الأربعاء 19 سبتمبر 2018 8:16 ص القاهرة القاهرة 25.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

حتى لا تظل رواية حرب العبور ناقصة المعنى

نشر فى : الأربعاء 16 أكتوبر 2013 - 9:20 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 أكتوبر 2013 - 9:23 ص

أما وقد أسقطت الثورة فى مصر عهد مبارك فى تفجرها الأول فى 25 يناير 2011، ثم استعادت زخمها بعد فترة من التيه ومحاولة حرف المسار، فأسقطت نظام الإخوان بالتظاهرات غير المسبوقة بحشدها الأسطورى فى أوائل يوليو 2013، بما يمكن من إعادة تظهير صورة مصر الحقيقية وانتمائها الأصيل إلى أمتها.

أما وقد بات ممكنا أن يكتب التاريخ بالوقائع الحقيقية الموثقة وليس بالمواقف السياسية الانفعالية أو بطمس بعض الحقائق التى لم تكن تلائم «النظام» وتطلعاته وتوجهاته.

أما وقد جاءت ساعة الحقيقة التى لا يخاف منها العهد الجديد فلا بد من إعادة تظهير الصورة الكاملة للحرب المجيدة التى تعددت تسمياتها وفقا للغرض السياسى، فهى فى مصر «حرب أكتوبر» أو «حرب رمضان» وهى فى سوريا ــ الشريك بالدم ــ «حرب تشرين التحريرية»، وهى عند العرب جميعا الحرب المجيدة التى ضيع الغرض السياسى ــ فرصة انتصارها التى كانت متاحة وتأكيد هويتها الأصلية التى تؤكد قدرة العرب (ممثلين هنا بمصر وسوريا أساسا ومعهما سائر الأشقاء) على الإنجاز متى تلاقت الإرادات على الإيمان بالمصير المشترك.

•••

اليوم وبعد أربعين سنة من ذلك الموعد القدرى مع إسقاط أسطورة «الجيش الإسرائيلى الذى لا يقهر» وكذلك إسقاط خرافة أن العرب لا يتلاقون على هدف واحد، حتى لو كان التحرير، لابد من تصحيح الصورة التى شوهت بالقصد وإعادة الاعتبار إلى الدم الذى أريق فوق رمال سيناء أو فوق هضبات الجولان وتوكيد الدلالات العظيمة لذلك التلاقى التاريخى الذى كان مؤهلا لإعادة صياغة التاريخ العربى الجديد.

لقد رسخت فى الأذهان روايتين لتلك الحرب، أولاهما مصرية تركز على العبور المجيد إلى سيناء عبر قناة السويس، وهو إنجاز عسكرى تاريخى عظيم بلاشك، مع إهمال مطلق للجبهة السورية بكل الوقائع المؤكدة إنه إنجاز تاريخى للجيش السورى.. وكذلك أهمل دور الإسناد العربى للجيشين الشقيقين، اللذين خاضا تلك الحرب، وهو إسناد كان له موقعه المؤثر فى القفزة الأولى وفى تحقيق نتائج ميدانية باهرة.

صار للحرب روايتان: لكل نظام من النظامين اللذين أرسلا جيشهما إلى الجبهة، واعتمدا التوقيت الموحد لبدء المعركة رواية مختلفة عن رواية الشريك بالدم إلى حد يقارب إنكار دوره.. فصار «العبور» فى مصر هو التلخيص المقصود للحرب، بينما اعتبرت سوريا أن القيادة المصرية قد خذلتها فأوقفت تقدم الجيش المصرى، وهو فى ذروة انتصاره ومنعته بذلك من تطهير سيناء جميعا من الاحتلال الإسرائيلى، مما ألقى العبء القتالى الثقيل على الجبهة السورية وحدها فأعجز الجيش السورى عن الاحتفاظ بنتائج تقدمه الباهر على جبهة الجولان حتى مشارف بحيرة طبريا.

وكان مأمولا، وقد وصل إلى موقع القرار فى مصر أهل الثورة، أى شعب مصر، يتقدمهم الجيش كطليعة منفدة لإرادة الجماهير التى خرجت فى أعظم تظاهرة فى التاريخ، أن يتم تصحيح المغلوط وإعادة إثبات المطموس من دور الشريك بالدم فى تلك الحرب، أى الجيش السورى، ثم سائر الدول العربية التى اندفعت تقدم الدعم سواء بالسلاح المؤثر على مسار الحرب: طائرات الميراج التى اشترتها ليبيا لمصر والأسلحة والذخائر بما فيها الصواريخ من الجزائر والدبابات العراقية التى أسندت الجيش السورى فى معركة الجولان فضلا على المتطوعين، وبشكل خاص ذلك القرار التاريخى الذى اتخذه الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز بوقف ضخ النفط وهو القرار الذى كلفه حياته، فضلا على الآلاف من رجال القوات الخاصة الذين أوفدتهم الجزائر والمغرب واليمن إلى الجبهتين فقاتلوا قتالا مجيدا وسقط منهم مئات الشهداء مؤكدين بدمائهم وحدة المصير.

•••

ليس سرا أن أهداف كل من الرئيسين الراحلين أنور السادات وحافظ الأسد من هذه الحرب لم تكن متطابقة، خصوصا وقد كشفت الوقائع قبل الوثائق التى نشرت فى ما بعد اختلاف الطريق إلى حد تبادل الاتهامات بالانفراد فى قرار وقف الحرب.

لقد اتهمت القيادة السورية السادات بأنه أوقف الحرب بناء لاتفاق مسبق مع الإدارة الأمريكية، تمهيدا لأن يذهب إلى الصلح المنفرد مع العدو الإسرائيلى، وهو الصلح الذى تجاوز الخطوط العسكرية إلى اتفاقات كامب ديفيد، بعدما كانت قد سبقتها «الزيارة» المباغتة التى قام بها الرئيس المصرى إلى فلسطين معلنا أمام الكنيست الإسرائيلى انتهاء عصر الحروب تمهيدا لإقامة سلام دائم وثابت مع من كان العدو القومى، إسرائيل، تحت الرعاية الأمريكية.

فى أى حال، فعلى امتداد أربعين سنة ترسخت فى أذهان الشعوب العربية جميعا روايتان لهذه الحرب المجيدة: الأولى مصرية رسمية تركز على «العبور» ــ وهى عملية بطولية ولا ريب ــ وتهمل كل ما عداه، وبالذات كل ما يتصل بأن قرار الحرب كان مشتركا، وأن الجيشين العربيين المصرى والسورى قد خاضاها معا وبتوقيت واحد ووفق خطة موحدة، وبإسناد مؤثر عسكرى ومادى جاء من معظم الدول العربية، والثانية سوريا رسمية تركز على دور الجيش السورى فى محاولة تحرير الجولان ثم انكشافه أمام العدو الإسرائيلى بعدما تم تجميد الجيش المصرى المنتصر بعد قفزته الأولى ــ العبور ــ من دون إخطار شريكه بالدم بهذا القرار، مما جعله يواجه، منفردا، الكتلة العظمى من الجيش الإسرائيلى المتفوق بالطيران وبالدعم الأمريكى المفتوح، وهذا ما حرمه من الاحتفاظ بما كان قد حرره من أرضه المحتلة.

•••

ليس القصد من استعادة هذه الوقائع التهوين من خطورة القفزة الجبارة للجيش المصرى وإنجازه «العبور»، محققا انتصارا باهرا يكسر أسطورة الجيش الإسرائيلى.

لكن القصد أن نحمى التاريخ العربى من أى نقص قد يسىء إلى كرامة الدم المراق على عتبة التحرير، والأخطر أن نحمى علاقات الأخوة بين البلدين اللذين ربطتهما الشراكة بالدم فى ساحة الحرب، مؤكدة وحدة المصير.. ووحدة العدو، فى الماضى والحاضر والمستقبل، الذى ما يزال يحتل فلسطين ومعها بعض الأرض المصرية وبعض الأرض السورية، فضلا على تهديده الدائم للبنان الذى احتل بعض أرضه لفترة (1978) ثم اجتاح عاصمته بيروت فى صيف عام 1982، منصبا رئيسا للجمهورية بقوة سلاحه الذى مكنه من طرد المقاومة الفلسطينية من لبنان.

•••

إن العدو الذى كان عدوا ما زال عدوا لكل العرب. وهو ما زال يحتل فلسطين وقرارها، سواء فى الضفة الغربية التى لا تتحرك سلطته فيها ولا يخرج أى مسئول منها إلى الخارج إلا بإذن إسرائيلى، فى حين أنه ما يزال يحاصر غزة ويهدد باجتياحها فى أى وقت، وقد شن عليها حربين متعاقبتين، تخللتهما حرب على لبنان سنة 2006.

وإذا كان حكم الإخوان قد أهان المصريين (وكل العرب) بتلك الرسالة المذلة التى وجهها إلى الرئيس الإسرائيلى، ثم بالتواطؤ على غزة وهى تحت النار الإسرائيلية نتيجة «وساطة» أمريكية، فإن الثورة المجيدة التى أنهت حكم الإخوان تؤهل مصر لأن تمسح ذلك العار حتى لا نقول «الخيانة الوطنية».

إن مصر الثورة مطالبة بأن تعيد الاعتبار إلى مجموعة من القيم التى تجسدت فى حرب رمضان ــ العبور ــ تشرين، وأولها وأخطرها أن مصر هى بعض أمتها، وأن شراكتها مع سوريا لم تكن استثناء أو خروجا على القاعدة، تماما كما أن مشاركة العديد من الدول العربية فى تعزيز قدرات الجبهتين المصرية والسورية كانت التزامات بموجبات الأمن القومى والدفاع عن الذات ومواجهة العدو الواحد لجميعهم.

لحماية شرف «العبور» وبطولة الجيش المصرى فى إنجازه، ولحماية رفقة السلاح وأخوة الدم مع الجيش السورى وسائر الفرق أو الكتائب العسكرية التى جاءت لنجدة مصر وسوريا، ولحماية الحقيقة أولا وأخيرا يجب إعادة الاعتبار إلى الثوابت الوطنية والقومية التى أكدتها حرب أكتوبر.

والثورة التى أنقذت مصر من الدكتاتورية والدجل السياسى باسم الدين تفرض إعادة كتابة التاريخ الحديث لمصر، وبالذات هذه المحطة الفاصلة من تاريخها الحديث ودور الأخوة بالدم فيها.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات