الأربعاء 21 نوفمبر 2018 4:53 ص القاهرة القاهرة 19.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

من قافلة الحرية إلى مجلس الأمن: انتصارات عربية على تركيا..

نشر فى : الأربعاء 16 يونيو 2010 - 10:13 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 يونيو 2010 - 10:13 ص

 يخوض أهل النظام العربى حروبا لحساب الغير بكفاءة منقطعة النظير لم يظهروا مثلها فى الأخطر من معارك إثبات الوجود وحماية المصير.

وها هم يتبادلون التهانى بعدما حققوا انتصارين تاريخيين فى آن معا، وفى مدة زمنية قياسية:
1 ــ لقد أفشلوا «المؤامرة» التركية ــ البرازيلية التى كانت تهدف إلى فك الحصار الأمريكى المدول والمفتوح ضد النظام الإيرانى الذى يتزعم «محور الشر» والذى يعيث فسادا فى أربع رياح الأرض، فيحرض الشعوب الآمنة ضد حكامها الأبديين ويستعديها على رسل الحضارة الإنسانية والمبشرين بالسلام المستديم من جنرالات الجيش الإسرائيلى وزعماء المستوطنين الذين قدموا إلى فلسطين ليصلحوا «صحراءها» فيزرعوها ويبتنوا فيها مساكن لائقة بكرامة المضطهدين فى أوطانهم الأصلية، مثل الفلاشا فى الحبشة والمنحدرين من أعراق أقلوية فى روسيا وسائر أنحاء إمبراطوريتها التى دمرتها الاشتراكية، فضلا عن كل من ضاقت به أرضه أو أراد أن يغير مسار حياته فى أية بقعة من العالم.

لم يكن لأهل النظام العربى إلا صوت واحد فى مجلس الأمن، هو صوت لبنان الذى تثبت التجارب غالبا أن هشاشته أصلب من أن تكسر، وهكذا فقد حاصره أهل النظام العربى بالضغوط والتمنيات ليمنعوه من التفريط بكرامة صوته ومصالح «أهله»، ولكى يفرضوا عليه حسم موقفه فقد طلبوا من السيدة التى كادت أن تكون رئيسا هيلارى كلينتون أن تهاتف رئيس جمهوريته الصغيرة المحكومة بتوازنات دقيقة يتداخل فيها مع الجغرافيا التاريخ ومع المصالح الذاتية قوى الدنيا جميعا بالكبار فيها والصغار بثروات أسطورية.

نتيجة ذلك كله أبدعت الطبقة السياسية فى لبنان لوحة من الموازييك نادرة المثال: انقسم مجلس الوزراء على نفسه، وغيبت الأكثرية بعضها، وأعارت رئيس الجمهورية بعضا من أصواتها لتأتى نتيجة التصويت: 14 مقابل 14، فيكون القرار المحلى الهرب من القرار الدولى بالامتناع، أى بالتخلى عن الدولتين الصديقتين تركيا والبرازيل للالتحاق بالركب العربى الذاهب إلى الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران.

2- شن أهل النظام العربى «غارة سياسية» محسوبة بدقة على «التدخل» التركى فى شئونهم الداخلية، وذلك عبر إيفاد الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى قطاع غزة، بعدما انتبهوا إلى حقيقة أن المليون ونصف المليون من أهله الفلسطينيين يموتون موتا بطيئا تحت الحصار الإسرائيلى معززا بالطوق العربى الحديدى مانع الأدوية والأغذية وكتب الأطفال بذريعة مكافحة الإرهاب....

احتاج أهل النظام العربى إلى أربع سنوات، تخللتها حرب إسرائيلية لم توفر سلاحا إلا واستخدمته ضد هذا الشعب المجوع والممنوع عنه الهواء، لينتبهوا إلى أن فى غزة بعض رعاياهم الذين لا بد من استعادتهم ولو كانوا مضللين، حتى لا يظلوا فى دائرة استثمار الآخرين من المتآمرين والمعادين لركب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهكذا دخل عمرو موسى عبر معبر رفح، فكسر الحصار ومزقه نتفا، وتوقف فى محطات عدة ليخطب ــ بصوته المتهدج ــ مستثيرا حماسة الجمهور المجوع والمتروك ــ بنسائه وأطفاله والشيوخ ــ للريح، مدارسه ومساجده ومستشفياته مهدمة، وأكواخ الصفيح والطين تضيق بمن هدمت بيوتهم فى مخيمات اللجوء الثانى والثالث.

كانت جثامين شهداء « قافلة الحرية» تملأ سماء غزة بالأعلام التركية وصور «البطل» الآتى من الأناضول، رجب طيب أردوغان...وكان لا بد من التخلص من هذا الكابوس الذى يقض مضاجع أهل النظام العربى منذ «مؤتمر دافوس» الشهير!.

ومع التقدير لكفاءة عمرو موسى الدبلوماسية ولحنكته السياسية، ولمواقفه العربية، متى استطاع التعبير عنها، فإن مهمته فى غزة التى «تمت بقرار عربى» كما قال، و«دولى» لم يشأ القول، قد تأخرت ــ أو أخّرها أصحاب الأمر ــ أربع سنوات عن موعدها المفترض.. وإن كان رأى البعض أنه فى اقتحامه غزة إنما يرد التحية لأردوغان الذى أحرجه فى ذلك المؤتمر فى دافوس فكاد يحرجه لولا أن تدخل بان كى مون ليعيده إلى توازنه (المفروض؟) فى مقعده المريح إلى جانب الرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز الذى تركه «مبارزه» التركى غارقا فى دماء ضحاياه من أبناء الشعب الفلسطينى وسائر العرب.

أطلق عمرو موسى سيلا من الخطب التى لا يملك غيرها سلاحا.. لكن الخطب لا تفك الحصار الإسرائيلى، ولا تأتى بالمساعدات لإعادة إعمار غزة، لا من البر ولا من البحر ولا خاصة من الجو.. فسلطة عمرو موسى لا تشمل فتح المطار والمرفأ والمعابر البرية، ولا هى تردم الأنفاق التى تفتحها الإرادة وحب الحياة.

بعد ساعات عبّر خلالها الفلسطينيون المحاصرون لإيمانهم بأرضهم عن تقديرهم لهذه الخطوة، ولو متأخرة كثيرا عن موعدها المرتجى، غادر الأمين العام للجامعة العربية غزة المحاصرة، بغير أن يسعفه اسمه الأول «موسى» باجتراح عجائب تعيد الحياة إلى المخيمات المهدمة والمثقلة باللاجئين إلى ركامها، وترجع الفراشات إلى رحلتها المفتوحة فوق أصص الورود التى حفظتها الأمهات الفلسطينيات لعيد التحرير.

عند معبر رفح، توقف عمرو موسى لحظات وأجال بصره فى غزة التى نجح فى تحريرها من الاستعمار التركى التى حاول العودة إليها من جديد متلطيا بجثامين شهدائه فى سفينة الحرية التى استخدم الجيش الإسرائيلى نخبة جنوده فى أسلحة البر والبحر والجو لمنعها من الوصول إلى غزة بتكليف من العالم أجمع، تتقدمه الإدارة الأمريكية برئيسها الأسمر، ويسير فى ركابه أهل النظام العربى وقد استعادوا وعيهم بعد نوبة القلق التركى الذى أقض مضاجعهم لأسابيع قليلة.

فى هذا الوقت بالذات كانت المقار الرسمية فى عاصمة المعز تفتح ذراعيها لاحتضان ضيف استثنائى جاءها من لبنان، فى تزامن ملفت مع القرار بفتح معبر رفح أمام أهل غزة والراغبين فى مساعدتهم على كسر حصار الإذلال بالتجويع.

لم يكن بوسع المضيف أن يقدم ضيفه لشعب مصر، بسجله الحافل بالسوابق الخطيرة لبنانيا وفلسطينيا وسوريا وعراقيا، لذلك اكتفى بالإشارة إلى موقعه الحالى كقيادى مؤثر فى مواجهة المعسكر المشاغب فى لبنان والذى لا يكف عن التحرش بإسرائيل واستدراجها إلى حروب لا تريدها، كما حدث فى حرب يوليو ــ 2006.

ربما لهذا اكتفى مضيفه الخبير الضليع فى الشئون اللبنانية، وزير الخارجية المصرى بأن صحبه فى جولة على متحف وزارة الخارجية بوثائقه الملكية، وفيها ما يبرز دور مصر فى تأسيس جامعة الدول العربية، وكذلك ما يحيط بقرارها التاريخى فى المشاركة فى حرب فلسطين (الأولى) سنة 1948، لأن أسرتها الحاكمة آنذاك، والمتحدرة من أصول أرناؤطية أدركت الخطورة التى ينطوى عليها المشروع الإسرائيلى على الأمن الوطنى المصرى أساسا، فضلا عن مخاطره على الوطن العربى ــ قيد التكوين ــ فى حاضره ومستقبله.

أغلب الظن أن جموع الشعب المصرى لم تعرف ما يكفى عن هوية الضيف اللبنانى الذى حظى بمثل هذا التكريم، وفى هذا التوقيت الملفت بتزامنه مع المذبحة الإسرائيلية الجديدة ضد المتطوعين الأتراك، وبينهم لبنانيون فضلا عن الأوروبيين والأمريكيين، ومطران للقدس من أصول سورية، وأحد الفائزين بجائزة نوبل، وبعض «الخوارج» من المصريين...

على أن المؤكد أن الحفاوة بهذا الضيف اللبنانى قد تجاوزت تاريخه الحربى فى وطنه الصغير، والإدانات التى صدرت بحقه من أعلى الهيئات القضائية فى جرائم اغتيال سياسى مشهودة والمسئولية عن مذابح جماعية ارتكبت وفى أكثر من ناحية فى لبنان، فضلا عن سجل العلاقة بإسرائيل فى ذروة احتدام الحرب الأهلية التى كان الإسرائيليون طرفا مباشرا فيها، بجيشهم، كما بمخابراتهم التى استطاعت تجنيد عملاء لبنانيين فى «جيش محلى» عمل لخدمة احتلالهم طيلة سنوات عديدة من حقبة احتلالهم لبعض الأرض وبعض الإرادة فى لبنان، بحيث أمكنهم إيصال رئيسين شقيقين إلى سدة الحكم، اغتيل أولهما قبل تسلمه الرئاسة، فى حين حفل عهد وريثه وشقيقه بأعنف مراحل الحرب الأهلية فى لبنان وأعظمها دموية.

ولقد فاجأت الحفاوة الرسمية التى أحاط بها أهل النظام فى مصر ضيفهم الاستثنائى اللبنانيين جميعا، بمن فيهم مناصرو هذا الضيف الذى استعرب مؤخرا، وبالثمن... وهى حفاوة كشفت من أوصى بالزيارة، فى خضم الصراعات العربية ــ العربية التى لا تنتهى، والتى تستنزف ما تبقى من قوة للعرب فى معارك جانبية تشغلهم عن قضيتهم الأصلية وعن عدوهم الحقيقى وتشغلهم بأنفسهم، بينما إسرائيل تواصل حربها المفتوحة عليهم مجتمعين، لا فرق بين مصالح ومهادن وبين من لايزال يرفع شعار التحرير، حماية لمستقبله.

كان الأمل أن يستفيد أهل النظام العربى من المبادرة التركية الشجاعة لتعزيز موقفهم فى مواجهة الحرب الإسرائيلية المفتوحة على مستقبلهم والتى يتبدى فى الحصار على غزة مضمونها الحقيقى.
كان الأمل أن يتلقى أهل النظام العربى هذا الإقبال التركى على قضاياهم بما يستحق من احتضان وترحيب وتشجيع، خصوصا أن له جذوره فى التاريخ المشترك الطويل بين العرب والأتراك، والذى حفل بالكثير من الإنجازات والأخطاء، خلال العمر الطويل للخلافة التى تحولت إلى سلطنة، ولكن يحفظ لها أن حكامها ــ وبكل ما لهم وما عليهم ــ قد تنبهوا لخطر المشروع الصهيونى على مستقبل العرب (والمسلمين) فرفضوا الموافقة على «منح فلسطين» «وطنا قوميا للحركة الصهيونية»، برغم الضغوط الهائلة التى تعرضوا لها... ونستذكر فى هذا المجال كلمة مأثورة للسلطان عبدالحميد فى أواخر القرن التاسع عشر، تعبر عن وعيه بحقيقة ما يدبر للمنطقة بعد إسقاط دولة «الرجل المريض» ممثلة بسلطنة... فقد قال فى تفسير موقفه من المشروع الصهيونى: «أخاف أن يصيبنى فى فلسطين ما أصابنى فى لبنان».

وللتفسير يمكن الإشارة إلى أن «الدول» العظمى، آنذاك، قد فرضت على «السلطنة» أن تقر بنظام خاص لجبل لبنان، إذ جعل «متصرفية» لها كيانها شبه المستقل، وإن أعطى السلطان حق تسمية المتصرف على أن يكون «مسيحيا من رعايا السلطان».

وذلك حديث آخر يشرح الكثير من تفاصيل اللغز اللبنانى الذى فرضه الغرب، بعد الاستقلال، عبر الصيغة الفريدة للنظام اللبنانى، التى تجعل هذا الوطن الصغير «عربى الوجه»، لكن له وضعا خاصا يفترض أن يراعى فلا يحرج فى هويته «الأممية» التى تحتسبه «مع» العرب وليس «منهم».

ولعل هذا بين معللات موقفه بالامتناع عن التصويت فى مجلس الأمن، عندما طرحت العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران، فاختبأ أهل النظام العربى جميعا خلف الوضع الخاص للبنان حتى لا يحرجوا به فيخرجوا... وهكذا كان اللاموقف هو الموقف العربى المثالى فى لحظة الخيار الصعب بين الخير والشر، وانتصر أهل النظام العربى بإلغاء أوطانهم ومصالحها.

وهذا نصر إضافى بعد النصر المؤزر فى رفع الحصار عن غزة بزيارة الساعات المعدودة والخطب المعهودة لممثل النظام العربى فى كل مكان وزمان.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات