الإثنين 23 أكتوبر 2017 5:09 م القاهرة القاهرة 28°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

القاهرة: مدينتى وثورتنا (٢٥)

نشر فى : الخميس 16 يوليو 2015 - 10:55 ص | آخر تحديث : الخميس 16 يوليو 2015 - 10:55 ص

الموجة الثانية

ماسبيرو: ٩ أكتوبر ٢٠١١

هذا الاسم ــ اسم عالم الآثار الفرنسى، الذى تحول عندنا إلى اسم شارع، «كورنيش ماسبيرو»، ثم صار يُكنى به هيئة الإذاعة والتليفزيون المصرية، صار الآن بالأساس اسما لمذبحة. «ماسبيرو» اليوم يعنى الجيش رابض فى ظل مبنى الإذاعة والتليفزيون ليطلق الرصاص على طليعة مظاهرة سلمية، أغلبها من المسيحيين، انطلقت من شبرا إلى التحرير اعتراضا على حرق كنيسة فى الصعيد. «ماسيبرو» يعنى المدرعات تروح وتجىء وسط الجمع الفزع تصدم الناس وتسحلهم وتدوسهم. يعنى التليفزيون الرسمى يسبر أغورا جديدة للانحطاط وهو يطالب المسلمين بالخروج والتصدى للمسيحيين و«حماية الجيش المصرى». يعنى شابا ذا قميص كاروهات أحمر يقذف بنفسه أمام ضابط يقف مراقبا على حافة المشهد ــ (هل كان هذا الضابط اللواء حمدى بادين الذى أرسلته حكومة الدكتور مرسى الآن ملحقا عسكريا لها فى بيجنج؟) الشاب يمسك بأكتاف الجنرال، يرجوه، يتوسل إليه، ومع ارتفاع حدة توسلاته ينزلق على جسد الضابط إلى أن يمسك بقدميه يقبلهما توسلا إليه أن يوقف المقتلة. ماسبيرو يعنى مشرحة المستشفى القبطى وأم تصرخ وعيناها محدقتان غير مصدقتين. ماسبيرو وجه فيفيان مرفوعا للسماء أيقونة للألم وهى تضغط كف مايكل الباردة إلى صدرها. ماسبيرو يعنى مقتل مينا.

مينا دانيال كان عنده ثلاث وعشرين سنة وكانت ابتسامته تسع الدنيا. مينا دانيال كان يعشق الآثار المصرية. مينا دانيال رفض أن يقصر نشاطه على الاهتمام بـ«شئون الأقباط» بل أصر على النضال من أجل حقوق الجميع. أصيب مع المئات الذين أصيبوا فى ٢٨ يناير وفى ماسبيرو قتلوه فى الثوانى الأولى من المذبحة. رصاصة إلى الصدر مرت فى القلب ثم الكبد.

الآن يتجلى مينا بطرق مختلفة؛ كان وجهه هو ثانى جرافيتى ستنسل مميز يظهر على جدران الثورة بعد وجه خالد سعيد. وفى شارع محمد محمود رأينا علم مينا دانيال لأول مرة: رسمة وجهه على قطعة مربعة من القماش الأحمر، تطير تحت جناح علم مصر والاثنان يتماوجان فى أقواس ودوائر واسعة فى دخان المدافع والغاز.

يظهر لنا علم مينا فى ساعات احتياجنا. هذه الراية المزدوجة، العلم المصرى الكبير يرفرف فوق المربع الأحمر حامل الوجه الذى صار مألوفا، مخطوط تحته: «كلنا مينا دانيال». صار فى الحال أيقونة، تحول ذلك العلم إلى أسطورة وهو بعد حقيقى ملموس بين أيدينا وقطعة القماش الحمراء تبهت وتهترئ. وأثناء هذا العام تجلت لنا راية مينا فى أحلك المواجهات مع القوات المسلحة، فى الاحتجاجات أمام مجلس الشعب، فى قلب الإضرابات، تحكى عن شجاعة وشهامة لا يمكن أن يهزموا. رفعت من أرواحنا وألهمت النفوس بالإقدام، لأننا ــ حين نراها ترتفع ــ نعرف أن تحتها وحولها يتجمع الرفاق وتتواجد مساحة إنسانية رحبة منتبهة حرة. ظهرت راية مينا فى القاهرة والأقصر، وفى الإسكندرية وأسوان، وفى كل مكان خرج الناس فيه يعبرون عن فكرة الحرية والكرامة، العدالة الاجتماعية وعدم الإقصاء، كان وجه مينا على القماش الأحمر يطير فى ظل علم مصر.

