السبت 17 نوفمبر 2018 9:43 ص القاهرة القاهرة 20.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الثورة تقاتل العروبة بالإسلام.. والكيانية أقصر الطرق إلى الحماية الأجنبية

نشر فى : الأربعاء 16 نوفمبر 2011 - 9:40 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 نوفمبر 2011 - 9:40 ص

كلما تهاوى واحد من الأنظمة التى كانت تحمل راية العروبة، ولو ادعاء، أو تنادى بالعروبة نفاقا، تتبدى الساحة السياسية فارغة من أية قوى سياسية جدية وتطفو على السطح أطياف الإسلاميين، بمختلف تنظيماتهم العلنية أو السرية.

 

بسرعة قياسية تختفى التنظيمات السياسية التى كانت الأنظمة قد أنشأتها ومولتها وحصنتها ومكنتها من الاستيلاء على أجهزة الدولة بعد ما طاردت حتى الاستئصال الأحزاب او القوى السياسية ذات الهوية الفكرية الواضحة سواء أكانت قومية عربية او تقدمية اشتراكية او ماركسية. فالنظام يرى فى نفسه انه يجسد العروبة والتقدم والعدل الاجتماعى وبالتالى فلا مبرر لوجود معارضة تحمل الشعارات نفسها.. فالحزب الحاكم هو البديل الشرعى والفعلى عن تلك التنظيمات جميعا، وطالما انه حاضر وانه مصدر السلطة فليذهب المناضلون إلى بيوتهم، والا فالسجون والمنافى تنتظرهم افردا وجماعات.

 

لكأن الانتفاضات او الثورات العربية قد قامت أساسا ضد العروبة ذاتها، بعدما وحدت بين المدعى وبين الشعار الذى رفعه ليموه به طغيانه وانحرافه السياسى.

 

فى الغالب الأعم رفعت الأنظمة الديكتاتورية التى تهاوت او هى فى طريق التهاوى شعارات تموه غربتها عن واقع شعبها.. فهى تدعى أنها «وطنية» وأنها تقر بانتماء شعبها إلى الهوية العربية وان قدم عليها همومه المحلية، مرجئا الالتزام بالعروبة إلى ما بعد الفراغ من بناء تجربته فى الداخل.. وهى مهمة تتطلب منه التفرغ الكامل لإنجازها، مرجئا حديث الالتزام بموجبات العروبة إلى ما بعد الفراغ من بناء الوطن، لاجئا إلى «جامعة الدول العربية» وميثاقها لتأكيد الانتماء العربى لشعبه ودولته.

 

بل إن العديد من قيادات الانتفاضات العربية تبادر، وغالبا من دون طلب، إلى توكيد اسلاميتها او التزامها الشريعة دستورا، بما يضع الإسلام بديلا من العروبة ــ أى أنها تهرب من الالتزام الوطنى بأبعاده القومية إلى الشعار الإسلامى الذى لا يمكن اعتباره الهوية لشعب بالذات من بين قافلة الشعوب الإسلامية التى يزيد تعدادها على المليار إنسان، والتى لا يمكن للإسلام ان يشكل هوية وطنية او قومية لكل منها.. فماذا، عدا الدين الحنيف، يمكن ان يجمع بين الاندونيسى والسودانى، بين الباكستانى والمغربى، بين الجزائرى والبنجلاديشى؟!

 

بديهى ان التضامن بين الشعوب، عموما، واجب،وبالتأكيد فإن هناك رابطة إضافية تجمع بين الشعوب الإسلامية، فى مجالات شرعية محددة.

 

أما الهوية السياسية أو الهوية الوطنية لبلد ما فلا تنطلق من الانتماء الدينى، حتى حيث يسود الإيمان بدين واحد، فكيف حين تتعدد الانتماءات الدينية والطائفية فى بلد واحد او دولة واحدة.

 

لقد انتهى زمن الدولة الدينية. وفى ما عدا دولة العدو الإسرائيلى ليس ثمة من دولة تجهر بهويتها انطلاقا من الدين وحده، حتى الدول التى تضع الشعار الإسلامى على علمها فهى إنما تضيفه إلى شعارها الوطنى الثابت والذى يؤكد الهوية الوطنية لشعبها عبر تاريخه، بنضالاته التى قد يشكل الجهاد ثابتا من ثوابتها ولكنه لا يلغى الانتماء لأرض بالذات لها تاريخها الخاص الحافل بالنضال ضد قوى استعمارية أجنبية، بينها دول إمبراطورية إسلامية (العثمانيين مثلا) ولها هويتها الخاصة التى تميزها عن دول أخرى قد تشترك معها فى الدين ولكنها تختلف عنها فيما عدا ذلك.

 

ليس الحديث عن فشل «القومية العربية» تزكية فورية لشعار الإسلام هو الحل. ولقد أثبتت تجارب عديدة ومكلفة ان الدين وحده أسمى من ان يسخر لغرض سياسى، وهو أعظم من أن يكون هوية لشعب له تاريخه الخاص وله جغرافيته الخاصة وله مصالحه التى لا تتصل بالدين من قريب او بعيد. الإسلام دين وليس قومية. والدين لا يحد بوطن او بهوية محلية ولم يثبت مرة، عبر التاريخ، انه يصلح قاعدة وحيدة لدولة بذاتها. وليس بغير دلالة ان تجربة التنظيمات الإسلامية فى مختلف الأقطار ذات الأكثرية الإسلامية لم تنجح فى إقامة دولة، بالمعنى المألوف للكلمة.

 

حتى الدولة الوحيدة التى يطلق ملكها على نفسه لقب حامى الحرمين الشريفين والتى تتخذ من الشريعة قاعدة لحكمها تتصرف فى سياساتها بما يتناسب مع القواعد التى اعتمدها المجتمع الدولى، والتى لا تمت بصلة إلى الشرع الإسلامى بقواعده ونواهيه.

 

ومن الطريف ان نتخيل رئاسة مجلس الأمن وقد آلت إلى دولة تطبق الشريعة الإسلامية فى حكمها، وكيف سيتصرف ممثلها فى القضايا المطروحة عليها اذا ما أصر على تطبيق الشرع.

 

حتى فى الجمهورية الإيرانية الإسلامية فإن الدولة ومؤسساتها تتصرف بما يتناسب مع مصالحها الوطنية.

 

●●●

 

يتصرف الإسلاميون، بطبعاتهم المختلفة، وكأنهم قد أنجزوا انتصارهم التاريخى على العروبة، وإنهم يخوضون الآن «تصفية الحساب» مع التيارات الوطنية، وان الطرق قد انفتحت أمامهم، أخيرا، إلى السلطة ليحكموا باسم الدين الحنيف وشرعه السامى.

 

ويبادر بعض قادة الانتفاضات التى نجحت فى خلع حكم الطغيان الذى كان قائما فى بلادهم إلى التوكيد على «الإسلام» كهوية للثورة، وعلى «الاستقلالية» المطلقة كمنهجية ثابتة فى حماية « الكيان» ثم يرون ــ كما فى نموذج ليبيا ــ ضرورة الإشارة إلى القبلية والى الجهوية والى بعض «القوميات» او العناصر فى محاولة تبرير الابتعاد عن تحديد هوية عربية، ولو بنسبة ما، للانتفاضة ولمن قادها وضحى فى سبيلها حتى الاستشهاد.

 

ثم ان بعض هؤلاء الذين لا يتورعون عن قطع الاجتماعات ذات الطابع الدولى الحاسم من اجل أداء الصلاة، لا يجدون حرجا فى الحديث عن الدعم الامريكى للثورة، او عن اللجوء إلى واشنطن لكى تتولى حماية «الثورة» التى ما كان لها ان تصل إلى الحكم الا عبر الطيران الحربى لحلف النيتو.. بعدما تعذرت الاستعانة بالطيور الابابيل!

 

وفى مثال ليبيا، من البديهى مناقشة العلاقة الجدلية بين الشرع الإسلامى والحلف الأطلسى.

 

فليس فى التاريخ شواهد تؤكد ان «أساطيل الكفار» قد تدخلت لإقامة حكم الشرع الحنيف فى أية دولة فى العالم.

 

أما فى مثال مصر فمن الصعب التصديق ان الإخوان المسلمين إنما ذهبوا إلى واشنطن لاقتباس الدستور العلمانى من اجل إقامة حكومتهم الإسلامية فى قاهرة المعز.

 

وانه لمن الظلم تحميل العروبة كل هذا التراث الوحشى لأنظمة الطغيان.. فالعروبة كانت الضحية الأولى لتلك الأنظمة التى رفعت شعاراتها لتمويه حقيقتها المعادية للعروبة، وهى أنظمة كانت كيانية منذ لحظة قيامها بالقوة العسكرية وحتى لحظة خلعها بقوة الجماهير التى كانت ضحية طغيانها وتزويرها طيلة عقود.

 

ومع العروبة تسقط فلسطين على الطريق إلى السلطة التى سوف تجرى مصادرتها باسم الإسلام.

 

لم نسمع فى أى ميدان، الا قليلا فى القاهرة، اسم فلسطين يملأ الهواء، او علم فلسطين يرفعه شباب الثورة ليتخذوا منه الهوية ويحددوا به الهدف الأسمى لانتفاضتهم.

 

ومن أسف أننا لم نسمع كلمة عن إسرائيل كعدو للأمة جميعا بمسلميها ومسيحييها من قادة الانتفاضات سواء من تسلقوا الميادين إلى السلطة او من نجحوا فى الانتخابات بتراثهم النضالى ضد الطغيان، برغم فصاحتهم فى الحديث عن ديمقراطيتهم وعن اعترافهم بالهويات الدينية الأخرى لبعض مواطنيهم اليهود.

 

●●●

 

الإسلام ليس الهوية السياسية لهذه الأرض العربية التى تدين الأكثرية الساحقة من مواطنيها بالإسلام.

والحكم الإسلامى، بنماذجه المعروضة، ليس المستقبل.

 

ان الإسلام السياسى كما يطرح فى بازار الانتخابات ليس البديل من العروبة. انه يطرح لإلغائها، أى لإلغاء هوية هذه المجتمعات والرابط السياسى بينها جميعا. وبالتأكيد فلم يلعلع الفرح فى مختلف العواصم العربية بانتصار الانتفاضة فى هذا القطر العربى او ذاك لأسباب تتصل بالدين، بل لأسباب سياسية تتصل بالحياة وهمومها وتكاليفها كما بالمستقبل المشترك اولا وأخيرا.

 

الإسلام ليس البديل عن العروبة.. خصوصا أنه ينطق الشهادتين بلكنة امريكية.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات