الإثنين 24 سبتمبر 2018 2:29 م القاهرة القاهرة 33.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

صدمة الأداء العام

نشر فى : الإثنين 15 ديسمبر 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 15 ديسمبر 2014 - 8:00 ص

الارتباك من طبيعة مراحل التحول من نظام إلى آخر، غير أن ما هو طبيعى يفلت زمامه عندما ترتفع معدلات القلق فوق طاقة التحمل وتغيب السياسة عن المشهد، حيث يجب أن تحضر.

لا أحد بوسعه أن يجزم واثقا إلى أين نحن ذاهبون، فلا النظام الجديد أعلن عن نفسه ولا حسم انحيازاته الكبرى ولا فتح حوارا جديا مع القوى السياسية لبناء توافقات عامة.

فى عدم الحسم أطل الماضى بسياساته ووجوهه من جديد يطلب العودة إلى ما ثار عليه المصريون، وهذا مشروع اضطراب سياسى لا يحتمله بلد منهك يخوض حربا ضارية مع الإرهاب.

تحت أى ظرف وأى حساب، فالماضى لن يعود ولن يمر بلا أثمان تقلب المعادلات رأسا على عقب.

فى عدم الحسم مقامرة بالمستقبل لا يستحقها بلد قام بثورتين وأطاح برئيسين ودفع فواتير باهظة طلبا للتغيير.

لماذا لا يحسم إذن الرئيس ما هو ضرورى من انحيازات وخيارات؟

بتعبيره، فإن الدولة المصرية رغم كل التحولات التى أعقبت (٣٠) يونيو «مازالت فى خطر» وحمايتها من أية تصدعات محتملة مهمته الأولى.

لا يريد بقدر ما يستطيع أن يتصادم مع أحد، مدركا صعوبة اللحظة، غير أن التأخر فى الحسم يفضى مباشرة إلى تآكل هيبة الرئاسة والنيل من أساس شرعيتها التى تستند وفق الدستور على ثورة «يناير» التى يُمسح بها الأرض فى بعض الفضائيات دون زجر من سلطة أو قانون.

تنحية السياسة تفضى إلى تآكل آخر فى أساس الشرعية، فمن أهداف «يناير» بناء نظام جديد ينتمى إلى العصر وقيمه الديمقراطية ومن أهداف «يونيو» بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، لا دينية ولا أمنية. وهذا يتصادم بصورة مباشرة مع الأداء العام الحالى.

من المستغرب أن تجرى الانتخابات النيابية المقبلة بقوانين لم يجر حول أى منها أى حوار من أى نوع مع أية قوى سياسية، كأننا أمام انتخابات منزوعة السياسة.

مر قانون الانتخابات النيابية بلا نقاش وأعد بعده قانون تقسيم الدوائر كأنه شأن يخص مجموعة ضيقة من القانونيين، رغم أن الموضوع من أوله لآخره شأن سياسى.

هل كان الأمر مقصودا بهدف هندسة البرلمان المقبل على نحو ينزع عنه السياسة ويهمش الأحزاب رغم أن الدستور يقول نصا: «يقوم النظام السياسى على أساس التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمى للسلطة».

أيا كانت الصورة السلبية التى عليها الأحزاب الآن، فإنه لا بديل آخر غير فتح المجال العام لبناء حياة سياسية حقيقية خارج صندوق «نظام مبارك» تقويها ولا تهدمها.

لا ديمقراطية بلا أحزاب ولا شرعية بلا تعددية.

فى تعطيل الهدف الدستورى فى الفصل بين السلطات والتوازن بينها وتلازم المسئولية مع السلطة واحترام حقوق الإنسان وحريته بوادر أزمة شرعية قد تداهمنا فى أوقات حرجة.

من المؤكد أنه توافرت أمام الرئيس اقتراحات دعته للحوار المباشر مع رموز للعمل السياسى بصورة ثنائية تواصلا فى القضايا الملحة ومن بينها قوانين الانتخابات النيابية وسبل التوافق الوطنى على مشروع بناء جديد.

لم يكن طلبه من صحيفة «الشروق» عقد مؤتمر للقوى السياسية عشوائيا على أى نحو، فما الذى حدث حتى تعطل كل شيء، وسارعت الحكومة فى إعداد قانون «تقسيم الدوائر» دون أن تطرحه على أى مائدة حوار؟

كانت الرسالة واضحة تماما فى أنه إذا توافقت الأحزاب والقوى السياسة على تعديلات فى قانون الانتخابات النيابية لا تعطل الاستحقاق الثالث من خريطة المستقبل بأكثر مما تعطل فإن الرئيس سوف يستجيب سعيا إلى مزيد من التفاهمات السياسية.

فى التكليف الرئاسى اعتراف بغياب أية طبقة سياسية بالحكم قادرة على الوفاء بمثل هذه المهام، التى هى من وظائف الدولة لا الصحف.

وهذه مشكلة كبرى لا يقدر أى نظام حكم بغيرها على التقدم إلى المستقبل.