ونفس الستنسل، يحوطه أولا عقد من الزهور ثم زخرفات من زهرة اللوتس، أنبأ بفورة من الإبداع الجرافيتى، وكان الجرافيتى ــ إلى جانب الشعر والموسيقى ــ أكثر الفنون تعبيرا عن اللحظة الثورية. ثم ظهر أول تصوير لمينا فى بورتريه كامل بالحجم الطبيعى. ظَهَر ذات ليلة على حائط مبنى المجمع وسرعان ما انضم إليه على الجدار ثلاثة من الشباب فى وقفة رفاق لطيفة: خالد سعيد، على طه، رامى الشرقاوى. وبعد بضعة أيام صحونا لننبهر بلوحة كبيرة لمينا دانيل يجلس متربعا على الأرض، ومن كتفيه ينبثق جناحان ضخمان ملائكيان بكل ألوان الطيف.

رسخ ماسبيرو تعاون المجلس العسكرى والداخلية فى العمل ضد الثورة. رأينا الجهازين يعملان معا على مستوى بسيط فى أحداث العباسية الأولى، والآن، بعد ١١ أسبوعا، نراهما يخططان معا، يجرؤان على قتل سبعة وعشرين من المواطنين فى حدث واحد، يستخدمان التليفزيون الرسمى لنقل الأكاذيب ولمحاولة تقليب قطاع من الشعب على قطاع، يسكتان التقارير الإخبارية المستقلة، ويحاولان أن يضما إليهما قادة أو كبار القطاع المستهدف ــ فى أحداث ماسبيرو رجال الكنيسة الذين سعوا لدفن الشهداء دون تشريح وبشهادات وفاة كاذبة. ومع أحداث ماسبيرو تشكلت مجموعة / جبهة ثورية أدركت أن النظام حقيقة لم يسقط برحيل حسنى مبارك فرفضت بعد ذلك كل المبادرات والعمليات السياسية المرتبطة بأى شكل بحكام البلاد الحاليين: القوات المسلحة.

•••

فى السادسة من مساء ليلة مظلمة باردة فى بدايات نوفمبر (٢٠١١)، أنا وليلى نمشى مسرعات على رصيف ضيق بجوار النيل فى شارع البحر الأعظم. الطريق الواسع إلى يسارنا يرتفع منه زئير متصل، فهو بداية الطريق الذى يربط بين القاهرة والصعيد والحاويات الضخمة تمر بنا هادرة مخلفة عواصف من التراب والعادم. دادة عزيزة تسكن فى أحد الشوارع المتفرعة من هذا الطريق. اليوم الثالث من نوفمبر ونحن نزور مربيتنا العجوز فى أول كل شهر. كنا قد جلسنا فى زحمة سيارات على الطريق الدائرى قرابة ساعتين، فرأينا فرصتنا هنا، وقررنا القيام بالزيارة. نمشى مسرعات فى صمت، بسبب ضجيج الحاويات، ولأن النائب العسكرى قدد جدد حبس علاء احتياطيا وليس عندنا ما نقوله الآن.

رفض علاء الاعتراف بشرعية المحكمة العسكرية فقرر النائب العسكرى حبسه. أرسلوه إلى سجن الاستئناف فى باب الخلق، وفى اليوم التالى انطلقت لتأييده تظاهرة من أكثر من ثلاثة آلاف مشترك من طلعت حرب إلى التحرير، ومن التحرير إلى عابدين ثم إلى باب الخلق. وعند السجن وجدنا أنفسنا نواجه كتيبة أمن مركزى ورأينا مجموعات من الأمن فى الشوارع الجانبية. ارتفعت دقات الطبول وارتفع هتافنا: «سيبوا الورد يفتح سيبوا، وعلاء منا ومش هنسيبه» وامتلأ سطوح السجن بالمخبرين.. وقفنا قرابة ساعتين نهتف لعلاء ولكل الشباب الذين احتجزهم المجلس العسكرى، ثم عدنا بمسيرتنا إلى وسط البلد، نهتف ونتحادث مع الناس ونوزع الملصقات والمنشورات ــ نسترجع الشارع ونرصد تأثيرنا عليه.

وفى الأيام التالية قامت الاحتجاجات، وظهر الجرافيتى، ونظمت القصائد، واتصلت بنا شخصيات عامة وقيادات سياسية تؤكد أن المجلس العسكرى سيطلق سراحه قريبا ــ وظل علاء فى السجن.

واليوم كنا فى «س ٢٨»، المحكمة العسكرية فى التجمع الخامس. وصلنا فى العاشرة صباحا، فانضممنا إلى مجموعة من نحو ٥٠ من رفاق علاء يهتفون فى الشارع خارج مجمع المحكمة. وفى الثانية عشرة أخذت القوات المسلحة بطاقاتنا الشخصية وهواتفنا المحمولة ــ نحن أفراد الأسرة والمحامين ــ وسمحوا لنا بالدخول. وانتظرنا فى قاعة محكمة فسيحة. دخل القاعة عدد كبير من الشباب (عرفت فيما بعد أنهم كانوا ٣٢ شابا) يرتدون التريننج الأبيض للمحبوسين احتياطيا والـ«كلبشات» فى أيديهم تقيد كل اثنين معا. كان أحدهم علاء، وكان مقيدا إلى شرطى، وكان يبتسم ويحادثنا ويحكى لنا سريعا عن المساجين الآخرين: من هم وكيف تدبر لهم التهم، بدأ المحامون يتحركون بين الشباب، يسجلون أسماء وعناوين وهواتف فجاء ضباط اقتادونا إلى قاعة مختلفة ننتظر فيها وحدنا. خلعوا الكلبشات من يدى علاء وتراجع الحرس إلى آخر القاعة فالتففنا حوله: ليلى إلى جانبه ومنال إلى الجانب الثانى وسناء وأنا قبالتهم. أبوه دائم الحركة بين الأسرة والمحامين. ليلى تُبقى يدها على ابنها طول الوقت. أحيانا تميل برأسها، لثوان قليلة، إلى كتفه. قصوا شعره الطويل لكنهم سمحوا له باختيار الحلاق. نراه جميلا بالذقن النابتة والشعر الحليق. يحدثنا عن الأحوال الرديئة جدا فى سجن الاستئناف، عن الرجال المحتجزين فيه ظلما، عن رؤيته للأحداث. طلب توصيل رسالة إلى عمرو حلمى، وزير الصحة: «سجن الاستئناف مليان ناس مصابة، والإصابات دى لو لم تعالج ستؤثر فيهم مدى الحياة. ده مش ضرورى يحصل، ممكن تفاديه. الناس دى ممكن تتعالج تماما وهى السجن».

حين دخلت هيئة المحكمة وقفنا. طلبوا من علاء أن يقف فى مواجهة المحكمة، وقرأ النائب العسكرى قائمة الاتهامات. أمر رئيس المحكمة أن يتقدم محامى علاء فتقدم ثلاثة وعشرون محاميا: نساء ورجالا من جميع ألوان الطيف السياسى، من الاشتراكيين الثوريين إلى الليبراليين إلى الإخوان المسلمين والسلفية، الكل متضامن. قدم سبعة منهم بيانات مختلفة، وحين انتهوا قال علاء إنه يريد أن يتحدث. ذَكَر المحكمة أنه حُبِس ــ احتياطيا أيضا ــ لمدة ٤٥ يوما عام ٢٠٠٦ لمساندته القضاء فى سعيهم للاستقلالية، قال إنه واثق من أن حبسه اليوم، كحبسه الأمس، مقصود به العقاب. أشار إلى منال؛ أليس مكانه إلى جانبها فى هذه الأيام الأخيرة من الحمل؟ عدد كل الأسباب التى تطمئن السلطات أنه سيقدم نفسه أمام المحكمة حين يطلبونه. كان حديثه طبيعيا ومهذبا وصادقا وكنت متأكدة أنهم سيخلون سبيله، ولو بكفالة.

