الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 3:33 ص القاهرة القاهرة 16.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

الثقافة التى أنتجت حمو بيكا

نشر فى : الخميس 15 نوفمبر 2018 - 12:05 ص | آخر تحديث : الخميس 15 نوفمبر 2018 - 12:05 ص

هل من الشهامة والأخلاق والذوق والأدب، أن تشتم أو تسب أو تحتقر أى شخص، لمجرد أنه من بيئة اجتماعية فقيرة، أو أنه عمل فى بعض المهن التى يصنفها البعض جهلا بأنها متدنية؟!.
فى قصة الجدل الدائم حول مطرب المهرجانات محمد محمود أو حمو بيكا الكثير من العبر والعظات والدروس، التى تكشف جانبا كبيرا من النفاق، والمعايير المزدوجة السائدة فى هذا المجتمع.
أفهم أن يختلف البعض مع حمو بيكا وأمثاله من مطربى المهرجانات فى نوعية الفن الذى يقدمونه، لكن أن يتحول الأمر إلى سخرية من الشخص والبيئة التى أفرزته والمهن التى عمل بها، فهذا أمر يدعو للدهشة، وللفزع من المصير الذى يمكن أن نصل إليه، مع هذه النوعية من التفكير المريض!.
خلال الخناقة حول إقامة مهرجان غنائى لحمو بيكا تحت عنوان «وش غضب» فى أكثر من مكان بالقاهرة والإسكندرية، والتى أوقفتها أجهزة الأمن، بدأ كثيرون ينبشون فى حياة هذا المطرب الذى تعدت نسبة مشاهدات أغنيته على اليوتيوب أكثر من عشرة ملايين مشاهدة خلال شهر واحد.
النبش والتنقيب فى حياة المشاهير حق طبيعى للناس ولوسائل الإعلام، لكن هناك خيطا رفيعا بين ذلك، وبين إهانة الناس والسخرية من فقرهم وأصولهم.
من حق أى شخص أن يرفض أغانى حمو بيكا وأمثاله، فهذا أولا حق شخصى، وثانيا لأنها ربما تساهم فى انحطاط الذوق العام، لكن أن يتطور ذلك إلى السخرية والتحقير والإهانة، فهو أمر غريب!!. غالبية الذين فعلوا ذلك، هم الذين يملأون الدنيا صراخا عن احترام التنوع والتعدد والمساواة بين الجميع وقبول الآخر.
لكننا للأسف رأيناهم يتبادلون صورا لحمو بيكا حينما كان يعمل جزارا، أو سائقا على سيارة كسح مجارى. من حق الصحف أن تنشر ذلك، لكن ليس من حق أحد أن يسخر منه.
هذا الشاب الثلاثينى لم يكذب أو يدعى أو يختلق شيئا. هو تحدث بفخر عن أصوله وأسرته التى ما تزال تعيش فى حى الدخيلة بالإسكندرية.
قال: «تم فصلى من المدرسة وأنا فى أولى ابتدائى لأنى عضيت المعلمة، كنت لسه طفل صغير ولا أعرف شيئا، وأهلى ناس بسطاء لم يجبرونى على إكمال تعليمى. وهكذا خرجت من أولى ابتدائى. كان نفسى أتعلم القراءة والكتابة. بعدها عملت فى كل المهن، وأنا فى سن ١٢ عاما اشتغلت فى محل كشرى فى حارة أسفل المنزل، لمدة ١٢ ساعة يوميا بأجر ٣ جنيهات، كنت أعطيهم لأمى، بعدها عملت نجار مسلح، ثم جزارا فى محل القاهرة، ثم تباعا مع خالى، وعندما بدأت أشعر بالراحة، اشتريت توك توك، حتى أكون حر نفسى».
هذا ما قاله حمو بيكا، فهل كلماتى الآن تعتبر ترويجا لهذا المطرب الذى يتهمه البعض بإفساد الذوق العام؟!.
بعض زملائى اتهمونى بذلك، لكن الحقيقة الموضوع أكثر تعقيدا من هذا التسطيح المخل.
هناك واقع معقد، نصر ألا نراه أو نتعامل معه. هو نفسه يقول:
«لسنا نحن مطربى المهرجانات من أفسد الذوق العام، بل التليفزيون، لكن مفيش حد يقدر يقول كده، وكمان منقدرش نهاجم نجم سينمائى كبير إذا أفسد الدوق العام».
كيف صعد بيكا إلى قمة الترنيد؟!
يقول: فى أحد الأيام توقفت بالتوك توك أمام أحد الاستديوهات، دخلت وطلبت تسجيل أغنية، ورغم غرابة الطلب، فقد وافق المسئول، وسجل له أغنية اسمها «قشطة» وأعطاها له على كارت ميمورى، وخلال ساعات قليلة كان معظم سائقى التوك توك بالمنطقة يستمعون إليها، وبعدها بدأ منتجو المهرجانات يبحثون عنه فى كل مكان!!.
مرة أخرى فلتهاجموا حمو بيكا وأمثاله كما تشاءون، ولتتهموه بكل تهم إفساد الذوق العام لكن ذلك لن يحل المشكلة!.
منع الأمن لحفلاته لن يوقف أغانيه أو ظاهرته. علينا أن نسأل أنفسنا: كيف يمكن لشاب يقود توك توك أن يسجل أغنية ثم تتحول إلى الأكثر مشاهدة بعشرة ملايين مشاهدة؟!
هل نلوم هذا الشاب ونسخر منه ومن بيئته ومن المهن التى عمل بها، أم نلوم أنفسنا، لأننا لم نفعل شيئا لرفع مستوى الذوق العام للمجتمع؟!
حمو بيكا ومجدى شطة وكل زملائهما ضحايا للثقافة العامة فى المجتمع، والمؤكد أننا ربما نكون جميعا متهمين فى هذا الأمر فمتى ندرك ذلك؟!.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي