الجمعة 22 سبتمبر 2017 9:02 م القاهرة القاهرة 28.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

«أيام وردية».. اغتراب شجرة سنديان!

نشر فى : الخميس 16 فبراير 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : الخميس 16 فبراير 2017 - 9:25 م
تشهد روايات الراحل الكبير علاء الديب عليه وعلى جيله وعلى زمنه معا، ولعل ذلك أكثر ما يحلم به أى كاتب، على الرغم من أن الديب ظل دوما بعيدا عن الأضواء، ولكنه آمن دوما بأن الفن مثل أثر الفراشة، يقول ولا يقول، لمسته لا ترى، ولكنها أعمق أثرا من كل اللمسات.

ليس أدل على ما نقوله مثل هذه الرواية القصيرة «أيام وردية»، التى قدمتها دار الشروق فى طبعة جديدة، لتذكرنا ببطلها أمين الألفى، الذى يمكن أن تضعه باطمئنان جنبا إلى جنب مع أولئك الأبطال المثقفين المغتربين فى السرد العربى، والذين يعانون أزمات شخصية ووجودية معا، يبدون كأنهم فقدوا زمنهم وأحلامهم، وأصبحوا فجأة فى مواجهة عالم غير مفهوم، لم يعد للحياة طعما، فدخلوا متاهة مؤلمة، وصاروا يبحثون عن طريق، مثل أطفال منبوذين، أو كأنهم يترجمون حرفيا كلمات الراحل سيد حجاب عن «انكسار الروح فى دوح الوطن».

إنها بامتياز رواية بحث، وأمين الألفى فى اغترابه السياسى والاجتماعى يذكرنا بعيسى الدباغ فى «السمان والخريف»، ويذكرنا فى أزمته الوجودية بعمر الحمزاوى بطل «الشحاذ» لنجيب محفوظ، ولكن جيل أمين هو جيل علاء الديب نفسه، الذى كسرته هزيمة 67، ثم وجد ذاته أكثر اغترابا مع التحولات الاقتصادية والسياسية اللاحقة.

تبدأ رواية «أحلام وردية» وبطلنا عمره 54 عاما و4 أشهر و8 أيام، حسبها هو وكأنها عبء ثقيل، إخصائى اجتماعى فى المنصورة، جاء هاربا من القاهرة، ويبدو فى الحقيقة هاربا من نفسه، يتسلل من بيته بالبيجاما والشبشب، ليقف بجوار شجرة سنديان عملاقة، فى طريق عودته، يحصل على ثلاثة حبوب من صديقه الصيدلى د. ظريف: حبّة مقوية، وأخرى منشطة، وثالثة مهدئة، وفى بيته يقبع فى البلكونة منعزلا، يحتسى البراندى، ويجتر ذكريات شاحبة غاربة.

من هذه البداية المكثفة، ندخل مباشرة إلى قلب الأزمة، التى تتضح معالمها تدريجيا: حالة اكتئاب نموذجية، ولكنها بالأساس حالة انهزام للحلم، تشقى هذه الشخصيات بأحلامها، وهزيمتها بذلك تكون أعمق. علاء الديب يصف أمين أكثر من مرة بأنه «المفكر العربى»، ويجعله مهموما بأزمته الشخصية، حيث زوجة لم تعد تهتم به، صارت قمحا يابسا بعد أن كانت حنطة خضراء، وابن وابنة من جيل آخر، وحياة تتغير فى اتجاه جديد، من خلال أبلة الحاجة زينب، العائدة من أرض النفط كداعية للدين، والتى لن تهدأ حتى تفرّق بين أمين وزوجته.

أمين أيضا مهموم بذاكرة تمتلئ بالهزائم: هزيمة وانكسار 67، هزيمة حب قديم، عندما رفضته فتاة أحبها، نكبة فلسطين المتواصلة بكل تداعياتها، وهزيمة وطن تغيرت ملامحه من النقيض إلى النقيض، فلم يعد يعرفه، أصبح أمين مثل كائن فضائى هبط إلى أرض غريبة.

يبرع علاء الديب فى وصف أزمة بطله؛ لأنه يصف فى الواقع أزمة جيله، ويستحضر من خلال أمين شخصيات مثقفة عرفها، حاولت أن تقاوم فكرة «ضياع الحلم»، ومن هنا جاء عنوان الرواية الشاعرى «أيام وردية»، إنه تعبير عن أشكال متنوعة لمقاومة أمين لفكرة، هى فى مستواها الفلسفى، أقرب إلى«غياب المعنى»، وكأن هذا الجيل يحاول أن يواجه ذاته حتى النهاية، وفى كل مكان، وكأنه يبحث دوما عن مرفأ بديل.

