الإثنين 15 أكتوبر 2018 4:07 م القاهرة القاهرة 30.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع عودة رحلات الطيران الروسي إلى مطاري شرم الشيخ والغردقة قريباً؟

قالت بونينو

نشر فى : الأربعاء 16 يوليو 2014 - 9:05 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 يوليو 2014 - 9:05 ص

بمشاعر متدفقة غلبت عليها ذكرياتها القاهرية. افتتحت «إما بونينو» وزيرة الخارجية الإيطالية السابقة التى غادرت موقعها قبل أسابيع، مداخلتها الرئيسية على إفطار عمل رمضانى: «أشعر أننى عدت إلى بلدى».

لم تكن تصطنع مدخلا إنسانيا إلى مهمتها الأوروبية فى استقصاء فرص وآفاق التعاون المحتملة. فقد عملت لسنوات طويلة فى القاهرة، وتابعت أحوالها عن قرب، قبل أن تتولى حقيبة التجارة الخارجية فى عهد «رومانو برودى» ووزارة الخارجية تاليا مستندة فى المرتين إلى أدوارها فى الاتحاد الأوروبى.

استمعت باهتمام لمداخلات من محاوريها المصريين ووضعت ملاحظاتها على ورق.

المداخلات تنوعت سياسيا فى ملفات عديدة واتفقت اقتصاديا على أهمية الدور الأوروبى.

بحسب «بونينو» فإنه لا مشروع «مارشال جديد» فى مصر ولا فى غيرها من دول المنطقة يحتذى الدور الأمريكى فى إعمار أوروبا بعد التدمير الذى لحقها بالحرب العالمية الثانية.

المعنى أن الدور الأوروبى المحتمل فى إنقاذ الاقتصاد المصرى يظل فى حدود لا يتعداها وأقصى ما يطلبه ضبط توجهاته فى دعم مشروعات بالتعليم والصحة والصناعات الصغيرة والمتوسطة.

بصيغة أخرى، فإن أى رهان على شراكة أوروبية أكبر فى «مؤتمر أصدقاء مصر» الذى يطلق عليه رسميا الآن «شركاء التنمية» معلق فى فضاء الأمانى.

فمثل هذه الشراكات تستدعى سياسات اقتصادية تسندها وحوارات سياسية تسبقها ومصالح مشتركة يجرى تزكيتها.

فى زحمة الأحداث بدت الدولة هنا بلا ذاكرة فلا أحد رحب بالضيفة الإيطالية على المستوى الذى يليق بدورها البارز فى منع فرض أية عقوبات اقتصادية على مصر بعد إطاحة الرئيس الأسبق «محمد مرسى» جرى اقتراحها فى مداولات وزراء الخارجية الأوروبيين ولا أحد اكترث بأدوار أخرى غير مستبعدة قد تسند إليها.

المعضلة الكبرى فى أية رهانات معلقة على الأمانى أنها تحمل الآخرين بنواياها دون أن تقوم بأدوارها فى قراءة الخطوات التالية، خطواتها هى قبل خطوات الآخرين.

ما الذى تطلبه مصر من مؤتمر «شركاء التنمية»؟

لا إجابة تحدد طبيعة المؤتمر وأهدافه وأولوياته وملفاته اللازمة قبل مشروعاته التى تطرح على الشركاء ولا إجابة ما توضح الأسباب التى دعت دول الخليج ألا تدفع دولارا واحدا منذ صعود الرئيس «عبدالفتاح السيسى».

فى الغموض كما فى الالتباس ارتباك كامن فى إدارة الملفات المتداخلة اقتصاديا وأمنيا وسياسيا وإقليميا.

القضية ليست فى المسميات بغض النظر عن حساسية بعضها. فالأزمة واحدة سواء أطلق على مؤتمر إنقاذ الاقتصاد المصرى الذى دعا إليه العاهل السعودى «شركاء التنمية» أو «أصدقاء مصر» أو «المانحين».

إذا كان هدفك ضخ استثمارات جديدة فى شرايين الاقتصاد المصرى يحتاجها بفداحة، فإن ذلك ممكن وفق تعهدات خليجية سابقة رغم أية تعثرات حالية.

المبلغ الإجمالى المتوقع فى حدود (٢٥) مليار دولار، وهو محدود نسبيا بالقياس على حجم المديونية العامة التى تصل إلى (٣٠٠) مليار دولار.

المعنى أن أية مساندة محتملة أقرب إلى دفع سيارة معطلة حتى يتحرك موتورها.

وهذه قضية تستدعى بناء تصور متماسك للاستثمار وأولوياته يوقف من ناحية النزيف الاقتصادى ويفتح المجال من ناحية أخرى لمزيد من العدالة الاجتماعية.

قضية الاستثمار لا تلخصها كتيبات ملونة تطبع عن فرصه فى مصر، فالمستثمر يعرف طلبه من السوق ودراساته، والملف الاقتصادى يتداخل فيه الأمنى والسياسى والإقليمى بصورة تجعل من النظر إليه مستقلا عما حوله أقرب إلى أحلام الصيف.

عندما تتحدث دوليا فى ملفات حقوق الإنسان فهذا حديث فى السياسة والاقتصاد معا، وعندما تقترب من ملفات الإقليم المشتعلة بالنار فأنت تتحدث بلغة أخرى فى إدارة مصالحك الاستراتيجية والاقتصادية.

الأزمة كلها مسألة رؤية تحكم الخيارات ووجهة طريق تقود السياسات. وهذه تلخصت حقائقها فى اجتماع امتد لخمس ساعات بين الرئيس ونحو (٤٢) رجل أعمال.

بحسب ما تسرب، فإنه استمع أكثر مما تكلم وخطابه انصرف إلى عنوانين كبيرين، أولهما أنه لا إرغام لأحد فى التبرع لصندوق دعم مصر،فهذه مسألة اختيار وأنه ملتزم بالقانون فى حماية الاستثمار.. وثانيهما أن التحديات الإقليمية الضاغطة قد تدفع لأزمات ومواقف مفاجئة ومكلفة وأن تحسين الوضع الاقتصادى بوليصة أمان للبلد ومستقبله.

بالمقابل، أبدى رجال الأعمال حماسا للتبرع للصندوق لكن مجمل ما أعلنوا عنه لا يتجاوز فى أفضل التقديرات رقم (٥) مليارات جنيه مصرى، ثلاثة منها من أسرة مالية واحدة.

بعض رجال الأعمال سجلوا أرقام تبرعاتهم على أوراق أودعوها فى الرئاسة وبعضهم الآخر أعلنها والأرقام فى أغلبها أقل من أية توقعات سبقتها قياسا على الثروات وحجمها.

تراوحت التبرعات من (٢٠) مليون جنيه تعهد بها رجل أعمال مثير للجدل والمبلغ نفسه أقل مما تكلفته إحدى مناسباته الاجتماعية إلى نحو (٦) ملايين دولار لرجل أعمال كبير آخر بتنازله عن دين قديم لدى إحدى هيئات الدولة إلى (٣٠) مليون جنيه من رجل أعمال كبير ثالث أعلن سابقا عن تبرعه بـ(٢٠٠) مليون جنيه على (٤) سنوات إلى (٥٠٠) مليون جنيه لرجل أعمال رابع حاول أن يشارك بدور ما فى صياغة البرنامج الاقتصادى للرئيس بينما ترددت أنباء غير مؤكدة أن شريكه ربما يكون قد تبرع بضعف هذا المبلغ.

عموما دارت نسبة ملحوظة من التبرعات المعلنة وغير المعلنة حول رقم (١٠٠) مليون جنيه.

بالنظر إلى تبرع القوات المسلحة بـ«مليار» جنيه وتعذر حضور رجال أعمال كبار آخرين الاجتماع الرئاسى فإنه من المتوقع أن يصل رصيد الصندوق بأكثر التقديرات تفاؤلا إلى نحو (١٠) مليارات جنيه وهو يساوى (١٠٪) مما يطلبه الرئيس.

المعنى أن طاقة الصندوق أقل من الرهان عليه.

التفكير نفسه فى حاجة إلى مراجعة، فما تحتاجه مصر إعادة صياغة مناخ الاستثمار وفق تشريعات جديدة تشجع عليه وتمنع الفساد فى الوقت نفسه، تضع القواعد الشفافة التى تعهدها الاستثمارات فى التجارب الناجحة وأن يحكم القانون حركة الاستثمار كلها، فلا زواج سلطة بمال ولا تغول على الحقوق العامة، ولا إفلات لفاسد من مساءلة عادلة.

بصورة أو أخرى، فإن الرهانات تصطدم بالحقائق، وربما لو خاطب الرئيس شعبه بالعناية نفسها التى أولاها لرجال الأعمال لتضاعفت أحجام التبرعات رغم أعبائها الباهظة على الدخول المحدودة.

الرهان على التبرعات يفضى إلى إعاقة مهمة إنقاذ البلد مما آلت إليه من تدهور والعقبة الأساسية أمام أية استثمارات جديدة أن القطاعين الحكومى والخاص فى شبه تعطيل، فالأول جُرفت كفاءاته وتقوضت بنيته وضربه الفساد المنهجى على مدى عقود فى مراكز صناعة قراره.. والثانى مشاكله فى طبيعة نشأة كبار رجال أعماله التى تراكمت لديهم فى مدى زمنى قصير للغاية المليارات السهلة بلا استحقاق غير أن القطاع الخاص باتساعه العريض وصناعاته الصغيرة والمتوسطة لا تلخصه جماعة رجال الأعمال وأزماته تستحق التذليل واجتماعات مماثلة من الرئاسة.

بناء السياسات تأخذ وقتا لكن الوقت قد يهدر فيما لا طائل كبير منه تتزايد فيه مخاوف تحميل الطبقة الوسطى والفئات الأكثر عوزا أعباء جديدة فيما تدلل الفئات الأكثر غنى.

الكلام هنا فى عدالة تحمل الأعباء وفى التوجهات الرئيسية.. والكلام هنا عن المستقبل المصرى حتى يشعر كل مواطن أنه «فى بلده» على ما قالت «بونينو».