انسحبوا للتداول فتحلقناه مرة أخرى، وأتى لنا الأصدقاء المحامون بالشاى والبسكوت، وكانت الجلسة كأى من جلساتنا العائلية إلا لالتصاق ليلى هكذا بابنها ــ وفجأة، وكأن عاصفة هبت، تناثرت مجموعتنا الصغيرة وامتلأ الفضاء بالصيحات: بسرعة! اتحرك! انزل السلم! ومجموعة صغيرة كثيفة من رجال الشرطة تتحرك سريعا وعلاء وسطها ونحن نقفز من مقاعدنا ونركض وراءه ومنال لا تستطيع أن تجرى لكن ذراعها ممدودٌة نحو علاء تمسك بكتاب وتصيح «كتابُه! كتابُه!» وأحدنا ــ أنا ربما ــ يخطف الكتاب منها ويجرى وراءه على السلم لأن أهم شىءفى الدنيا الآن هو أن نعيد لعلاء الكتاب الذى لم ينته من قراءته. ركضنا على السلم وخرجنا إلى الشمس ورأيناه يدخل سيارة الترحيلات ورمينا بكتابه داخلها ثم أوصدوا عليه الباب. وقفنا إلى جانب السيارة ننادى «إحنا هنا! سامعنا؟» فقال: «أيوة، بس أحسن تجمعوا معلومات عن الشباب.» ذهبنا إلى مجوعة الشباب الواقفة إلى جانب سيارة ترحيلات أخرى: «أنا حتى مش عارف تهمتى إيه»، «ماتنسوناش»، «حملتكم هى أملنا الوحيد»، «معاكم ستيكرز لا للمحاكمات؟» وفجأة مرة أخرى الزعيق والصياح: «المبنى هيقفل! كله يخرج برة! بسرعة! كله برة!» ومن داخل بوكس الترحيلة نادى علاء يطلب أن نجد طريقة لنُعْلِمه قرار المحكمة.

هذا أسلوبهم: ينتظرون وينتظرون المكالمة الهاتفية التى ستلقنهم قرارهم، تأتى المكالمة فيختطفون سجينهم ويحبسونه، ويطردون أهله والمحامين إلى الشارع، ثم يعلنون قرار المحكمة فى قاعة خالية. وأثناء ما نحن فى السيارة، فى زحمة المرور على الطريق الدائرى، اتصل أحد المحامين بليلى وأخبرها بأن القوات المسلحة ستتحفظ على علاء ١٥ يوما أخرى.

الآن، ونحن نمد الخطى على كورنيش المنيب، أرى ليلى تقول شيئا ما. أميل إليها وأصيح فى ضجيج اللوريات: «بتقوللى إيه؟».

تصيح: «أنا هاعمل إضراب عن الطعام. من بكره».

نسرع متعثرات على الرصيف الخرب واللوريات تعصف بجانبنا وتصيح ليلى أنها مقتنعة أنهم يستهدفونه بشكل خاص، وأنها ستأخذ الأمر إلى مداه. إضراب تام عن الطعام، لن يدخل جوفها سوى الماء، إضرابها سيستمر إلى أن تُنقَل قضية ماسبيرو كلها من القضاء العسكرى إلى القضاء المدنى.

صديقة لنا قالت مرة إن فى اللحظة التى تكون السماء فيها «خلاص هتتطربق على الأرض»، تظهر ليلى سويف فتقيمها. وهذا ما تحاول أختى أن تفعله الآن: تحاول أن تبعد شرا كبيرا عن ابنها وعن بقية الشباب. أسألها «أضرِب معاكي؟» تقول لأ، أو على الأقل ليس بعد. أقول «طب هو فيه احتمال تموتي؟» تهز كتفيها. دخلنا إلى شارع دادة عزيزة الصغير. أقول «إوعى تقولى لدادة. دى تروح فيها ــ تموتك الأول، وبعدين تروح فيها».

التعليقات