يدخل أمين مصحة نفسية، وفيها يجد تلك «الأيام الوردية» المفترضة، متمثلة فى الخيال والعودة إلى الماضى، وفى محاولة التشبث بفتاة فلسطينية فى المستشفى، منتهكة ومحطمة، وكأنها تجسد أمامه ما تعرض له جيله من مأساة خاصة وعامة وقومية، ربما وجد أمين أن مساندته لهذه الزهرة الصفراء، ما يمنحه سببا للحياة والبقاء، بعد أن انفصلت عنه زوجته، تحضر الذاكرة قوية فى أيام العلاج الوردية: يحضر الأب النازح من قرية ريفية، ويحضر صديقه إبراهيم أبو خليفة، الذى سجن ظلما، وتخلّى الأب عن الوقوف بجانبه، ويحضر طيف المحبوبة القديمة، ويزوره تلميذه النوبى الذكى الفقير مفتاح، ومندور الكاتب الكبير الكفيف، مستقبلٌ يريد أن يخرج من قلب الظروف الصعبة، وماض أنهكته التجربة.

لن يجعل الخيال الأيام وردية، سيعيده واقع المصحة الخشن إلى أيامه المتربة، سيشفى أمين من الاكتئاب، وسيكون عليه أن يخرج من جديد إلى الحياة، ولكن كيف يمكن أن ينقذ روحه الجريحة؟ فى تنقلات أمين بين القرى والبلاد حاملا شنطته ما يمنحه مظهر درويش يبحث عن طريق، الريف الذى يعرفه لم يعد مثلما كان، غابات الأسمنت تكتسح المشهد، ولكن هناك، فى قرية أبيه، سيجد إبراهيم أبوخليفة، صديق الأب القديم، وقد خرج من السجن، لم يتوقف عن حب الحياة وصنعها، يزرع نبات اللوف، ويتمسك بالأرض، يعيش أمين وأبو خليفة حياة بسيطة، كشك صغير خارج فوضى الحياة، ويأتى الموت إلى أمين بكل هدوء، بعد أيام وردية حقا: «لحظات اليوم كله منسابة متجانسة، يفضى بعضها إلى بعض فى اتساق وبلا قلق، جلس على أرض، وأسند ظهره إلى جدار. ارتاح البدن. سكنت روحه وارتاحت كأنها دخلت إلى ماء عذب. هنا عرف أخيرا، كيف يموت، رأى أكثر من مرة تفاصيل النهاية والرحلة عبر البرزخ».

لم يعد أمام هذا الجيل المنهك والمعذب بوعيه، وبأحلامه، إلا هذا الصعود الروحى، فيه الخلاص من الفوضى، ومن غياب المعنى، ومن انقلاب الزمن، ومن تبدل الأحوال، ولكنه حتى وهو يصعد كان يرى ما يصنع أملا: «عبر باب النهاية والبرزخ، يجد نفسه راقدا ميتا فى هدوء، حاضرا غائبا تحت شجرة السنديان، بدنه ضخم، يرتدى ثيابا غريبة ملونة، قلبه طافح بالعشق، وعيونه مغلقة. يرى السنديانة فوقه مهيبة، تصل الأرض بالسماء».

تعود السنديانة من جديد قوية شامخة، وهى التى تعرضت للغمر بالماء كى تسقط فى الواقع الحزين، لم يكن إنسانيا أن يتعذب أمين تحت شعوره المؤلم بالخذلان والخيانة والقهر وانكشاف العورات، ولم يكن ممكنا أن يصبح شخصا آخر يقبل ما كان يرفضه، مثلما فعل الكثيرون، لم يعد باقيا سوى الخلاص الروحى، الذى سبقه التشبث بالأرض، بالجذور، مثل سنديانة تشهد اغترابا موجعا، ومثل رفيق الأب أبو خليفة، صانع الحياة، الذى يبنى الكشك كلما هدموه، والذى يزرع نبات اللوف، ويطلق البهجة بزهور ست الحسن.

«أيام وردية» نموذج ناضج للرواية القصيرة المحكمة، بعباراتها المكثفة الشاعرية، وبتصويرها المؤثر لأزمة بطلها وجيله، وبتعبيرها القوى عن فكرة الاغتراب بكل مستوياتها، وبشهادتها على زمنها، ومن قوقعة البلكونة حيث البراندى والحبوب الثلاثة، إلى البرزخ الذى يقود إلى انطلاق الروح.

تبدو الرواية مثل رحلة عميقة وصعبة للتحرر من هزيمة الحلم، وللخلاص من جراح الروح، حتى لو كان الثمن باهظا، وكأن علاء الديب يكافئ جيله على المعاناة، بسلام أخير مستحق، وبحالة صفاء روحى تعادل ألما طويلا ومتواصلا، جراء الإغتراب المكانى والزمانى والإنسانى، كان يمكن أن تكتب الرواية بضمير المتكلم، ولكن علاء الديب أراد أن يضع هذه المسافة بينه وبين بطله، لكى يتأمل هو، فنتأمل نحن.

هذه رواية عظيمة مفتاحها العشق: عشق الإنسان، والوطن، والمعنى، وأخيرا عشق الحرية والانعتاق من الألم.
التعليقات