الأحد 22 أبريل 2018 4:52 ص القاهرة القاهرة 17.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد انتشار لعبة الحوت الأزرق.. هل تؤيد إصدار قانون لتقنين الألعاب الإلكترونية؟

ما بعد الضربة الأمريكية فى سوريا

نشر فى : الإثنين 16 أبريل 2018 - 11:10 م | آخر تحديث : الإثنين 16 أبريل 2018 - 11:10 م

جاءت الضربة الصاروخية الأمريكية الأخيرة ضد سوريا فى ١٣ إبريل الماضى أقل كثيرا مما كان متوقعا، ورغم اشتراك بريطانيا وفرنسا وما ذكره ترامب فى تغريداته، فإنها كانت محدودة النطاق والتأثير. فلماذا كانت على هذا النحو من العمل العسكرى المحدود؟ وهل كانت مجرد رسالة تحذيرية كما قيل بعد ذلك؟ أم أن التخوف من رد الفعل الروسى قد أجبر واشنطن وحلفاءها فى كل من لندن وباريس على تقييد تحركاتهم وعدم التوسع فى استخدام قوتهم العسكرية ضد النظام السورى؟

من الملفت للنظر هنا أن هذه ليست المرة الأولى التى يعلن فيها ترامب عن موقف ما ثم يعود ويتراجع عنه. وفى حالة سوريا تحديدا، فقبل أسبوعين فقط أعلن ترامب فى خطاب له أمام حشد من أنصاره ومؤيديه بولاية أوهايو الأمريكية عن نيته سحب القوات الأمريكية من سوريا. وهى القوات التى يقدر عددها بألفى جندى، وتتواجد بشرق سوريا بهدف تقديم الدعم والمشورة للقوات الكردية السورية فى حربها ضد بقايا عناصر داعش هناك ومنع تجمعها من جديد. وطبقا لبعض المصادر الإعلامية الأمريكية فإن ترامب قد طلب بالفعل من وزارة الدفاع سحب هذه القوات خلال يومين أو ثلاثة. وهو الأمر الذى عارضه كبار مستشاريه لما يعنيه ذلك من ضم سوريا بالكامل للنفوذ الروسى فى المنطقة، واعتراف واشنطن بهزيمتها أمام موسكو فى التنافس على مناطق النفوذ فى الشرق الأوسط. وقد استجاب ترامب لضغوط المؤسسات الأمريكية ووافق على تأجيل انسحاب القوات الأمريكية إلى ما بعد ستة أشهر، وقد تكون أكثر من ذلك ووفقا للظروف المحيطة بسوريا وقتها.

ثم كان الهجوم الكيماوى الأخير قبل عدة أيام على مدينة دوما بالغوطة الشرقية، والذى ذكرت المصادر الغربية أن القوات الحكومية السورية مسئولة عنه. الأمر الذى وضع ترامب فى حرج شديد، وهو الذى حرص منذ عام مضى على إثبات اختلافه عن سلفه باراك أوباما فيما يتعلق بتنفيذ تهديداته إزاء ما قيل من أنه استخدام القوات السورية لغاز الأعصاب ضد معارضيها، ووجه ضربة صاروخية وقتها ضد مطار الشعيرات السورى. وكما هو معروف عن ترامب من اندفاع وحركات استعراضية، كانت تغريدته الشهيرة التى حذر فيها روسيا من الصواريخ الأمريكية القادمة على سوريا، الأمر الذى أصاب العديد من المسئولين والمحللين بالانزعاج والخوف الشديدين من انفلات الأمور واحتمالات تصاعدها لتصل إلى مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وروسيا الفيدرالية. الأمر الذى أدى بترامب نفسه إلى التراجع بعد ذلك والعمل على التخفيف من حدة خطابه السابق. ولكن مصداقية واشنطن وترامب تحديدا أصبحت على المحك، خاصة مع إعراب كل من زعيمى بريطانيا وفرنسا عن استعدادهما للاشتراك مع الولايات المتحدة فى عمل عسكرى ضد سوريا. وكان لكل منهما أسبابه الخاصة، فبالنسبة لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماى، والتى تعانى أصلا من مشاكل داخلية نتيجة تعثرها فى المفاوضات الخاصة بانسحاب بلادها من الاتحاد الأوروبى، فقد كان الهجوم الكيماوى فى سوريا فرصة لصرف الأنظار عن مشاكلها الداخلية. هذا الهجوم الذى تم وضعه فى ذات سياق محاولة اغتيال العميل الروسى فوق الأراضى البريطانية، ليشكلا معا المبرر المطلوب للقيام بعمل عسكرى فى الخارج تستطيع معه استعادة بعض من شعبيتها المفقودة. أما بالنسبة للرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، فإنه يبحث أيضا عن دور لبلاده فى الشرق الأوسط تستطيع معه فرنسا أن تعزز به مكانتها على الساحة الدولية وترفع من شأنها داخل الاتحاد الأوروبى الذى أصبحت ألمانيا القوة الرئيسية فيه.

ولكن على الجانب الآخر، فإن روسيا اليوم غير روسيا الأمس، وقد أظهر الرئيس بوتين استعداده لاستخدام القوة العسكرية أكثر من مرة فى أكثر من موقع، بدءا من جورجيا فى ٢٠٠٨ مرورا بأوكرانيا فى ٢٠١٤ وانتهاء بسوريا فى ٢٠١٥. هذا فضلا عن رد الفعل الروسى المقتضب ولكن الواضح على تغريدة ترامب الموجهة ضد روسيا بشأن الاستعداد لاستقبال الصواريخ الأمريكية الذكية. وهو ما كان يعنى أن روسيا لن تقف مكتوفة الأيدى، ولن تدع مثل هذا الهجوم الجديد يمر كسابقه على مطار الشعيرات فى العام الماضى. وقد أخذ القادة الأمريكيون والغربيون هذا التحذير الروسى بمحمل الجد، وعليه جاء العمل العسكرى فى أقل الحدود الممكنة وبما يحفظ ماء الوجه وكأن المراد فقط مجرد إرسال رسالة تحذيرية وليس أكثر من ذلك. فهل يعنى ذلك تراجع المواجهة الروسية الأمريكية على الأراضى السورية؟ أم أن هذه المواجهة ستكون غير مباشرة وستأخذ أشكالا أخرى؟

لقد أظهرت أحداث الأيام الأخيرة فى سوريا أن لا أحد يريد مواجهة دولية أو إشعال حرب عالمية ثالثة، سواء كانت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من جانب، أو روسيا على الجانب الآخر. من ناحية أخرى، فإن فصول الصراع فى سوريا لم تنته بعد، ومازال التنافس على أشده بين مختلف الأطراف، ولا يقتصر فقط على هذه الدول الأربع سالفة الذكر، خاصة فى ظل وجود من يعمل على إذكاء هذا الصراع ولن يهدأ له بال حتى يحقق أهدافه فى سوريا. ويأتى على رأس هذه الأطراف إسرائيل التى تعمل على إزاحة التواجد العسكرى الإيرانى داخل سوريا وخاصة القريب منها لهضبة الجولان السورى المحتل. وهو الأمر الذى تعده تل أبيب تهديدا مباشرا لها ويمس صميم أمنها القومى، الأمر الذى حدا بكل المعلقين والكتاب على ترجيح حدوث مواجهة إيرانية إسرائيلية على الأراضى السورية. هذا ويضاف لما سبق ما تشيعه إسرائيل عن امتلاك حزب الله لمائة وعشرين ألف صاروخ، وهو الأمر الذى يضاعف من احتمالات قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية ضد قوات حزب الله سواء داخل سوريا أو على الأراضى اللبنانية. وهناك أيضا السعودية وما تكنه من عداء لإيران وحزب الله وبحثها عن فرصة لتوجيه ضربة قاصمة لكليهما عن طريق طرف ثالث، هذا فضلا عن ما يبدو من تصميم ترامب على تقويض الاتفاق النووى مع إيران. وعليه فإن احتمالات حرب بالوكالة تظل هى الأرجح على الساحة السورية، حيث تقوم إسرائيل بمهاجمة حلفاء موسكو فى سوريا من قوات إيرانية وعناصر حزب الله، بينما تستمر روسيا فى قضم مناطق نفوذ جديدة دون الدخول فى صدام مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية.

التعليقات