الإثنين 24 سبتمبر 2018 10:26 م القاهرة القاهرة 28°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

تحية من عربى خارج مصرإلى شباب الثورة صناع النص

نشر فى : الأربعاء 16 فبراير 2011 - 11:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 فبراير 2011 - 11:35 ص

 من حق شباب ثورة مصر أن يعتزوا بإنجازهم التاريخى الذى أعاد إليهم بلادهم وأعادهم إليها بعد افتراق بل تفريق قسرى استطال أكثر مما يجوز، فجعلها تتبدى على صورة حاكمها وبلاطه الطاغية: عجوزا من عصر آخر تتخلف عن دنياها بالأمر وقهر الفقر، فيستقوى عليها عدوها، خصوصا وقد هجرت أهلها وهجروها فإذا الكل فى التيه.

كنا، نحن العرب خارج مصر، نتابع المشهد الباهر بدموع الفرح ودهشة من يرى أحلامه تنبلج صبحا جديدا مع ذلك الطوفان من فتية مصر الأبرار وهم يتقدمون لصنع زمانهم بإرادتهم وقد تحرروا من الخوف ومن تهيب القدرات غير المحدودة للدولة التى لم تعد دولتهم وان ظلت تمسك بمقدرات بلادهم جميعا من الرغيف إلى الوظيفة، ومن ممتلكاتها الهائلة التى أباحتها للسماسرة والنخاسين والمرتشين وأمراء الصفقات المشبوهة، إلى قوة البطش التى تطاردهم حتى وهم مشردون فى أربع رياح الدنيا طلبا للرزق ولو مغموسا بذل الحاجة.

ومن حقى، كمواطن عربى من خارج مصر، ان أفرح بهذا الانتصار العظيم الذى حققه شباب الثورة فى «الميدان» الذى اتسع للأمة جميعا، على امتداد الأيام الثمانية عشر المجيدة، وان أرى لنفسى نصيبا فيه، إذ إنه يفتح أمامى فى كل هذه الدنيا العربية الفسيحة التى فقد أهلها قرارهم أبواب الأمل بعودة الروح إليها مع عودة مصر إلى ذاتها والى دورها وقد باشرت تحرير إرادتها التى كانت رهينة لدى المهيمن الأجنبى والعدو الإسرائيلى.

فمن أحكام التاريخ وحقائق الجغرافيا ان حضور مصر يجعل من العرب أمة تمتلك القدرة على الفعل، وان غيابها يخرجهم من التاريخ بينما يعيد «الخارج» رسم جغرافيتها بما يجعل قرار الحياة والتقدم فى أيدى أعداء غدها.

لقد عاش العرب معظم القرن الماضى يتفيأ ظلال مصر: هى «دولتهم»، بين روادهم فى طلب الاستقلال «سعد زغلول»، وبين صناع وجدانهم «سيد درويش»، وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وبين محطات نضالهم الوطنى «ثورة 1936» التى كانت لها تردداتها فى فلسطين وسوريا ولبنان، وبين مصادر إشعاعهم أحمد شوقى وطه حسين وتوفيق الحكيم.. حتى إذا فجرت الهزيمة فى فلسطين ثورة 23 يوليو 1952 اتخذها العرب قيادة للأمة، فواكبوها تحت راية جمال عبدالناصر، وهى تزخم إرادة التحرر فى ديارهم جميعا ثم تمدها إلى أفريقيا وبعض آسيا وبعض أمريكا اللاتينية.

وبرغم الغفلة التى تسببت فى هزيمة 1967 فقد عادت مصر إلى وعيها سريعا، واندفعت، مرة أخرى إلى الميدان عبر حرب الاستنزاف التى مهدت للانتصار فى العبور المجيد ــ 1973ــ، مستبقية لذاتها شرف القيادة حتى سقط منها مع خروجها ( أو إخراجها) من دورها بمعاهدة الصلح المنفرد مع العدو الإسرائيلى تحت الرعاية الأمريكية.

●●●


-2-


ذلك حديث آخر جلاب هموم، فلنعد إلى ثورة شباب مصر والآمال العراض المعلقة عليها فى إعادة مصر إلى موقعها الطبيعى والى دورها الرائد عربيا.

لقد افتقد العرب مصر، كما افتقدها شعبها طوال الأربعين سنة الماضية.

كان وعد الأب العربى لأبنائه ان يكافأهم على النجاح بأن يصحبهم إلى مصر ليتعرفوا إلى منبع الحضارات فى آثارها الباقية كما فى متاحفها ومكتباتها ودور الثقافة والأدب والفن الأصيل فيها وليقرأوا فى سيرة نيلها العظيم جبروت الإرادة الوطنية فى السد العالى وفى استعادة قناة السويس لمن حفرها بدماء شبابه.

وكانت شهر عسل العروسين فى قاهرة المعز، بقدر ما كانت جامعة القاهرة، ثم جامعة عين شمس وما استولد بعدها من جامعات منبر التخرج لأجيال وأجيال من الشباب العربى الذى جاء إلى مصر بوصفها دار العلوم وبيت الفنون.. أما من تعذر عليه الوصول إلى القاهرة فقد يسرت له الجامعة العربية فى بيروت، وهى الفرع من جامعة الإسكندرية ان يتخرج منها طبيبا أو مهندسا أو عالما مطلا على آفاق عصر التكنولوجيا الحديثة.

ثم دار الزمان الأمريكى الإسرائيلى بالعرب، ومصر حاضرتهم، دورة كاملة، فإذا بالقاهرة تنسحب تدريجيا من موقعها الممتاز كعاصمة للقرار العربى، ترطن حكومتها بلغة ليس فيها روح الشعب المصرى، وتنحاز إلى من كانوا فى صفوف الأعداء لمصر ودورها، وتنصرهم على المناضلين لتحرير أوطانهم واستعادة مقدراتها من أيدى من غصبوها فرهنوا إرادتها للخارج.

سنة بعد سنة أخذت القاهرة تخسر روحها فيشحب دورها، وتغيب عن وجوه أبنائها الابتسامة وتتضاءل روح الظرف والفكاهة تحت وطأة أثقال الهموم، ويبادرك أصدقاؤك بالسؤال عن مهجر يقبلهم ولو فى مواقع تهان فيها كفاءاتهم، لأن الحالة فى الداخل لم تعد تطاق..

خرجت مصر من العرب فتوالى خروج العرب من عروبتهم إلى عراء المهانة. صارت بلادهم لغيرهم يقرر لها مصيرها فيستعدى بعضها على البعض الآخر إلى حد الحرب.

لم تعد أى دولة عربية فى مكانها، بعد خروج مصر، ولم يعد للدول العربية مجتمعة القيمة والدور والمكانة التى كانت لها. وصارت القمم تعقد بالأمر الأمريكى أو تعطل به، وصارت إسرائيل مركز القرار فى الشأن العربى جميعا.

وخرجت مصر من مصر، فإذا رئيسها العجوز يهرب من هموم شعبه ومن مسئولياته إلى منتجعه فى شرم الشيخ، التى باتت أشبه بشرفة إسرائيلية، وإذا الدولة منهبة للصوص الكبار المتسترين بصفة «رجال الأعمال» والذين عرفوا الطريق إلى الثروة عبر الذرية المباركة، وإذا الفساد يمتد من المطار إلى المطار مغرقا فى مستنقعه رجال الأمن وأهل الإدارة.

-3-


ضاقت مصر بأهلها العرب البسطاء الذين أحبوها لذاتها فلم يطلبوا منها وفيها إلا أن تكون مفخرتهم، ودار قرارهم السياسى المستقل، وأمل مستقبلهم فى حياة تليق بكرامة الإنسان.

ضاقت مصر بقضايا العرب، فانصرفت عنهم بعدما ادعى حكم الطغيان أنها سبب بؤس المصريين وسبب انكسارهم، وذهب إلى أمراء النفط الذين استكبروا عليه بوهج ثرواتهم والرعاية الخاصة التى يحظون بها لدى السيد الأمريكى.. ثم تغطوا به وهم ينحرفون فى اتجاه الصلح مع العدو الإسرائيلى، بذريعة انه لا يجوز التخلى عن مصر، كأنما نصرة قضية فلسطين وحقوق شعبها فيها تسىء إلى مكانة مصر والى كرامة المصريين الذين أعطوا فلسطين ــ من دمائهم ــ أكثر مما أعطاها أهل النفط مجتمعين من مالهم.

●●●


ها هم فتية مصر يصنعون بإرادتهم الثورة ويستعيدون وطنهم.

انه «العيد» فى الدنيا العربية جميعا. انه الوعد بفجر جديد يسقط ليل الطغيان الطويل السائد منذ دهر فى الوطن العربى بمشرقه ومغربه جميعا.

ان هؤلاء الفتية الأبرار قد أعادوا إلى مصر روحها، وأعادوا العرب «دولتهم» وأعادوا إليهم الإحساس بأنهم مواطنون لا رعايا، والى أنهم أصحاب القرار فى كل ما يتصل ببلادهم ودورها فى هذا العالم.

إن الفتية الذين استولدوا الفجر بثورة مصر لا يقدرون حجم المعجزة التى اصطنعوها بمواجهة الطغيان حتى إسقاطه، وتداعياتها الهائلة على العالم العربى من أقصى مغربه إلى أدنى مشرقه: لقد أعادوا خلق «المواطن» فى الدنيا العربية الفسيحة.

لقد قدموا النموذج الفذ للشباب العربى: احضر معززا بكرامتك وعلمك، بكفاءتك وإرادتك، بتضامنك ووعيك، بإيمانك بحقك ووطنك، فإذا الجيش جيشك لا جيش الطاغية، وإذا القرار قرارك لا قرار العواصم البعيدة، ولا ــ بالتأكيد ــ قرار إسرائيل.

لقد نبهوا كل فرد إلى حقه بأن يكون مواطنا لا رعية من رعايا السلطان.. فالوطن وطنهم، دولته دولتهم وليست منحة من حاكمها، وحقوقهم فيها ثابتة مؤكدة. يطلبونها ويأخذونها باعتزاز، بدل ان تذلهم الرشوة وتلحق بهم إهانة مد اليد إلى الآخر بذل المحتاج.

وسيمضى بعض الوقت قبل ان يتنبه هؤلاء الفتية الذين حققوا الإنجاز التاريخى بإعادة مصر إلى ذاتها والى دورها الريادى المفتقد، إلى خطورة التداعيات التى تتوالد الآن من ارتدادات حركتهم المباركة على الشعوب فى الأقطار العربية وعلى أنظمة الحكم وقوى النفوذ فيها.

لقد فتح هؤلاء الفتية باب الغد العربى أمام الشعوب المقهورة بأنظمة القمع فى دنياهم الواسعة.

-4-


إن أهل النظام العربى الذين يتحكمون بشعوبهم منذ عقود قد اندفعوا يقدمون «التنازلات» ويتعهدون بإسقاط نظريات حقهم فى ان يحكموا حتى تجيئهم المنية فيورثوا من بعدهم الأبناء أو الأحفاد أو الأصهار وسائر ذوى القربى وكأن البلاد من أملاكهم الخاصة ولهم حق التصرف فيها كما يشاءون.

وها هى مصر تتقدم ــ وسط المخاطر ــ لتستعيد مكانتها لتى ضيعها حكم الطغيان الجبار على شعبه المتنازل أمام عدوه وأمام المهيمن الأمريكى الذى سرعان ما تخلى عنه واندفع إلى نفاق شعبه «متبنيا» ثورته، مظهرا التعاطف مع أهداف ثورته لأجل احتوائها، وحتى لا تأخذ مصر إلى الموقع الذى يستحقه شعبها فى دائرة القرار.

ومع الوعى بخطورة المهمة التى انتدب شباب ثورة مصر أنفسهم لأدائها فإن الثقة مؤكدة بهذا الجيل المتنور والمطل على العصر وأسباب التقدم.

لقد تصدى لمهمة نبيلة: ان يعيد بناء مصر، واعيا ان كل شىء خرب أو مخرب فيها، من الإدارة إلى الاقتصاد ومن الأمن إلى الحياة السياسية، ومن النفوس والذمم إلى التعليم.. قبل ان نصل إلى قيود معاهدة الصلح مع العدو الإسرائيلى، والى الشروط المذلة للمساعدات الأمريكية.

ها هى الأهداف تتحقق تدريجيا..

وبديهى ان يستمر شباب الثورة ساهرين على تنفيذ أهدافهم حتى لا يتم التحايل عليها بالتجزئة أو بتطويل أمد التنفيذ لكى يدب اليأس فى النفوس فيقرع جرس الانصراف للثوار.

إنها الثورة المؤهلة لإعادة صياغة المستقبل العربى جميعا.

وبهذا الحق سمحت لنفسى بكتابة هذه التحية لأبطال ثورة مصر، التى هى «دولة» العرب جميعا وعنوان غدهم الموعود.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات