناير التى ينص عليها الدستور الذى بموجبه جرى انتخاب «النائب المحترم» (!)     

عندما يغيب المنطق، تدعو السلطة الناس للتصويت للدستور، فيحصل على ٩٨٪ من أصوات الناخبين، ثم تخرج أصوات برلمانية وإعلامية من رحم السلطة «ذاتها» لندعو لتعديل الدستور. 

عندما يغيب المنطق، تتجاهل السلطة «التنفيذية» أن التشريع هو وظيفة البرلمان، فلا تتردد فى إصدار ما يزيد على ٣٠٠ قانونا سيعجز البرلمان «عمليا» عن مناقشتهم فى المهلة الدستورية المحددة لذلك، ثم ينسى الناس أن البرلمانات لم تُخترع إلا «لمراقبة أعمال السلطة التنفيذية» ــ المادة ١٠١ من الدستور، فلا يتردد البعض فى المناداة علنا ببرلمان «يدعم الرئيس» الذى هو تعريفا رأس السلطة التنفيذية. 

في زمن اللا منطق يصدر قرار جمهوري في يوليو ٢٠١٣ بتعيين عصام حجي (العالم في وكالة ناسا حسب وصف الرئاسة) مستشارا لرئيس الجمهورية. ثم في أكتوبر ٢٠١٥، وفي «الدولة» ذاتها نقرأ في الصحف «الرسمية». أنه لأسباب أمنية تم منع عصام حجي «ذاته» من إلقاء محاضرة عن «اكتشاف المريخ» في جامعة الاسكندرية.


***

عندما يغيب المنطق، نتصور أن بإمكاننا أن نحارب التطرف والإرهاب، بالفكر ذاته الذى تَعَيَّش عليه التطرف والإرهاب.. «إنكار الآخر»

عندما يغيب المنطق، تتحدث عن حرية العقيدة، وتنص عليها في الدستور (المادتان ٥٣، ٦٤)، ولكنك في الوقت ذاته تنشط فى ملاحقة المختلفين بتهمة ازدراء الأديان. كما لا تجد غضاضة «دستورية» في أن تصدر قرارا رسميا بإغلاق ضريح الإمام الحسين ليومين «منعا للأباطيل الشيعية».

عندما يغيب المنطق، تملأ الدنيا صياحا ومظاهرات لأن دولة أوروبية منعت إقامة المآذن (لم تمنع إقامة المساجد أو الصلاة) ولكنك في الوقت نفسه، تمنع الناس من أن يؤدوا صلواتهم في بيت أحدهم إن عز عليهم أن يبنوا كنيسة. 

في دولة «اللا منطق»، لا يعجب البعض حديثك عن المواطنة والمساواة واللا تمييز، أو عن ضرورة احترام دستور وافق عليه ٩٨٪ من المواطنين.

عندما يغيب المنطق نتهم المتطرفين بمصادرة الفكر وحرق الكتب، ثم نروج نحن للمكارثية ومصادرة الفكر ونحتفل بحرق الكتب (مع خلفية موسيقية من الهتافات والأغنيات الوطنية).

عندما يغيب المنطق، نتصور أن بإمكاننا أن نحارب التطرف والإرهاب، بالفكر ذاته الذي تَعَيَّش عليه التطرف والإرهاب.. «إنكار الآخر».

***

عندما يغيب المنطق، ينجح غاسلو الأدمغة على الجانبين فى أن يقنعوك بالمعادلة الكاذبة «إما نحن وإما هم»

في زمن اللا منطق ينجح الجوبلزيون في إقناعك إن انتقدت قمع النظام محذرا من نتائج استبداده على الدولة والمستقبل بل والنظام ذاته، فأنت إخواني «إرهابي». وإن انتقدت الإخوان وما ذهبت إليه بنا «وبهم» ثقافتهم العقيمة القائمة على السمع والطاعة فأنت «انقلابي».

عندما يغيب المنطق، ينجح غاسلو الأدمغة على الجانبين في أن يقنعوك بالمعادلة الكاذبة «إما نحن أو هم». وكأن قدرك أن تختار بين بديلين يعيشان خارج العصر والزمان.

عندما يغيب المنطق، يخرج من الإخوان من يسب بلال فضل، وباسم يوسف، وكاتب هذه السطور، وغيرهم لا لسبب إلا لتبنيهم «رأيا مخالفا».  في حين أن من الإخوان أنفسهم من يعاني الظلم والقمع والتمييز لا لسبب إلا لتبنيهم «رأيا مخالفا» (!)

عندما يغيب المنطق، تقول الدعاية الموجهة عن يساريين وليبراليين ومواطنين عاديين أنهم «إخوان» ومن ثم عملاء. ولا تتورع صفحات التواصل الاجتماعى لمن يقولون أنهم «إسلاميون» عن أن تنحدر إلى مستوى صفحات لغيرهم فتمتلئ هذه مثل تلك بالسباب واللعان والكذب والافتراء والخوض في أعراض الناس. وينسى هؤلاء وهؤلاء «إنَّ الرَّجُلَ لَيتكلَّمُ بالكلمةِ ما يرى بها بأسا يهوِى بها فى النَّارِ سبعينَ خريفا» رواه أبو هريرة ـ البخاري ٣٢٣

***

وبعد..

ففي زمن «اللا منطق» يصبح طبيعيا أن يقذفونك بالحجارة لأنك تُنادي باحترام الدستور «الذي وافق عليه الناس بنسبة تتجاوز الـ ٩٠ بالمائة». يهاجمك مرضى الاستقطاب، أو بالأحرى المتعيشون عليه بأنك تريد «هدم الدولة». والأنكى أنك تسمع هذا؛ صريحا أحيانا ومتواريا فى معظم الأحايين من مسئولين يعتقدون، أو يقولون بأن المطالبة بحقوق الإنسان / المواطن المنصوص عليها فى الدستور «مؤامرة غربية تستهدف هدم الدولة ومؤسساتها». وينسون، رغم مقامهم الرفيع، أن «الدولة» تعريفا: هى ذلك الكيان الذي يقوم على عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين أناس يعيشون على أرض بعينها وسلطة ارتضوها لتنظيم شئونهم (.. إلى آخر التعريف). كما ينسون ــ أو يتناسون ــ أن العقد الاجتماعى في حالتنا تلك اسمه «الدستور».

في زمن اللامنطق، يفترض الإعلام الموجه في جمهوره الغباء، فلا يكتفى بالترويج لجهاز وهمي لعلاج الأمراض المستعصية، بل ولا يتردد في أن ينشر أخبارا عن «أسر قائد الأسطول السادس»، وأن يأتي باستراتيجيين يحكون لنا حكايا ما قبل النوم؛ عن «مجلس إدارة العالم» الواقف وراء المؤامرة.

فى دولة اللا منطق، تُستَدعى الخرافة. ويزداد صخب طبول الزار ويتمايل الناس مخدرين بعد أن أفقدتهم الهستيريا اتزانهم. وكما فى كل زار، يهز الناس رءوسهم بعنف. ولا تسكت الطبول إلا عند مشهد النهاية. عندما نسقط جميعا إلى الأرض.   

نسأل الله الهدوء.. والهداية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

ـ ماذا جرى للمصريين (١)

ـ ماذا جرى للمصريين (٢)

ـ  بين المطرقة والسندان .. المعادلة الصفرية

 

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات