السبت 16 ديسمبر 2017 11:21 ص القاهرة القاهرة 19.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

بل هناك حاجة ملحة للأيديولوجيات

نشر فى : الخميس 16 فبراير 2017 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 16 فبراير 2017 - 9:30 م
منذ أن بدأت الأطروحات السياسية القومية العربية والإسلامية العربية بالتراجع، وأحيانا بالفشل الذريع، وذلك بسبب أخطاء وعدم كفاءة المنادين بها فى بعض الأحيان، أو بسبب عدم تهيئة وإنضاج الظروف المطلوبة لإنجاحها، انبرت أفواه وأقلام حاملى رايات الإحباط واليأس والفذلكات الفكرية بطرح المقولة التالية: انتهى عصر الأيديولوجيات.

ولكن، هل حقا أن الحاجة لطرح الأيديولوجيات فى المجتمعات العربية لم تعد له مبرراته الذاتية؟ الجواب هو العكس تماماَ.

***

دعنا أولا نستحضر مكونات ال الثلاث: إجراء تحليل ونقد موضوعى علمى للمجتمع، ووضع أهداف عليا وتصورات شاملة لما يجب أن يكون عليه ذلك المجتمع فى المستقبل، وتحديد الأدوات والوسائل اللازمة للقيام بالمهمتين السابقتين. وتهدف تلك المكونات لإجراء تغييرات وتحولات اجتماعية وسياسية كبرى فى المجتمع من خلال استعمال العقل والمنطق والاستعانة بمنجزات العلوم والثقة الكاملة فى قدرة الإنسان على تغيير محيطه وتحسين مستوى معيشته وتصحيح مسارات حياته.

دعنا نستذكر ثانياَ بأن الأيديولوجيات الشهيرة فى الغرب الأوروبى، من مثل الليبرالية والاشتراكية والمحافظة، قد كانت حصيلة دخول الغرب فى حداثته. فأفكار الحداثة، من مثل الحرية والمساواة والمواطنة والتقدم وحقوق الإنسان، كانت بحاجة لتنظيمها وإدماجها فى مشروعات سياسية واجتماعية كبرى شاملة. من هنا ولد مفهوم الأيديولوجية.

والأمر نفسه ينطبق على بلاد وأمة العرب: فإذا كنا نتحدث عن بناء حداثتنا الذاتية، المستفيدة بالطبع من حداثات الآخرين ولكن الآخذة بعين الاعتبار لخصوصيتنا، فهل ندخل حداثتنا بمشاريع سياسية اجتماعية صغيرة ومجزأة وغير مترابطة ومتعاضدة، أم ندخلها بأفكار كبرى، الناقدة للمجتمع والمحددة للأهداف والبانية للأدوات والوسائل فى آن واحد؟

نحن هنا تتحدث عن أيديولوجيات متعايشة ومتفاعلة مع بعضها البعض فى أجواء من الحرية والديمقراطية والتنافسية الشريفة، وليس عن أيديولوجيات متزمتة واستئصالية للآخر وفارضة نفسها بالقوة والبطش كما شاهدها العالم الغربى طيلة القرن الماضى وكما شاهدناها نحن العرب منذ الاستقلال.

دعنا نستذكر ثالثا بأن الشكوك التى تحيط بجدوى أيديولوجيات فى المجتمعات الغربية هى حصيلة للأزمات الكثيرة التى حلت بالحداثة الغربية من مثل الحروب العالمية الكبرى وممارسة الاستعمار وتفسخ الديمقراطية وممارسة الرأسمالية المتوحشة الظالمة وغيرها كثير.

***

أما بالنسبة لأمة ووطن العرب فالأمر يختلف. فنحن أمة مجزأة، مسلوبة الإرادة السياسية، منهوبة الثروات، لم تخرج بعد من صراعات الولاءات الطائفية والقبلية والعرقية البدائية، ولم تصل بعد إلى شواطئ الأمان فى أوضاعها السياسية والاقتصادية. وعليه فإن حاجتها لتصورات سياسية واجتماعية شاملة ومترابطة هى حاجة ملحة، وذلك من أجل أن تواجه أهوال مشاكلها بأيديولوجيات نقدية وعقلانية متكاملة وبالشروط التى ذكرناها.

نحن على علم بالأطروحات السياسية والاجتماعية، التى طرحها مفكرون غربيون من أمثال فوكو الفرنسى، والقائلة بأفضلية تبنى المشاريع السياسية والاجتماعية الهادفة لحل إشكاليات محددة وخاصة بفئة من المواطنين، من مثل مساواة المرأة فى الأجور أو معالجة موضوع الأقليات أو تحديث هذا الحقل أو ذاك، وذلك بسبب الويلات التى واجهتها المجتمعات الغربية من جراء الأيديولوجيات الشمولية العنيفة التى طرحت فى الغرب. إنها أطروحات قد تصلح لمجتمعات تنعم باستقلالها الوطنى ووحدتها الوطنية وبنظامها السياسى المستقر وباندماجها فى مسيرة الحضارة الإنسانية.

لكن ذلك لا ينطبق على مجتمعاتنا العربية التى تصارع من أجل الخروج من تخلفها التاريخى ومن أجل وحدة أوطانها واستقلالها الوطنى ومن أجل الانتقال إلى نظام سياسى ديمقراطى معقول ونظام اقتصادى انتاجى غير ريعى.

والواقع أن هناك أصواتا قوية وكثيرة فى الغرب تعتقد بأن أخطاء الماضى يجب أن تؤدُى إلى تصحيح أخطاء الأيديولوجيات السابقة وليس إلى رفض أهمية تواجد الأيديولوجيات فى مجتمعاتهم. إن هؤلاء لا يتصورون غياب الليبرالية أو الاشتراكية أو المحافظة، وإنما ينادون بتعديل بعض ممارساتها الخاطئة.

فى بلاد العرب، ونحن نعيش جحيم الحاضر الملىء بالأخطار الكبرى التى ليس مثيل فى تاريخنا كله، نحتاج أكثر من أى وقت مضى إلى طرح الأيديولوجيات، سواء الرافعة لألوية القومية أو الليبرالية أو الاشتراكية أو الإسلامية.

***

من حق البعض أن يطالبوا بتصحيح بعض جوانب أطروحات وممارسات الماضى، فهذا واجب وضرورة، ولكن ستكون كارثة لو اقتصرت الحياة السياسية والاجتماعية العربية على الانشغال بحل مسائل جزئية متناثرة بدلا من محاولة النضال السلمى الديمقراطى المستمر لإجراء تحولات وتغييرات كبرى فى حياة الإنسان العربى.
علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات