الثلاثاء 21 أغسطس 2018 4:39 ص القاهرة القاهرة 28.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

ما بعد اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لإسرائيل

نشر فى : الجمعة 15 ديسمبر 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : السبت 16 ديسمبر 2017 - 7:26 م
عقد فى القاهرة مؤخرا مؤتمر دولى تحت عنوان «تمكين المرأة»، حضره وفود من مصر والأردن والمغرب وإسرائيل، وقد مثلت إسرائيل فيه وزيرة المساواة الاجتماعية فى حكومة نتنياهو والتى أدلت بتصريح قالت فيه «لقد توصلت مراكز الفكر الإسرائيلية (مراكز الأبحاث) إلى نتيجة مفادها أن سيناء هى المكان الأنسب لإقامة دولة فلسطينية». وقد احتجت وزارة الخارجية المصرية على هذا التصريح رسميا لدى تل أبيب، ولعلك تذكر ــ عزيزى القارئ ــ أننا كنا قد تحدثنا فى مقالنا السابق «مسجد الروضة» عن هذه الفكرة المتداولة والتى لا يعرف الكثيرون مدى جديتها، إلا أن تصريح وزيرة إسرائيلية تجعلنا جميعا نقف ونحلل فى محاولة للفهم. دعونا نتتبع معا ردود فعل تصريح الوزيرة. بعد أن صرحت الوزيرة بهذا الأمر قدمت الإذاعة البريطانية دراسة عن وثائق أدعت أن الرئيس حسنى مبارك الرئيس الأسبق لمصر كان قد وافق على فكرة توطين الفلسطينيين فى سيناء بشرط عقد اتفاق تسوية شامل للصراع العربى الإسرائيلى. وذكرت أنه صرح بذلك فى محادثاته مع مارجريت تاتشر «رئيسة وزراء بريطانيا» منذ ثلاثين عاما فى محادثات تمت بينهما أثناء عودته من إحدى زياراته النادرة إلى أمريكا وتوقف فى لندن حيث إن مبارك كان قد قاطع أمريكا بعد ذلك لأسباب أخرى ربما أهمها عدم موافقتها على توريث حكم مصر، إلا أنه عندما عرضت إذاعة الـ«بى بى سى» هذا البرنامج صرح الرئيس مبارك فى بيان واضح له أنه لم يفكر فى هذا الأمر ولم يتحدث فيه مع مارجريت تاتشر إطلاقا وأنه يرفض توطين الفلسطينيين فى مصر بأى حال.. واستخدم فى تصريحه تعبير أنور السادات أنه لا تنازل عن حبة رمل من أراضى سيناء.

***

هنا بدأت الكثير من المحطات التليفزيونية العالمية تتحدث عن محاولات إسرائيل الدائمة ترويجها لمشروع هائل باقتطاع جزء من شبه جزيرة سيناء تصل مساحته عدة مئات من الكيلومترات لكى تقوم بتوطين الفلسطينيين فيه، وقد تجدد الحديث بقوة بعد تأكيد الرئيس ترامب أنه سوف يقدم مبادرة سلام شامل فى الشرق الأوسط بخطة مدروسة تحل كل العقد الموجودة بضربة واحدة، يقوم بطرحها فى مؤتمر دولى يدعو إليه فى صيف 2018، ثم خرجت شائعات مقصودة أن هناك توافقا على هذه الصفقة مع الأمير محمد بن سلمان ومعه بعض رؤساء وملوك العرب البارزون والذين تحدث معهم ترامب فى هذا الشأن، بل أشيع أن هناك محادثات تليفونية تمت مع بعض السياسيين النافذين فى بعض الدول العربية، وقد أطلق على هذه الخطة «صفقة القرن»، وذكرت جريدة التايمز البريطانية أن ملك السعودية ضغط على عباس لقبول الصفقة. وهكذا بدأت إسرائيل تتحرك وبقوة مع قرار ترامب بنقل السفارة، وقيل إن نتنياهو يقوم بزيارة زعماء أوروبا الذين وقفوا ضد قرار ترامب بدءا من الرئيس الفرنسى ماكرون حتى ميركل مرورا بكل الزعامات الأوروبية لكى يهدئ من روعهم ويشرح لهم «صفقة القرن»، وبالطبع يتحدث الإسرائيليون عن أن وعد بلفور عام 1917 أنقذ الشعب اليهودى المشتت فى العالم وقرار ترامب لا يقل أهمية عنه، وبالطبع يقصدون أن هذا القرار إنما هو بداية استكمال وعد بلفور. 

***

وبما أن مصر رفضت تماما بيع أرض سيناء مهما كان الثمن، من هنا جاء مصطلح «الصفقة» والتى تتم على مرحلتين الأولى: التزام السلطة الفلسطينية بوقف العنف وسحب سلاح المقاومة وهدم الأنفاق مقابل التزام إسرائيل بوقف الاستيطان فى الضفة الغربية والسماح للسلطة الفلسطينية بإقامة دولة مؤقتة عليها وذلك ببسط نفوذها على أراض جديدة بالضفة واستمرار التنسيق الأمنى بينها وبين إسرائيل ويتم ذلك من خلال مفاوضات لمدة عشر سنوات. 
المرحلة الثانية: المحاصصة: استبدال مشروع البيع بمشروع الاستبدال، فلا خلاف على أن المكان النموذجى لتوطين الفلسطينيين هو سيناء لأنها تكون امتدادا لغزة فتكَّون معها الدولة الفلسطينية. ويتم ذلك بإعطاء أرض بديلة لمصر وصفقة القرن تحدد صحراء النقب فى الأردن والتى تحتلها إسرائيل بالكامل، وهذا التبادل سيكون بين مصر وإسرائيل أرضا بأرض، وهكذا يمكن إيجاد حل نهائى للقضية الفلسطينية. أما عن مساحة الأرض المتبادلة فيشاع أنها 050 إلى600 كم مربع بين رفح والعريش، وهنا على مصر أن تتنازل عن هذه الأرض لحل القضية الفلسطينية مقابل أن تتنازل إسرائيل لمصر عن 200 إلى 300 كم مربع من صحراء النقب وأن يتم حفر نفق ضخم وطريق برى سريع وسكة حديد للربط بين الأردن ومصر ودول الخليج تحت سيادة مصر، والفارق فى مساحة الأرض بين سيناء وصحراء النقب يعوض لمصر بمبلغ ضخم حوالى 200 مليار دولار؛ وذلك لحل أزمتها الاقتصادية، وبذلك يسمح لمصر بمساعدة أمريكا وإسرائيل أن تبنى مفاعلا نوويا فى صحراء النقب للأبحاث والأهداف السلمية، وكذلك تحلية مياه البحر وضخها فى وادى النيل بعد ظهور سد النهضة فى إثيوبيا. ثم تضم الأردن باقى الضفة الغربية وتسمى بالأردن الكبرى مع وصول آخر فلسطينى إلى غزة الكبرى. والسؤال هو لماذا لم يظهر هذا المشروع منذ البدء فى المفاوضات فى كامب دايفيد مع مصر أو فى أوسلو مع ياسر عرفات؟

****

هنا يمكننا القول أن مصر فى ذلك الوقت رغم أنها طرحت حلا كاملا للقضية الفلسطينية كرد فعل لزيارة السادات لإسرائيل إلا أن إسرائيل وأمريكا لم تناقشا الأمر لأن الدول العربية رفضت مبادرة السلام المصرية، ورفضت المشاركة فى أول جلسة مفاوضات فى فندق ميناهاوس بعد رفع أعلام دول إسرائيل وفلسطين وسوريا والأردن لكن لم يحضر أحد وكان هذا متوقعا، وهو ما كانت تتوقعه وتريده أمريكا وإسرائيل أى أن تقوم بعملية سلام ثنائية بين إسرائيل ومصر وهو ما تم بالفعل وكان الهدف منها خروج مصر من المعادلة السياسية والعسكرية مما يضعف موقف باقى الدول العربية، ثم القيام بعقد اتفاق فردى أيضا مع الأردن لتخرج من المعادلة ومع فلسطين للقضاء على المقاومة المسلحة الفلسطينية، وعندما شعروا أن ياسر عرفات لم يستطع أن يوقف الكفاح المسلح بل كان شريكا فيه أوقفوا المحادثات معه واقتحموا منزله فى غزة وأخذوا الكمبيوتر الخاص به واكتشفوا أنه يتلقى أموالا من عدة دول من أهمها العراق وليبيا لتسليح المقاومة الفلسطينية وخاصة حماس، من هنا كانت مؤامرة قتله بالسم، بعد أن خرجت مصر والأردن من المعادلة كل واحدة على حدة وتركت غزة معقل المقاومة المسلحة تعانى اقتصاديا، وضعفت المقاومة تماما.

جاء الربيع العربى ليقسم ويضعف الدول العربية ومن ثم جاء الحديث عن الحل الشامل «صفقة القرن» على أساس أنه لم يعد هناك أى منطق للمقاومة؛ لذلك فهذه الخطة سوف تنقذ إسرائيل وفلسطين فى وقت واحد، وجاء الوقت للتفاوض مع العالم العربى ككل لأكثر من سبب. الأول أن العالم العربى فى أضعف حالاته بعد فشل الربيع العربى ونجاح تقسيمه إلى دويلات صغيرة، فسوريا قد خربت تماما ولن تعود كما كانت؛ حيث ستكون هناك دولتان على الأقل بها، فضلا عن أنها محتلة من روسيا وإيران وأمريكا، وعلينا أن ندرك أن تدمير سوريا كان بموافقة دول عربية أخرى ومؤامرة أمريكية إسرائيلية؛ لأنها كانت القوة الوحيدة الباقية فى معسكر المقاومة ضد إسرائيل حتى لو لم تدخل فى حرب معها لتفاوت القوة إلا أنها كانت شوكة فى الحلق الإسرائيلى. أما القوة الثانية التى دُمرت فكانت جيش العراق وهى أيضا معرضة للانقسام واستيلاء إيران على مناطق فيها (الحشد الشعبى)، وبالطبع ليبيا واليمن خربتا بطريقة أو بأخرى ولم يتبق سوى دول الخليج ومصر، ومن الواضح أن مشكلة قطر وخروجها عن الإجماع الخليجى والعربى أضعف موقف الاثنين، ومصر تعانى من أزمات اقتصادية وغير ذلك الكثير، لذلك وبعد كل هذه التجهيزات والإعدادات لإضعاف الشرق الأوسط وتقسيمه صار الآن فى أضعف وضع ممكن فى تاريخه كله، وبالطبع الجميع شركاء فيما وصلنا إليه، من تطرف دينى أو إرهاب أو ربيع عربى والذى ثبت أن دولا غربية وعربية تموله. وهكذا نضجت الثمرة وآن أوان تنفيذ الخطوات النهائية وهنا كان قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس الغربية ولعلك تعلم – عزيزى القارئ – أن هذا القرار اتخذ عام 1995 لكن الرؤساء الأمريكيين كانوا يؤجلون تنفيذه عاما بعد الآخر لأن القتال كان مازال مستعرا فى العراق وسوريا واليمن وليبيا، وكان المفروض أن تكون مصر أيضا وتونس فى هذه المعمعة لكن استطاعت هاتان الدولتان أن تتفاديا الانهيار، لكنهما بالطبع صارا أكثر ضعفا عما كانا من قبل.. وهكذا أصبحت كل الأجواء مهيأة لإسقاط الثمرة والبداية قرار ترامب كقص الشريط لاستكمال المشروع.

 

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات