الخميس 18 أكتوبر 2018 10:22 ص القاهرة القاهرة 24.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع عودة رحلات الطيران الروسي إلى مطاري شرم الشيخ والغردقة قريباً؟

فلسطين.. لا تفاوض ولا مقاومة مسلحة

نشر فى : الجمعة 15 ديسمبر 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : الجمعة 15 ديسمبر 2017 - 9:40 م
تتواصل تظاهرات واحتجاجات الشعب الفلسطينى لرفض قرار إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بشأن القدس، ولكسر حاجز الصمت بشأن الحق الفلسطينى فى إنهاء الاحتلال الإسرائيلى للقدس وللضفة الغربية وإخراج المستوطنين الذين تواصل حكومة بنيامين نتنياهو جريمة توسعة مستعمراتهم ورفع الحصار الظالم عن قطاع غزة. لا ينتفض الفلسطينيون دفاعا عن عروبة القدس فقط، بل لإعادة قضيتهم كقضية تحرر وطنى ونضال ضد دولة احتلال واستيطان وحصار وقمع إلى الواجهة الإقليمية والعالمية. ينتفض الفلسطينيون لكى يسقطوا «حسبة ترامب ــ نتنياهو» التى استندت فى تجاهلها لعروبة القدس إلى توقع ضعف رد الفعل الفلسطينى ومحدوديته الزمنية، ولكى يثبتوا مجددا أن حقوقهم الوطنية لا تقبل المساومة وأن حل الدولتين الذى تفرغه إسرائيل من المضمون احتلالا واستيطانا يظل الوجهة المشروعة لنضالهم. بعيدا عن مؤتمرات وبيانات الشجب والإدانة والمناداة بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، لم تحرك حكومات البلدان العربية والإسلامية ساكنا فى مواجهة القرار الأمريكى والجرائم الإسرائيلية وغابت عن «الشارع العربى» (باستثناء الأردن فى الأيام الأولى التى تلت قرار ترامب) فاعليات التضامن الشعبى مع فلسطين. أيضا لجر الخطوط الفاصلة بينهم وبين التجاهل الرسمى والصمت الشعبى فى الحاضنة العربية والإسلامية الذى اعتادوا عليه ينتفض الفلسطينيون، ويقدمون لقضيتهم العادلة شهداء ومصابين ومعتقلين يزج بهم إلى سجون الاحتلال (حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، ٦ شهداء وأكثر من ١٧٠٠ جريح ومئات المعتقلين).

خلال الأيام الماضية، رتبت تظاهرات واحتجاجات الشعب الفلسطينى مواجهات مع قوات الاحتلال تورطت بها الأخيرة فى استخدام القوة المفرطة والعنف بينما لم يتورط بها الفلسطينيون لا فى تفجيرات انتحارية ولا فى اعتداءات ضد المدنيين الإسرائيليين. ولم يخرج على الالتزام الفلسطينى بسلمية «انتفاضة القدس» سوى حركة حماس والفصائل المتحالفة معها التى أطلقت نحو ١٥ صاروخا من قطاع غزة باتجاه إسرائيل. وبغض النظر عما إذا كانت حماس قد أطلقت صواريخها بعد غارات جوية إسرائيلية أو أن الغارات الإسرائيلية جاءت ردا على صواريخ حماس، فإن النتيجة المتحققة الآن هى سقوط شهداء ومصابين وتدمير بعض المنازل فى غزة من جراء الغارات وإغلاق حدود القطاع مع إسرائيل، فى حين صد الدرع الصاروخى الإسرائيلى صواريخ حماس أو سقطت هى فى الصحراء فى مواقع غير قريبة من المستوطنات التى وجهت إليها. بعبارة أخرى، وبعيدا عن موقفى الأخلاقى والسياسى الرافض دوما لاستخدام العنف حتى ضد المستوطنات الإسرائيلية فى القدس والضفة الغربية، ليس لصواريخ حماس من آثار عملية غير أولا: تعريض الفلسطينيين والمتبقى من منشآت فى قطاع غزة لعنف الآلة العسكرية الإسرائيلية، ثانيا: إنهاء سلمية «انتفاضة القدس» على نحو يهدد بعسكرتها وإغراقها فى دوائر العنف والعنف المضاد، ثالثا: إبعادها عن هدفها المتمثل فى إعادة القضية الفلسطينية العادلة إلى الواجهة الإقليمية والعالمية.

***

لذا، دون مقدمات مطولة لا طائل منها أو التفاف على المعانى خوفا من المزايدين زيفا باسم المقاومة والممانعة والنضال المسلح، يتعين على حركة حماس والفصائل المتحالفة معها الامتناع عن إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل مثلما ينبغى عليها النأى بأفرادها وعناصرها عن التورط فى تفجيرات انتحارية أو فى اعتداءات وأعمال عنف ضد المدنيين الإسرائيليين. المطلوب هو مواجهة قوات الاحتلال التى تقتل وتصيب وتعتقل الفلسطينيين وتحمى المستوطنات التى لا شرعية لوجودها (جميع المستوطنات غير شرعية) وتطرد أهل القدس لتسريع وتيرة فرض الهوية الإسرائيلية على المدينة وتهديد هويتها العربية وتحاصر غزة، المطلوب هو مواجهة آلة القتل البشعة هذه بمقاومة سلمية ومستدامة تجسدها اليوم «انتفاضة القدس» ويجب على حماس والفصائل الأخرى الانخراط فى هذا السياق السلمى والمستدام.
بعد مرور عقدين ونصف من الزمان على اتفاقيات أوسلو ومفاوضات حل الدولتين التى لم تسفر لا عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس ولا عن توقف الإجرام الاستيطانى ولا عن إقرار حق العودة، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس التى رفضت المسار التفاوضى ومارست المقاومة المسلحة دون أن تقارب هذه بين الفلسطينيين وبين التخلص من الاحتلال والاستيطان الإسرائيليين؛ لم يعد أمام الشعب الفلسطينى من خيارات غير الابتعاد عن التفاوض والابتعاد عن المقاومة المسلحة معا. المقاومة السلمية وبخليط من الأدوات من التظاهر والاحتجاج والمقاطعة والعصيان المدنى والعمل الدبلوماسى إقليميا وعالميا هى الحل.

***

لا تفاوض ولا مقاومة مسلحة. فمن جهة، تبين حقائق القوة وتفاصيل الواقع بما لا يدع مجالا للشك أن عودة السلطة الفلسطينية إلى مائدة المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية لن تقدم للفلسطينيين كثيرا أو قليلا. أولويات حكومة اليمين والمستوطنين فى إسرائيل هى القضاء المبرم على حل الدولتين والإبقاء على الاحتلال والتوسع فى الاستيطان. والأوضاع الإقليمية فى الشرق الأوسط يغيب معها الاهتمام الجاد لحكومات البلدان العربية والإسلامية بقضية فلسطين، والقراءة العالمية لأوضاع الشرق الأوسط تطغى عليها ملفات الحرب على الإرهاب وإنهاء الحروب الأهلية ومواجهة النفوذ الإيرانى والحد من الهجرة غير الشرعية ولا مكان بها لفلسطين على مستويات الفعل الاستراتيجى والدبلوماسى. أما المقاومة المسلحة، من جهة أخرى، فلن تسفر سوى عن تمكين آلة القتل الإسرائيلية من إسقاط المزيد من الشهداء والمصابين ومن إنزال الدمار بالأراضى الفلسطينية. ليس فى مقدور المقاومة المسلحة تهديد أمن إسرائيل على نحو يدفع حكومتها إلى تقديم تنازلات حقيقية للفلسطينيين، بل هى تطلق قوات الاحتلال على أهل غزة لتعمل بهم القتل والدمار فى مقابل أضرار محدودة تلحقها بإسرائيل المتفوقة عسكريا. ولا يقل خطرا عن ذلك حقيقة أن المقاومة المسلحة تباعد بين القضية الفلسطينية وبين حصد المزيد من التعاطف والتأييد العالمى، نظرا لتورط المقاومين ليس فقط فى حرب غير تقليدية ضد قوات الاحتلال بل فى تفجيرات انتحارية وفى اعتداءات ضد المدنيين الإسرائيليين تجيد حكومة بنيامين نتنياهو توظيفها لإسقاط شعارات «الحرب على الإرهاب» على صراعها مع حماس ولحمل الرأى العام العالمى على تناسى إرهاب الدولة الكامن وراء جرائم الاحتلال والاستيطان والحصار.

لا تفاوض ولا مقاومة مسلحة. بل مقاومة سلمية ومستدامة جوهرها اليوم انتفاضة القدس وغدا انتفاضة ضد المستوطنات، مقاومة سلمية ومستدامة تسهم بها السلطة الفلسطينية بعد خروجها من قفص التفاوض دون نتائج وتلتزم بها حماس والفصائل المتحالفة معها دون مزايدات جوفاء باسم النضال المسلح، مقاومة سلمية ومستدامة يسندها التوافق الداخلى فى فلسطين وتسعى إلى إعادة القضية الفلسطينية العادلة إلى واجهة السياسة الإقليمية والعالمية.
عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات