الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 10:16 ص القاهرة القاهرة 26.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

ما أشبه الليلة بالبارحة.. غزة 1955 ورفح 2012

نشر فى : الخميس 16 أغسطس 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 16 أغسطس 2012 - 8:00 ص

كانت المرحلة من 1955 إلى 1961 إحدى أهم مراحل التطور السياسى فى مصر. ففى هذه المرحلة وقع تغيير كبير فى كل إمكانات مصر، وبخاصة امكاناتها العسكرية وفى نمط سياساتها الداخلية والخارجية.

 

«نذكر أنه حتى بداية 1955 كانت القضايا الداخلية هى الغالبة على اهتمامات الحكم الجديد فى مصر، ويوجد من القرائن ما يؤكد أن اتجاه حكومة الثورة بالنسبة للتسليح لم يكن يتسم بالحماس الشديد، ولم يقترن باعتبارات الأمن الخارجى بل بوسائل تتعلق بتأمين المؤسسة العسكرية التى تمثل قاعدة الحكم الجديد وتأكيد هيبتها الاجتماعية والسياسية. وبالرغم من أنه وجدت آراء تدعو إلى ضرورة تسليح الجيش بمعدات حديثة لتأمين الهدنة المصرية الإسرائيلية، فإن هذه الآراء لم تحظ بالاهتمام اللازم ذلك لأن الخطر الإسرائيلى لم يكن ماثلا مثول الأخطار الأخرى، وبخاصة الانقسامات الداخلية».

 

المؤكد لنا الآن كما فى السابق هو أنه لو لم تحدث غارة غزة لاستمر النظام المصرى لوقت أطول لا يعطى الخطر الإسرائيلى وزنه.. كانت هذه الغارة الدافع الذى جعل التسليح يأتى فى مقدمة أولويات القيادة المصرية، وقفزت بالنظام المصرى قفزة كبرى إلى قمة النظام العربى ونقلت المنطقة بأسرها نقلة كبرى.

 

كانت السنوات اللاحقة سنوات صعود مصر إقليميا ودوليا وتعزيز شرعية قادة الانقلاب العسكرى، بل لعل تداعياتها مثل عقد صفقة الأسلحة التشيكية فى 27 سبتمبر 1955 وهى الصفقة التى غيرت ملامح الشرق الأوسط ومثل مؤتمر باندونج ومثل قضية تمويل السد العالى وتمصير الاقتصاد، كلها كانت فى صدارة العوامل التى ساعدت على استحقاق الانقلاب صفة الثورة، وبدء ما صار يعرف بين المؤرخين للنظام العربى، بالمرحلة الثورية فى تطور هذا النظام.

 

●●●

 

 اقتبست بعض السطور السابقة من فصل فى كتاب عنوانه النظام الإقليمى العربى. ناقش فيه الكاتبان أهم الأحداث والتطورات التى أدت إلى تحولات جذرية فى النظام السياسى المصرى. فى هذا الكتاب الذى صدر قبل ثلاثين عاما وقع فى تصور المؤلفين أن «الحادث المفتاح» لفهم تطورات مصر والمنطقة هو عدوان إسرائيل على غزة فى فبراير 1955.

 

●●●

 

كانت الساعة 8:30 مساء يوم 28 فبراير عام 1955 عندما بدأت الغارة الإسرائيلية على قطاع غزة، فيما عرف فى إسرائيل بعملية السهم الأسود (هاتز ساخور) بحجة الرد على هجمات الفدائيين المصريين واستيلاء مصر على السفينة الإسرائيلية بات كاليم، وقد لقى 39 جنديا مصريا وثمانية جنود إسرائيليين مصرعهم فى هذه الغارة.

 

جاءت الغارة عقب محاولات إسرائيلية بدأت فور قيام نظام جديد فى مصر، وكان هدفها إثارة خلافات بين مصر من ناحية وكل من بريطانيا والولايات المتحدة من ناحية أخرى. عرفت إحدى هذه المحاولات بعملية سوزانا التى استهدفت تفجير أهداف مصرية وبريطانية وأمريكية فى مصر فى صيف عام 1954 واكتشفتها مصر فعرفت بفضيحة لافون. كان هدف شيمون بيريز تغذية الصراع عسكريا باستخدام التحرش لجس نبض النظام الجديد.

 

 آريل شارون الضابط الذى قاد فرقة المظلات فى الغارة على غزة كتب فى مذكراته يقول: «بعد انتهاء العملية عدنا من حيث أتينا نحمل ثمانية قتلى و14 جريحا، وكان موشى ديان فى انتظارنا وسأل بلهجة جافة كيف جرت الأمور، أجبته انجزنا مهمتنا ولكن بخسائر فادحة، رد بلا مبالاة، الأحياء أحياء والأموات أموات».

 

●●●

 

فى الساعة الثامنة مساء بتوقيت إسرائيل يوم الخامس من أغسطس من العام الحالى 2012 سيطرت جماعة «إرهابية» على حاجز مصرى فى جنوب رفح المصرية. وحسب تقارير التليفزيون المصرى فتح «الإرهابيون» النار فقتلوا 16 جنديا وضابطا مصريا، وبعد أن سيطروا على الحاجز استولوا على مدرعتين وانطلقوا بسرعة نحو معبر الحدود فى كرم أبوسالم. تصادف، حسب البيان الإسرائيلى، أن كان ينتظر على الجانب الآخر من الحدود قائد المنطقة الجنوبية فى الجيش الإسرائيلى طال روسو تنفيذا لتحذيرات سابقة، وعندما حاولت المدرعتان تفجير الموقع الإسرائيلى انطلقت طائرات إسرائيلية فأصابت إحدى المدرعتين.

 

كان تعليق صحيفة هاآرتس على النبأ «أن مسئولين إسرائيليين قالوا إن الهجوم سيلزم مصر بالعمل فى سيناء».

 

●●●

 

 بين الحادثين نحو ستين عاما صعدت فيها مصر وانحدرت. تحسنت أحوال سكانها ثم ساءت. انضبط الأمن فيها ثم انفرط. قادت وتصدرت الصفوف ثم تراخت وتراجعت وتعرضت لإهانات وضغوط حتى «انهد حيلها».. ولكن اللافت للانتباه فى الحالتين هو أن العنصر العسكرى كان محور التغيير ونقطة التفجير، وكان النقص فى السلاح والتدريب والقدرة الدفاعية حافز التغيير ومصدر الإلحاح. وفى الحالتين، كان مستقبل دور المؤسسة العسكرية فى الميزان، حتى أنهم تمكنوا من إقناع الشعب المصرى بأولوية تأمين احتياجات قواته المسلحة، وأن هذا التأمين لن يتحقق بدون اشتراكها فى الحكم والانخراط فى عملية بناء الدولة وعسكرة أهم وظائفها.

 

●●●

 

فى الحالتين، لم يكن الدور الخارجى غائبا، ففى حالة غزة 1955 كانت القضية الفلسطينية واحتلال مصر لغزة والامتحانات اليومية التى يجريها الجانب الإسرائيلى للنظام الجديد فى مصر وآخرها الغارة على القيادة المصرية فى غزة، من العناصر الأساسية فى تفجير الأزمة، وبعدها مباشرة اشتبكت مصر مع مساعى الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى تقييد حرية مصر فى العمل الإقليمى والنهوض باقتصادها وامكاناتها الدفاعية.

 

وفى الحالة الثانية، حالة سيناء 2012، أظن أننا بدأنا نكتشف جانبا أو أكثر من جوانب الدور الأجنبى. اكتشفنا بالفعل ونعرف بالتأكيد أن اتفاقية الصلح التى فرضتها الولايات المتحدة على مصر كانت القاعدة التى أسست لحالة الضعف المزرى لقوانا الدفاعية على طول حدودنا الشرقية. هذه الاتفاقية هى التى شجعت قوى وتيارات وعصابات أجنبية ومصرية على أعمال تثبت «فشل» الدولة المصرية وعجزها عن إدارة أراضيها وقبائلها وحدودها.

 

نعرف أيضا أن الولايات المتحدة موجودة بعساكرها وراداراتها وقواعدها فى وسط سيناء، تعرف أكثر مما نعرفه عن حقيقة الأوضاع فى هذا الجزء من بلادنا، ونعرف الآن أنها لم تخف عدم رضاها عن سلوك المجلس العسكرى فى الآونة الأخيرة، وبخاصة ما يتعلق بالإصرار على التدخل فى السياسة والفشل فى ضبط الأمن على الحدود الغربية والجنوبية وفى أرجاء مصر بشكل عام حتى خلال فترة احتكارها السلطة.

 

 نعرف كذلك أن أمريكا حذرت من أن استمرار تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية فى مصر، يسىء إلى مكانة مؤسسة المطلوب منها التفرغ لتحمل مسئولية محاربة الإرهاب الإسلامى فى سيناء أولا ثم فى حزامه الجديد الممتد من مالى ونيجيريا فى غرب أفريقيا إلى الصومال وإثيوبيا فى شرقها.

 

 نعرف الآن أن الولايات المتحدة الأمريكية كثفت زيارات مسئوليها، بعضها معلن وأكثرها لم يعلن ولكن مرصود، خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة. لفت نظر البعض منا بشكل خاص زيارة بانيتا وزير الدفاع وقادة عسكريون فى وقت كانت الأزمة الداخلية جاهزة لمفجر. وقد كان.

 

●●●

 

السؤال الذى يتردد، أو يجب أن يتردد على كل لسان، هو التالى، إلى أى حد يتوافر لحادث الاعتداء على رجال الأمن فى غارة رفح الظروف والشروط التى يمكن أن تجعله نقطة انطلاق لتغييرات جوهرية فى مصر وفى الشرق الأوسط، مثلما توافرت لغارة غزة 1955 شروط وظروف جعلتها «فاتحة» تحولات جوهرية ليس فقط فى مصر ولكن أيضا فى الإقليم وربما العالم بأسره.

 

لن تكون غارة رفح حادثا عابرا.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.