الثلاثاء 22 مايو 2018 4:05 ص القاهرة القاهرة 30.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى أن دمج وتحالف الأحزاب سيفيد في انتعاش المشهد والحياة السياسية في مصر؟

مذبحة صفقة القرن

نشر فى : الأربعاء 16 مايو 2018 - 10:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 16 مايو 2018 - 10:05 م

فى سبعينية النكبة تناقضت الصور على نحو يجزم بامتداد الصراع الفلسطينى الإسرائيلى إلى عقود أخرى.
لا الإسرائيليون بوسعهم ـ أيا كانت بشاعة المذابح التى يرتكبونها ـ إنهاء القضية الفلسطينية بإرهاب قتل، أو بصفقة قرن.
ولا الفلسطينيون ـ أيا كانت فواتير الدم التى يبذلونها ـ بمقدورهم التنازل عن وجودهم نفسه والحق فى الحياة بكرامة على ما تبقى من أراضيهم.
كانت المذبحة، التى ارتكبتها القوات الإسرائيلية بحق متظاهرين فلسطينيين عزل من أى سلاح بنفس اللحظة التى كانت ترفع فيها الأنخاب احتفالا بافتتاح السفارة الأمريكية فى القدس المحتلة تعبيرا صريحا عن الصراع وطبيعته.
بقوة الصور غلبت مشاهد الدم أنخاب الاحتفال وأفسدت أى رهانات إسرائيلية على دفع دول أخرى لنقل سفاراتها إلى القدس المحتلة.
بقدر الدماء التى سالت والعذابات الإنسانية التى تبدت على وجوه الضحايا كسبت القضية الفلسطينية المعركة الأخلاقية أمام العالم كله.
بالأرقام: سقط فى المذبحة (61) شهيدا وأصيب نحو (2300) متظاهر سلمى، بعضهم حالته حرجة، بالقرب من السياج العازل بين قطاع غزة والدولة العبرية.
تحت صدمة الصور المروعة لجنود مدججين بالسلاح يطلقون الرصاص الحى على شبان وشابات شيوخ ونساء وأطفال صغار وصحفيون يتابعون الحدث تبدت إدانات دولية ارتفع صوتها ودرجة احتجاجها بأكثر مما هو معتاد على أى انتهاكات إسرائيلية سابقة، حتى وصلت بما يشبه الإجماع لطلب تحقيق دولى مستقل.
رغم محنة المذبحة فإن الوصول إلى هذه النقطة من تطور الموقف الدولى الإنسانى مسألة مستقبل على أى مدى منظور شرط أن تتوافر إرادة متماسكة يجمع الفلسطينيون عليها وفق برنامج وطنى قادر على مواجهة مخاطر استئصال أى حقوق ثابتة.
مثل هذا التطور تعوق استثماره صراعات الفصائل حتى أنها أصبحت عبئا لا يطاق على القضية الفلسطينية.
جرت دعوات فى الضفة الغربية وغزة إلى إضراب شامل واحتجاجات غاضبة على المذبحة وكانت الاستجابة غير مسبوقة بقوة الغضب العام قبل أى اعتبار آخر منسوبا لهذا الفصيل أو ذاك.
لم تكن المذبحة الأخيرة حدثا غير مألوف، أو تطورا مفاجئا فى مسار الصراع، فالعنف من طبيعة نشأة وتكوين الدولة العبرية، التى تأسست فى مثل هذه الأيام من عام (1948).
نشأت بالسلاح وبقيت بالسلاح وكان السلاح وحده ضمان وجودها.
نظرية الأمن الإسرائيلى تأسست على استخدام الحد الأقصى من الترويع والإرهاب وارتكاب المذابح، وأشهرها ما جرى فى قرية «دير ياسين» من تقتيل جماعى لأهلها فى (9) إبريل من ذلك العام لإرهاب الفلسطينيين ودفعهم لمغادرة بيوتهم.
اختلفت التقديرات فى أعداد ضحايا مذبحة «دير ياسين»، أكدت بعضها أنهم (360) ضحية، كما لم تكن هناك صور تنقل إلى العالم تروى وتشهد وتدين لحظة الحدث الدموى.
بعد سبعين سنة تكفلت الوسائل الحديثة بنقل الصور على الهواء مباشرة إلى كل مدينة وقرية وبيت، التى أثبتت دون ادعاء عمق المعاناة الفلسطينية كشعب يعانى تمييزا عنصريا وترتكب بحقه جرائم ضد الإنسانية.
وفق المنظمات الحقوقية فإنها جرائم حرب تستدعى المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية.
بدرجة أقل أدانت دولا أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا ما أسمته «الاستخدام المفرط للقوة»، فيما بدت المواقف العربية بعضها مخجلة وبعضها الآخر كأنه واجب ثقيل.
لماذا ارتكبت المذبحة فى سبعينية النكبة أثناء افتتاح السفارة الأمريكية بالقدس المحتلة؟
هذه رسالة إرهاب وترويع لتثبيت القدس «عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل»، وأنه ليس أمام الفلسطينيين سوى تقبل «صفقة القرن»، أو «سلام القوة» بكامل الاشتراطات الإسرائيلية، فالقدس خارج أى تفاوض وعودة اللاجئين المنصوص عليها فى قرارات دولية مستبعدة وضم الكتل الاستيطانية فى الضفة الغربية مسألة منتهية مقابل تبادل أراضٍ تستريح فيه الدولة العبرية من صداع عرب (1948) ودويلة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة ولا اتصال بين أراضيها تخضع بالكامل للهيمنة العسكرية الإسرائيلية.
لا شىء مقابل كل شىء.
هذا ـ بالضبط ـ هو نوع سلام الذى تحدث عنه الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى رسالة مسجلة إلى احتفالية افتتاح سفارة بلاده فى القدس المحتلة: «إن الولايات المتحدة تظل ملتزمة تماما تسهيل اتفاق سلام دائم بين الفلسطينيين وإسرائيل، وأن أملنا الأكبر هو السلام».
لا يوجد عاقل واحد فى العالم بأسره مستعد أن يصدق مثل هذا الكلام، أو يعتقد أن «ترامب» يصلح للعب أى دور إيجابى فى الملف الفلسطينى، حيث يتماهى مع أكثر المقولات الصهيونية تشددا.
بتعبير الرئيس الفلسطينى «محمود عباس» فإن «الولايات المتحدة لم تعد وسيطا بعد نقل سفارتها إلى القدس المحتلة» واصفا السفارة بـ«بؤرة استيطانية أمريكية فى القدس».
بالنظر إلى أن «عباس» هو «عراب اتفاقية أوسلو» والرجل الذى راهنت عليه إسرائيل بديلا عن «ياسر عرفات» شريكا فى السلام، فإن أحدا آخر لا يجرؤ فى الإقدام على ما يتحرز منه حتى «لا اختم حياتى بخيانة» ـ بنص تصريح معلن.
كان عاديا ومتوقعا أن يسوغ رجل بمواصفات «ترامب» المذبحة بأنه «من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها».
هذه الذريعة انتهاك لأى معنى إنسانى، أو أى عهود ومواثيق دولية، ولا تصدر إلا عن مجرمى حرب.
هنا ـ بالضبط ـ جوهر صفقة القرن.
باستخفاف مفرط قالت المندوبة الأمريكية فى الأمم المتحدة «نيكى هايلى»: «إن الإسرائيليين مارسوا ضبط النفس!».
كانت تلك محاولة ساذجة لتبرأة القتلة.
جرت محاولة أخرى لحرف الانتباه بإلقاء مسئولية المذبحة على حركة «حماس» التى تحرض وتتبنى مسيرات العودة عند السياج العازل مع قطاع غزة.
القضية ليست «حماس» بقدر ما هى ظروف لا إنسانية يخضع لها الفلسطينيون فى غزة تحت وطأة حصار قاس، وحقوق مشروعة فى العودة إلى بيوتهم التى هجروا منها.
هناك استثمار إسرائيلى فى الانقسام الفلسطينى، كأن اتهام «حماس» يشفع لها بالرضا عند خصومها، وهذا استنتاج متعسف.
هناك استثمار ثان لاندفاع دول عربية إلى التطبيع مع إسرائيل سياسيا واستراتيجيا وعسكريا واقتصاديا فى مشروعات تعاون إقليمى، باسم مناهضة «العدو الإيرانى المشترك».
غير أن لكل شىء طاقته، وقضية القدس بالذات لها رمزيتها التى يستحيل تجاوزها بلا أثمان باهظة.
بأية متابعة لحركة صور المذبحة على الفضائيات الدولية والإقليمية لم يكن ممكنا لأحد تجاهل الحدث المروع ولا ردات فعله، حتى الفضائيات التى تهرول دولها للتطبيع مع إسرائيل وجدت نفسها مدفوعة للإدانة.
الحقائق تقول كلمتها والحساب الختامى سوف يكون عسيرا.