مع ذلك فإنه يمكن تقبله كإجراء اضطرارى حتى يتسنى بناء طبقة سياسية داخل مؤسسات الدولة.

المشكلة الآن أن ما هو اضطرارى يتعطل هو الآخر.

فى التعطيل أزمة تتفاقم فى الأداء العام رغم ما يبذل من جهد أو يتبدى من نوايا.

وفى التعطيل قطع طريق على تفاهمات ممكنة بين الرئاسة والقوى السياسية.

القضية لا يلخصها مؤتمر قوى سياسية تأخر ولا قانون لم يجر حوله حوار.

كل شىء له صلة بالسياسة فى حالة تعطيل والتساؤلات تطرح نفسها:

لماذا لم يحسم الرئيس تعديل قانون التظاهر وفق ملاحظات المجلس القومى لحقوق الإنسان وإنهاء أزمة الدولة مع شبابها، رغم أنه يعتقد فى ضرورة تعديل القانون وإنهاء أزمة تتمدد وتنذر؟

يقول عادة إنه «غير محظوظ مع الشباب»، وهو استنتاج يحتاج إلى مراجعة، فإذا ما تقدم خطوة واحدة فإن الأجيال الجديدة مستعدة أن تتقدم نحوه عشر خطوات.

المهم أن تتبدى السياسات والإجراءات على الأرض لا فى البيانات العامة كالإفراج عمن لم يثبت بحقهم تورط فى عنف أو تحريض عليه.

من إذن فى مصلحته تعطيل السياسة على هذا النحو الخطير؟

من يتحمل المسئولية؟

بوضوح كامل، فإن الرئاسة تتحملها بحكم واجباتها الدستورية.

حيث لم تحسم الانحيازات الكبرى فإن هناك قوى من داخل الدولة تحاول استنساخ الأساليب المستهلكة فى صياغة القوانين وتتبنى سياسات تنتمى إلى الماضى.

بصورة أو أخرى، فإن هناك تحالفا شبه معلن بين بعض رجال المال وبعض رجال الأمن.

هو نفسه يحاول بقدر ما يستطيع أن يضبط الأداء الأمنى، أن يضرب هنا أو يطهر هناك، لكن غياب السياسة يشجع على الانفلات، وبعض الانفلات ضده شخصيا.

فى بعض صراعات الأجهزة ما يتجاوز الكلام التقليدى عن الانفلات، وهو ما يستدعى حسما آخر وإلا فإن الأمور سوف تسوء بصورة أخطر.

فى اجتماعاته ولقاءاته يتكلم مسهبا عن المدى الخطير من التخريب المنهجى الذى نال من جهاز الدولة وقدرته على الوفاء بمهامه وحجم الفساد الذى ضرب كل شيء.

لا يستريح لـ«رأسمالية مبارك» ولا هم يطمئنون إليه لكنه حتى الآن لم يأخذ خطوة واحدة تؤكد قطيعته مع الماضى، فلا قضية فساد واحدة أحيلت للتحقيق رغم أنه أعطى الضوء الأخضر للجهات الرقابية بفتح الملفات كلها طالما توافرت الأدلة.

وهذه مسألة أخرى يفضى تأجيلها إلى تآكل جديد فى مستوى الرهانات الكبرى وتراجع مضطرد فى درجات الشعبية.

الصدام محتم والتبكير به من مقتضيات تثبيت شرعية النظام.

هناك فارق جوهرى بين أن تكون هناك قواعد تحكم حركة مجتمع الأعمال وتدفع بالاستثمارات فى شرايين الاقتصاد كالتى يعرفها العالم وبين نهب المقدرات العامة بزواج السلطة والثروة.

هو نفسه يعرف أن بعض الذين يحاولون التقرب إليه غارقون فى الفساد، وبعضهم «تجار مخدرات» بعبارة أحد مقربيه.

هل من المقبول فى بلد يئن من الفقر المدقع و(٤٠٪) من مواطنيه عاطلون والأغلبية الساحقة توفر احتياجاتها الأساسية بالكاد أن تتحمل الطبقة الوسطى والفئات الأكثر عوزا الأعباء كلها بينما لا يجرؤ أحد على فتح ملفات النهب العام بجدية أو حساب الذين جرفوا البلد تماما؟

هل هناك أحد فى الحكومة لديه شجاعة أن يعلن بالأرقام الدعم الذى تحصل عليه الشركات الكبرى كثيفة الاستخدام للطاقة؟

الأرقام بذاتها تكشف مستوى نزف المال العام بلا حسيب يراجع، وبعضها يتجاوز مليونى دولار شهريا.

أمام التراجع الفادح فى مستويات الأداء العام فإن الخطر ماثل فى التفاصيل والارتباك ظاهر فى السياسات.

والمعنى فى ذلك كله أن أية جهود بلا دليل عمل مقنع تتبدد وأية نوايا بلا سياسات تسندها تتآكل.